لا يمكن قراءة الوضع التعليمي الراهن وتشكل الهاجس المعرفي والتربوي، خارج جذوره التي تأصلت وتأسست بمبادرات فردية وحالات ريادية، أعطت الكثير ووسمت المراحل الأولى بميسمها الخاص.
ولا يمكن قراءة تلك البؤر المضيئة، خارج نبضها الإنساني، وعراقتها التي مهدت لظهور أجيال متميزة، وطاقات حقيقية تابعت تلك الخطى بذات الحماس والإحساس بالمسؤولية تجاه بناء المجتمع، وتعميق اهتماماته وأولوياته في المعرفة والتعليم.
من هنا رصدت «مرايا البيان» مدرسة الإصلاح التي شكلت نقطة تحول بارزة في الحقل التعليمي، والتي تأسست عام 1935م على يد الشيخ محمد بن علي المحمود في منطقة الحيرة. وكان مقرها الأول في بيت السيد عبد الله بن ناصر واحتوت عند افتتاحها أربعة فصول توسعت فيما بعد.
مشرف متحف مدرسة الإصلاح فؤاد محمد القحطاني أطلعنا على المراحل التي مرت بها المدرسة وبعض أسماء مدرائها ومدرسيها وطلبتها، وذكر أن مدرسة الإصلاح انتقلت من الشارقة إلى حي الحمرية لمدة عامين تقريباً ثم انتقلت إلى مقرها الحالي في بيت الشيخ سالم بن سعيد الشامسي في فريج السوق بجانب سوق العرصة.
وقد تعاقب على إدارتها كل من الشيخ محمد بن علي المحمود مؤسس المدرسة، أحمد محمد بورحيمة، يوسف طه، محمد ذياب الموسى.
ومن معلمي مدرسة الإصلاح: يوسف عبد الرحمن الجرمن، وسالم بالهول، راشد بن سالم، فاضل البطي، وتضم قائمة التلاميذ كوكبة من الأسماء المعروفة على رأسهم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عيسى بن عبيد البادي، ربيع بن عبدالله المطوع، سالم بن عبيد الطريفي، حسن بن محمد المدفع، تريم عمران، أحمد بن عبدالله النومان، سيف بن عبد الله النومان، بطي بن عبيد، جاسم بن سيف المدفع، سلطان بن سيف المدفع، حسين خان صاحب.
إبراهيم علي الشاعر، سعيد علي الشاعر،عبد الله إسماعيل البريمي إبراهيم إسماعيل البريمي، علي مختار بن حسن، وحسين مختار بن حسن، وأشار إلى أن الدراسة كانت مختلطة، حتى فصل بين الطلبة أحمد بو رحيمة، وكانت «شريفة البعباع» تدرس الطالبات.
صاحب المبادرة
أعيد ترميم هذه المدرسة بطريقة تحاكي النموذج الحقيقي بكافة تفاصيله، بعد أن فقدت الكثير من ملامحها، وتم استخدام المواد التي بنيت منها آنذاك، من الحجر المرجاني، الجص، وأخشاب الصندل، والحصير، واستطاع الخبراء والمشرفون إحياء تلك المدرسة بطريقة تكاد تكون مطابقة لصورتها القديمة، وتم إحضار العديد من مواد اللوازم المدرسية القديمة والورق والمخطوطات، لإضفاء البعد الواقعي على المكان واستحضار مناخاته التاريخية. وتم افتتاح متحف مدرسة الإصلاح عام 2002.
معيداً بذلك الاعتبار إلى هذا الموقع الهام، وإلى تلك الشخصية الثرية الشيخ محمد بن علي المحمود صاحب المبادرة التاريخية، الذي اتبع أسلوبا متطوراً في تأسيسها ووضع برامجها التعليمية حيث سافر إلى العراق والبحرين والسعودية للاطلاع على البرامج وطرق التدريس في تلك الدول، كما انشأ مكتبة ثقافية في منطقة الحيرة وأسماها «مكتبة الإصلاح» وهي من أوائل المكتبات في الشارقة، ضمت كتباً في الدين والأدب واللغة .
وإليه يرجع الفضل في تعليم البنات حيث افتتح أول فرع في مدرسة الإصلاح لتعليم البنات،وبذل جهوداً لتشجيعهن على متابعة التحصيل العلمي وإقناع أولياء الأمور بأهمية التعليم وضرورة إرسال أولادهم إلى المدرسة، وقد لخص المحمود أسس مدرسة الإصلاح وأهدافها بتلك الأبيات الشعرية:
عنصر التوحيد يأبى الجاهلية
هاج قلبي بالمبادئ الأولية
قد مضت مدرسة تيمية
فانبرى الإصلاح يردي الهمجية
وأيضاً في الأبيات التالية:
وللتهذيب في الإصلاح درس
لتذهيب الشاب به السدادا
سيثبت ولثبات هو الترقي
وما قد خاب إلا من تمادى
إذا اعتمدوا على النفس اعتمادا
فما ضعفت لعمر أبيك منهم
عزائم عندما رأوا الرشادا
همو بذلوا لتحصيل المعالي
فنالوه وما حرموا المرادا
وكان الشيخ محمد بن علي المحمود، قد نشأ في الشارقة وعاش فيها طفولته، حيث درس في التيمية المحمودية وكان عمره ست سنوات ثم في المدرسة النابودية والسالمية، والهداية الخليفية في البحرين.
ثم درس على يد الشيخ محمد بن سيف في منطقة الحيرة، وعلى يد الشيخ مشعان بن ناصر المنصور. وفي العام 1935 درس على يد عبد الرحمن بن محمد الشامسي.
جولة في ردهات الزمن
الاطلاع على فصول تلك المدرسة وتأمل مقاعدها وسبوراتها، وأسماء وصور المؤسسين والمعلمين والطلبة الذين مروا عليها، يفتح كوة للإطلالة على خفقتهم الحاضرة ونبضهم الذي تغلغل في ردهات المكان الذي أعادنا إلى صفوف المدارس التي تعلمنا فيها حروفنا الأولى، وإلى أثر الطباشير على أصابعنا وأصوات المدرسين الصارمة، التي رسخت في عقولنا العديد من المفاهيم والدروس الهامة، مشكلة العتبات الأساسية، التي انتقلنا عبرها إلى الحياة.
بدءاً من فناء المدرسة والليوان، والبئر القديمة ومروراً بتلك الحجرات التي كانت عامرة بأوائل الطلبة الذين تلقوا تعليمهم هناك وبرزوا فيما بعد كشخصيات قدمت خدمات جليلة إلى إمارة الشارقة بشكل خاص، وإلى دولة الإمارات بشكل عام.
بعد جولة في ردهات الزمن في الطابق الأرضي للمدرسة المكون من: فصل التعليم التقليدي، فصل المعلومات السياحية، غرفة شرب الماء، الاستراحة، فصل التعليم النظامي «أولاد»، فصل التعليم النظامي «بنات»، المكتبة، والمطبخ.صعدنا إلى الطابق الثاني عبر درج حلزوني.
حيث أعيد توزيع الأثاث القديم لغرفة المعيشة التي كانت تضم الكادر التدريسي آنذاك، وكان المكان حياً وكأنه مازال مأهولاً بأنفاس المعلمين الأوائل الذين أعطوا الكثير لأبناء المنطقة، وغرسوا اللبنات الأولى للتعليم في إمارة الشارقة، التي كانت ولا تزال، تضع المعرفة والتعليم ضمن أولوياتها، حتى سميت بعاصمة الثقافة.
إسماعيل الرفاعي
