لم يكن محور الحوار مع رجل الأعمال محمد بن حاضر هو عالم المال والأعمال وتحليل أسباب تدهور البورصة في معظم مناطق العالم، إنما التحليق معه في عالمه الخاص واكتشاف الأبعاد الأدبية في شخصيته والتعرف على ماهية الشاعر بداخله والوقوف عند المحطات المهمة في حياته التي شكلت لديه موهبة كتابة الشعر والقصائد المرصوفة في رفوف مكتبه وهو لا يزال يعتبر نفسه قارئا للشعر وهاويا لنظمه.
هذا الموقف يعكس صورة إنسانية تختزن مواقف سياسية وإنسانية وسياسية واضحة نقرأها بين سطور القصيدة التي غالبا ما تحكي الواقع الإنساني والاجتماعي للشعوب العربية، المستمع لحكاياته يشعر أن هذا الرجل مسكون بكل شيء عربي سواء كان تاريخا، جغرافيا أو أدبا.
وأثناء الحديث معه لم يخف بن حاضر تأثره البالغ بالأحداث الأخيرة المؤلمة والغزو الإسرائيلي المتوحش على لبنان وفظاعة المجازر التي ارتكبها بحق أطفال وشيوخ ونساء لبنان أمام صمت العالم مما دفعه إلى إلغاء اجازته السنوية والبقاء في الدولة ونظم قصيدة بعنوان إلى سيف الدولة بن حمدان مطلعها:
أنت الوحيد إذا نطقت صدقاً
نطقت صدقاً
وجميع ما تفتي به
عدلاً يكون يصير حقاً
أنت الوحيد وكلهم الوحيد تلونا
غرباً وشرقاً
لكنك الأوفى، نأيت عن الخنا ومن القيود بقيت طلقا!!
..........................
ومضيت تزرعها ورودا
بالسيوف وبالقنا .. وهموما مضوا
يتشدقون بحجة بلهاء خاوية .. بها الأوطان تسقى!
سيف العروبة يا ابن حمدان الفتى حلقْ
فما للمجد غيرك بيننا
أبهى وأنقى
.......رممٌ
ولو شادوا الحصون حصينة
ليفاخروا كسرى بها
والقيصر الروميُ
لن يدري بهم غير البلى
صمتا ونطقا !!
يقول :هي رسالة إلى الإنسان العربي الذي قاوم في الجنوب أكبر جيش نظامي وتمرد على خوفه وقلة سلاحه ورفع رأسنا شامخا ليعيد أمجاد الماضي. .....وللقصيدة بقية تحكي تفاصيل الفاجعة وآلام الشاعر أثناء معايشته للأحداث التي عصفت بالمنطقة وشغلت كل إنسان بداخله ذرة إنسانية فما بالك بإحساس شاعر عربي تربى على قصائد مجموعة رابطة القلم وشعراء التحرر وقرأ الشعر الأندلسي واستمع إلى القصيدة الشعبية في الجزيرة.
يقول بن حاضر :بدأت أهتم بالشعر منذ المرحلة الأولى للتعليم وتحديدا في المرحلة الإعدادية، كنت أحرص على قراءة جميع المحفوظات المقررة في مادة اللغة العربية وأحفظ منها الكثير، وأذكر أني كنت أقرأ الشعر العربي وخاصة الشعبي الخاص بشبه الجزيرة العربية وتحديدا شعراء البادية لامتلاكهم جزالة النظم.
على أيامنا كانت المدرسة تهتم بتكوين الطالب تكوينا عربيا وتنمية الحس الأدبي لديه كالشعر والقصة والرواية وتدريس اللغة العربية ومنحها حصة الأسد في التعليم عكس ما نجده الآن في مدارسنا العربية والتي أصبحت لا تحترم لغة الضاد وتهمشها من خلال إدراج بعض المصطلحات الأجنبية في الأسلوب وهذا ما لا نراه في بعض اللغات الأخرى كالسويدية والبرتغالية التي لم تتأثر رغم أن عدد المتكلمين بها لا يتجاوز بضعة ملايين،
في حين يتكلم اللغة العربية أكثر من مليار ومئتي مسلم في العالمين العربي والإسلامي، واستهاننا بلغتنا أفقدنا الكثير لأن قوة تماسك اللغة تعكس قوة الأمة التي بدأت بالتقهقر منذ سنة 1492م بداية انحدار العرب وتلاشيهم في عهد عبدالله الصغير بغرناطة وهذا التاريخ يوازي رحلة كريستوف كولمبوس مكتشف العالم الجديد.
