«بلدي وان جارت علي عزيزة... وأهلي إن ضنوا علي كراما».. بهذه الكلمات بدأ الحاج حسن إبراهيم سعد الشهير بـ «أبوعلي» يتحدث والدموع تنهمر من عينيه، عن العديد من القصص الإنسانية التي عاشها التي أثرت في شخصيته وفي حالته الصحية، «أبو علي» من الجنسية اللبنانية يعيش على ارض دولة الإمارات العربية المتحدة منذ أكثر من 30 عاما،

وعمره الآن يتجاوز الثمانين بقليل، قدم أكثر من 12 من أفراد أسرته شهداء خلال الحرب مع إسرائيل، وهو يقيم الآن في استراحة الشواب بدبي لعدم وجود من يعتني به، وبالرغم من حالته الصحية وكبر سنه إلا أن ذاكرته مازالت حاضرة، قال:

- كنت أعيش وسط أسرة كبيرة تتكون من أربعة شباب وثلاث بنات وزوجة، كان الحب والترابط يجمع بيننا، ومن اجل البحث عن مستوى أفضل خرجت من لبنان لأبحث عن هذا المستوى، فتوجهت إلى الكويت في البداية وعملت بها في مجال المقاولات لأكثر من 20 عاما، ثم انتقلت للعيش في الإمارات في العام 1977، وأسست شركة لمقاولات البناء، وكنت سعيدا جدا بوجودي في هذه الدولة المتميزة والناشئة في ذلك الوقت.

وماذا عن أبنائك؟

- أبنائي الأربعة واصلوا التعليم أكمل منهم اثنان الدراسة الجامعية في جامعة عين شمس المصرية، ودرس الأكبر «علي» الطب في بريطانيا، وبعد تخرجهم عادوا جميعا إلى لبنان، حيث كنا نسكن في الجنوب اللبناني الرائع.

- أثناء الاجتياح الأول للجنوب في عام 1981 كنت في زيارة للأسرة في لبنان، وفي هذه الأثناء تقدم أبنائي الثلاثة الذين كانوا يدرسون في القاهرة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي اثنان منهم استشهدوا أثناء المقاومة، أما الرابع وهو محام فأصر أن يقوم بعملية استشهادية ضد الإسرائيليين في الجنوب،

أما الدكتور علي الذي كان قد أنهى دراسته الطبية في لندن فتطوع لمعالجة الجرحى في «شاتيلا» في العام 1983 فتعرض للقتل مثل الأطفال وغيرهم من الشهداء الذين راحوا ضحية مذبحة «صبرا وشاتيلا».

- علمت إسرائيل من خلال عملائها في الجنوب أن أبنائي بين الذين قاموا بعمليات استشهادية ضدها فترصدت المنزل الذي كان يتكون من طابقين وقصفته بمن فيه، وكنت أنا خارج البيت في هذه الأثناء، فقتلوا زوجتي وأخواتي الثلاث مع أبنائهن.

- تركت البلاد وعدت إلى دبي.. ولم أتوقف عند هذا الحد، قمت بتحويل ما يعادل مليون درهم إماراتي لمساعدة شعبي وأهلي في لبنان وخاصة الجنوب حتى يخفف عن آلامهم.

- منذ حوالي ثمانية أشهر تعرضت لنكسة صحية بسبب مرض السكر الذي أعاني منه، وذهبت في غيبوبة شديدة، فاستغلها محاسب الشركة التي كنت امتلكها وهو للأسف عربي الجنسية ووقعت على توكيل له، فقام هذا المحاسب ببيع كل متعلقات الشركة التي كانت تقدر بحوالي ثلاثة ملايين درهم وترك البلاد وسافر، وبعد أن استرددت وعيي من غيبوبة السكر وجدت نفسي هنا، في استراحة الشواب بدبي، الذين أكرموني واعتنوا بي كثيرا، فجزاهم الله ألف خير.

- لم أقم بالتبليغ عن هذه الواقعة، لأنني علمت انه قد غادر البلاد، وحاولت الاتصال به أكثر من مرة ولكنني اكتشف انه قام بتغيير أرقام هواتفه فسلمت أمري إلى الله.. ووجودي في الاستراحة عوضني عن كل ما خسرته.

- صحيح أن إقامة الشواب في الاستراحة مقتصرة على أهل الدولة، ولكن حضرت هنا وأنا في حالة صحية سيئة، وبعد تقييم حالتي الاجتماعية والصحية وتأكد لهم بأنني وحيد وليس لي عائل، سمحوا لي بالإقامة في استراحة الشواب، وهذا ليس غريبا على أهل الإمارات وشيوخها.

- وكنت في حالة نفسية وصحية سيئة جدا، وبعد دخولي الاستراحة لم أتحدث مع احد لمدة شهر كامل، حتى تم عرضي على اكبر الأخصائيين النفسيين، فقدموا لي كل المساعدة حتى اخرج من هذه الحالة، واحمد الله على أنهم ساعدوني للخروج من هذه الحالة وأصبحت مندمجا مع كل الموجودين داخل الاستراحة.

- لم يبق لي أهل في لبنان، إلا بعض الأصدقاء الذين يتصلون بي من وقت لآخر للاطمئنان علي، وهنا فيزورني أناس لا اعرفهم حتى تعلقت بهم وأحببتهم وأصبحوا أهلي، يقومون بزيارتي يوميا، ويقضون معي وقتا طويلا بمصاحبة أولادهم.

- أنا إنسان مريض بالسكر منذ وقت طويل، وأعاني بين الفترة والأخرى آلاما في قدمي، وأصدقك القول إن المسؤولين عن الاستراحة يتابعون حالتي في اليوم أكثر من مرة، ويقومون بعرضي على اكبر الأخصائيين في مرض السكر، وهم الآن يتابعون حالتي بكل عناية.

أفكر كل يوم مئة مرة أن أعود إلى لبنان، لأنه بلدي، وبلدي إن جارت علي عزيزة، وأهلي إن ضنوا علي كراما، لا غنى لأي شخص عن وطنه، وأهله والأرض التي ترعرع فيها.

- احلم أن أشفى من أمراضي، وأعود إلى لبنان وأقاوم الاحتلال الإسرائيلي، وأقوم بعمل وطني مثلما قام به أولادي في السابق.

فهمي عبدالعزيز