قاسم محمد من الشخصيات التي تعيش المستقبل من خلال الحاضر، وتؤمن بدور العقل في التغيير، ولد في العاصمة العراقية وتخرج من معهد الفنون الجميلة قسم المسرح سنة 1962م. سافر إلى روسيا سنة 1957 حيث أكمل الدراسات العليا في الأكاديمية الروسية للفنون الدرامية (موسكو) وعمل أكثر من 49 سنة في المسرح باحثاً ومخرجاً ومعلماً وممثلاً،
انطلاقاً من وطنه مروراً بروسيا وبعض الدول العربية قبل أن يلقي عصا الترحال في الإمارات حيث فتحت له فضاء الإبداع واستطاع أن يقدم أكثر من 13عملاً مسرحياً ناجحاً، يحاكي الإنسانية ويعالج قضايا الساعة، بأسلوب حداثي يرتقي بالعمل المسرحي.
يقول قاسم محمد: منذ سنتين قدمت عرضاً مسرحياً بعنوان «حكايات في أزقة من العالم الثالث» في أيام الشارقة المسرحية وحرصت على تضمين العمل رسائل متعددة منها، أن الإنسانية تأتي قبل الوطن، وتحضرني بعض المقاطع من العمل تقول..(إن موت أي إنسان يهمني لأنني جزء من الإنسانية..فلا تسأل لمن تقرع الأجراس لك هي تقرع...)
ويضيف: «أنا شديد الإيمان أن المسرح فن محلي، وعالميته تكمن في محليته استنادا لقول الفيلسوف الهندي طاغور (لكي تصبح عالمياً عليك أم تكون محلياً) لأن المحلية ليست الفطرة وإنما هي الإبداع المرتبط بالدرس والبحث والتمرين، وللأسف الكثير من المفكرين يسعون للعالمية قبل ترسيخ المحلية وبالتالي تضيع الجهود، ويرى قاسم محمد أن المسرح في الوطن العربي مازال محبوسا في النظريات الأكاديمية الجافة،
التي تحجم الإبداع العقلي وتسجنه، لذلك يجد نفسه مشغولا منذ سنوات طويلة لتقديم رؤية جديدة تحتضن المسرح الحديث باللجوء إلى العلوم المجاورة لفنون المسرح وإخضاع الجانب التأهيلي والإعدادي «لعلم الدماغ» والبحث فيه، هذا ما أحرص على تقديمه في ورش العمل التي أقدمها سواء في الدولة أو حتى بعض الدول العربية مثل مصر، الجزائر، المغرب وغيرها.
وحول قراءته لحركة المسرح في الإمارات يقول: لا أحد ينكر أن السنوات الخمس الماضية شهدت فعاليات مسرحية مهمة رسخت فن المسرح في الإمارات لكن بحكم أن التجربة مازالت فتية لا يمكن الحديث عن تجربة ناضجة لأنها تحتاج إلى تكريس.
ويضيف التجربة لا تأتي بدون تفرغ كامل للموهبة ومعظم الشباب المنخرط في ورش العمل شباب غير متفرغ ويحضر بعض الورش المتخصصة ويشارك في بعض الأعمال بشكل متقطع لذلك نحتاج إلى التعلم كيف نراكم في ساعة التمرين إلى ساعتين وتكثيف ساعات التدريب للحصول على تجربة.
ورشة الثلاثة أيام ودرس الساعة الواحدة لا يكفي لتأهيل مبدعين في مجال الإخراج والتمثيل وكتابة النص والسيناريو والعملية تحتاج لتراكم عشرات التجارب والمحاولات للوصول إلى تجارب تضاهي تجارب بعض الدول العربية مثل مصر ولبنان والعراق وبعض دول المغرب العربي.
يرى قاسم أن المسرح يتطلب، أولا تأسيس فرق احترافية متفرغة تمدها الدولة بكل الاحتياجات المادية والمعنوية، والتكريس للعمل المسرحي وأخيرا إنشاء معاهد تضم منتسبين من جميع دول مجلس التعاون من أجل تعميق هذا الفن في المنطقة والابتعاد عن القطرية.
ويضيف: أصبحت بيئة العمل المسرحي صالحة لمثل هذه الخطوات، بعد أن ترسخت الحركة المسرحية بأيام الشارقة المسرحية التي أصبحت تقليدا حضاريا أعاد تشكيل خريطة الإبداع والفكر في المنطقة ككل، وليس فقط في الإمارات بفضل الرؤية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الذي أعتبره من المبدعين النادرين في الوطن العربي، وأيام الشارقة ليست فقط تظاهرة ثقافية بل إتاحة الفرصة لالتقاء الهواة والمحترفين للنقاش والحديث عن كل ما هو جديد في عالم الإبداع ومناقشة الأفكار.
ويضيف هذا الحراك يسرع من عملية اكتمال التجربة في الإمارات، ونضوجها خاصة أنني أعرف مجموعة من الشباب الهاوي يعشق المسرح وينتظر فرصة أكبر لإثبات الذات وصقل التجربة من خلال خوض تجربة التمثيل والإخراج على مدى شهور السنة وعدم اقتصارها على بعض الفعاليات والتجارب الفردية الغير مكتملة.
ويضيف أيضا لاشك أن العمل المسرحي مكلف جدا ويحتاج إلى ميزانية كبيرة لإنجاز العمل وإيصاله للمتفرج بالشكل اللائق الذي يتماشى وهيبة الخشبة خاصة أن جمهور المسرح نوعي ويختلف عن جمهور السينما والدراما، ومن الصعب إقناعه. وعن أجمل الأعمال التي قدمها يقول قاسم: رغم أني عملت في هذا المجال منذ أكثر من 49 سنة قدمت خلالها أعمالا كثيرة، مازلت لم أعرض العمل الذي أحلم به، وكلما أنهيت عملا أبدأ أفكر بالعمل القادم وهذا يمنحني فضاء مفتوحا للإبداع دون التوقف حتى آخر العمر.
ويتحدث عن غبن المبدع العربي في المجتمعات العربية قائلا: لا يختلف اثنان أن المبدع العربي الذي يحمل فكرا في عقله لا يجد الرعاية والاهتمام بل على العكس في كثير من الأماكن يهمش حتى تنطفئ بداخله شعلة الإبداع وينتهي بالتلاشي والموت البطيء دون أن يذكره التاريخ مثلما تخلد الأسماء في الغرب.
