ها قد عدنا إليكم بعد إجازة قضيناها في ربوع الجنة، ساهمت وبشكل كبير في تنقية الأفكار، وتنقيح المشاعر ليعود قلمنا مشحوذ الطاقات يسيل حبره لكم صافيا بلا شوائب. أما الجنة التي قضينا فيها إجازتنا فهي إحدى جزر السيشلز، جزيرة مملوكة بالكامل لأحد الأشخاص قام بتشييد منزل على أعلى بقعة فيها،
حيث المنظر من هناك يأخذ الألباب ويسلب العقول. تم افتتاح الفندق الوحيد في تلك الجزيرة والذي يحتوي على ستة عشر مفتاحا فقط سنة 1998، لتصبح مقصدا للسياح المتعبين والمرهقين، ولطالبي النقاهة والذين يبحثون عن مخبأ ساحر يقطع صلاتهم بالعالم أجمع، وجنة يلقون فيها منغصات العالم كله وراء ظهورهم، لالتقاط الأنفاس، وشحذ الطاقات.
وللوصول إليها لا بد من استخدام الطائرة العمودية أو طائرة أخرى صغيرة تقلع من العاصمة وتنزل على مهبط الطائرة في الجزيرة، حيث تستقبلك عنده وتودعك أيضا مديرة الفندق. وذلك مما أثار ضحكي، فقد أحسست عند مغادرتنا بأنها وطاقمها يعاملوننا معاملة بروتوكولية ملكية، فقد رافقونا حتى صعدنا إلى الطائرة العمودية، ثم ابتعدوا قليلا ووقفوا في خط مستقيم وشبكوا أيديهم أمام أجسامهم في انتظار إقلاعنا، وما أن أقلعنا حتى لوحوا لنا بأيديهم مودعين!! وفي اعتقادي، فإن ذلك ترف مبالغ فيه ومثير للضحك!!
أما الجزيرة فهي عبارة عن محمية طبيعية ـ لم تعبث بها يد البشر ـ للسحالي المختلفة الأشكال والأحجام والألوان، وأمهات الأربع والأربعين، والطيور التي تفقس فراخها على الأشجار، وتسقط على قارعة الطريق تكمل حياتها، والسلاحف المعمرة والتي يصل عمرها لمئتي عام. ولا ننسى أيضا البعوض الذي حصلنا منه على تذكارات تركت في أجسامنا طفحا مثيرا للكثير من الحكة!!
كما توجد في الجزيرة مساحات خاصة للزراعة، فمعظم الفواكه والخضر التي تحضر في مطبخ الفندق من خيرات الجزيرة. وتنتشر في جميع أنحاء الجزيرة أشجار المانجو وفاكهة النجمة، وهي إحدى الفواكه المحلية لديهم، وأشجار جوز الهند والباشن فروت، والبابايا والموز، وغيرها الكثير من الأشجار الظليلة والمزهرة.
أما الأشجار التي طبعت في أذهاننا، وتدلت منها أجسامنا، فهي ذات الأشجار المنتشرة في غابات الأمازون المطيرة، والتي يتدلى من أغصانها طرزان في فيلمه، فلتلك الأشجار أغصان متعددة تنمو ولا تكف عن النمو، ثم تتدلى نحو الأرض لتنغرس فيها مرة أخرى وتمد لها الجذور.
الجزيرة خالية من أي سكان، عدا سكان الفندق والعاملون فيها والبالغ عددهم 130 عاملا، يسكنون في مساكن خاصة أعدت لهم. وهم مجبرون على مغادرة الجزيرة كل ثلاثة أشهر لمدة أيام معدودة إلى الجزيرة الأصلية، لمقابلة الناس ورؤية حياة المدينة هناك لئلا يصابوا بالجنون.
فالجزيرة خالية تماما من الشوارع، عدا حارات اسمنتية ضيقة مرصوفة في أنحائها لاستخدام سيارات الغولف المشحونة، والمجهزة أمام بوابة كل عائلة نزيلة، والمزودة بخارطة الجزيرة، ليقوموا باستخدامها بمطلق الحرية، وليجوبوا الجزيرة بكاملها ويستكشفوها ولكن بحذر بالغ في بعض الأماكن، لئلا تنفق الطيور الصغيرة غير القادرة على الطيران بعد، تحت عجلات السيارة. إنها جزيرة من وحي الخيال. أما اسمها فهو «فري غيت».