وحول العوامل التي ساعدت في اكتمال تجربته الشعرية يقول: عملت في السلك الدبلوماسي فترة طويلة امتدت من 1972م إلى آخر الثمانينات وهذه الفترة منحتني فسحة من الوقت للتثقيف الذاتي والقراءة وتطوير ملكة الشعر، بعدها عدت إلى الدولة والتحقت بقنصلية بيروت لأعيش تجربة منفردة في هذه العاصمة الحضارية
وتأثرت بشعراء المهجر واختلطت بشعراء كبار وحضرت لهم أمسيات شعرية ما زالت عالقة في الذاكرة أمثال عمر أبو ريشة ونزار قباني والشاعر وسليمان العيسى وغيرهم من الأسماء التي أثرت الساحة الشعرية في الثمانينات وتأثرت بالمد القومي الناصري وحركات التحرر في العالم، لذلك أنا ضد مقولة ان الشعراء العرب شعراء مناسبات، لأن الشاعر ابن بيئته
ولا يمكن أن نفصله عن الأحداث التي تدور من حوله ومن الظلم أن نعتبر تفاعل الشاعر مع الحدث شعر مناسبة، ويضيف :الشاعر إنسان مثل غيره يتأثر بالأحداث التي تمس وجدانه وتنتمي لتكوينه الحضاري وحتى الإنساني فما بالك مشاهد الموت والدمار التي طالت أطفالنا في فلسطين واليوم في لبنان وغدا في ؟؟؟.
وحول لحظات ولادة القصيدة عنده يقول: تأتي القصيدة عندي بدون موعد مسبق، عندما يشاء الله لكن الأكيد عندما تحرك وجداني حالة إنسانية أو موقف يستفزني، لأن الكتابة ردة فعل لحادثة تفرض نفسها على تفكيرك وتفرض حتى المفردات التي تصيغ القصيدة ونوع البحر والقافية، لأن الشاعر لا يتحكم في القصيدة بل هي السلطان.
وحول موقفه من تسمية الشعر الشعبي الخليجي بالنبطي يقول كلمة الأنباط تعني السكان الأصليين للبتراء بالأردن ويتحدثون بلسان قريب للعربية ولا أعرف كيف ألصق بالشعر الشعبي في الخليج ولو سألنا شاعرا من شعرائنا في البادية عن مصطلح النبطي لاستغرب الاسم، والمتعارف أن جميع الدول العربية لديها الشعر الشعبي والغناء الشعبي الذي يحاكي المجتمع باللهجة الدارجة بين أوساط الشعب.
وحول قراءته لوضع الشعر في الإمارات ومنطقة الخليج يقول في حراك أدبي وتحديدا في نظم الشعر لكن لا أستطيع تفسير سبب طغيان الشعر الشعبي واهتمام جميع وسائل الاعلام به في حين لا نرى نفس الاهتمام بالشعر الفصيح رغم أن المنطقة تزخر بأسماء مميزة جدا أمثال غازي القصبي، فهد العسكر والشاعر محمد رفيع والشاعر عبدالرحمن المعاودة والشاعر العماني بن شيحان الشاعر حمد بوشهاب كل هذه الأسماء أبدعت في كتابة القصيدة العمودية.
يقول :تجربة الشعر في الإمارات تحتاج إلى فترة لتنضج لأنها لم تكتمل إذا قورنت بالحركة الشعرية في الوطن العربي ،لأن الجزيرة العربية تعرضت للإهمال تحولت عاصمة الخلافة من المدينة إلى دمشق بعد معركة صفين، منذ ذلك التاريخ غطت شبه الجزيرة العربية في سبات عميق وعاشت منغلقة على نفسها مع الاختلاط بالعجم مما أثر على اللسان الخليجي،
حتى أوان انبثاق الحركة القومية في سوريا ولبنان وحركات التنوير واكتشاف البترول الذي رفع المستوى الاقتصادي ودفع الشباب الخليجي إلى الوطن العربي وعواصم العالم من أجل التعلم والانفتاح مرة أخرى على العالم .
وحول نشاط الناقد العربي في الخليج يقول :للأسف لم أقرأ يوما نقدا لقصيدة خليجية لأن الناقد العربي سواء كان مقيما في الخليج أو في وطنه يتخوف من نقد القصيدة الخليجية وهذا غير مبرر ولا يخدم تطور البناء الشعري وفي غالب الأحيان يأتي المديح مبالغا فيه من أجل بعض المكاسب،
وحول رفضه عدم طبع ديوان خاص به يخلد اسمه في قائمة الشعراء العرب يقول: ليس رفضا وإنما تكاسل، إضافة إلى أني أحتاج لوقت كاف لتنقيح القصائد وتصنيفها ولا أعتقد أن كلها قابلة للنشر وفي أغلب قصائدي شعر حاد ونقد للأوضاع ويضرب في صلب القضايا العربية ويحمل السلطة العربية هزيمتنا المتكررة على مر التاريخ أقول في قصيدة
يا فاسدا حتى النخاع ضميره
أتعبت نفسك تصلح الإصلاح
أتعبت نفسك تدعي ما تدعي
شيم حصلت لها النجوم وشاحا
آن للأعمى أن يرى والأبكم
أن يدرك الإبهام والإفصاح
صوغوا بياناتكم حبرا على ورق
ديباجة صاغها بالزيف متهم
من ذا سيقرؤها ومن ذا سيسمعها
هذا ضرير وهذا عندهم الصم
أمينة عماري
