أشخاص مهملون لا تنتبه إلى وجودهم إلا عندما تضطرك الظروف للاستعانة بأحدهم لينقل مشترياتك ثقيلة الوزن كبيرة الحجم، أولئك هم الحمالون في الأسواق وفي نقاط الشحن والتفريغ، أناس لا يعرفون طعم الراحة، تراهم متأهبين منذ طلوع الشمس وحتى ساعات الليل المتأخرة، تنفض تجمعاتهم مع آخر محل يغلق أبوابه، ومع آخر ضجيج محرك لسيارة محملة بالبضائع.

لا فرق عندهم إن كان الطقس حاراً ومشبعاً بالرطوبة، أو كان بارداً ماطراً عاصف الرياح، ففي كل الأحوال تلمحهم يفترشون عرباتهم على زوايا الشوارع بانتظار صوت يناديهم، زائغة عيونهم بين المارة تفتش عن متسوق متخم بالحقائب أو الصناديق الكبيرة،

هي لقمة العيش تفرضها الظروف في سوق الحياة الكبير، زادهم صبر تجلى في قسوة الشمس على وجوههم السمراء، وفي غمار الانتظار يحتسون الشاي واضعين همومهم خلف نوبات من الضحك والابتسامات، غير أنهم تحت وطأة الالتزامات اليومية، يأخذهم الواقع إلى حيث خشخشة القطع المعدنية، يحصون ما تجمع من نقود في جيوبهم الصغيرة، لا بأس من فترة انتظار أخرى، فما زال في الوقت بقية.

ينهض دافعا عربته أمامه يطارد رزقاً أرسلته السماء، يختار مساحة بموازاة الرصيف، يشمر عن ساعديه مستهلاً عملا شاقاً وهو يزحزح أحمالا ثقيلة ليضعها فوق عربته، صندوق فوق الآخر، تعلو الصناديق معلنة عن الحمولة القصوى، يلقي نظرة أخيرة ويطمئن أن شيئا لن يقع، هذه المرة يجر من خلفه العربة ويبدأ رحلة لن تنتهي قبل ان يتوقف مراراً لالتقاط الأنفاس وتجفيف العرق المتصبب على وجهه وعينيه،

لا بأس، لسوف تنتهي المعاناة هناك، حيث تنتظره بضعة دراهم ترسم الابتسامة على شفتيه، لكن يا لهذا الزحام الخانق، بشر وسيارات تجبره على الانتظار طويلا، خطوتان ويتوقف فتطول المسافة مع امتداد الوقت، لا بأس، فقد اعتاد على هذه الأمور، المهم أن يكون المقابل مجزياً على قدر المجهود الذي يبذله.

الحمال، ونقل البضائع على العربات الخشبية، مهنة فرضتها المسافات القصيرة التي تنقل فيها البضائع من متجر إلى آخر، أو من محل تجاري إلى سيارة زبون، مهنة فرضتها أيضا ازقة الأسواق القديمة التي تضم متاجر البيع بالجملة،

لذلك فإن المشهد هذه المرة متخم بالعربات الخشبية والمعدنية باحجامها المختلفة، عربات خشبية كبيرة لا يستطيع جرها بحمولتها سوى حمالين شباب أقوياء، عربات متوسطة الحجم مناسبة لآخرين تخطو سن الأربعين، عالم مثير بنظامه وآلياته التي تحكمه، عالم قد لا يسترعي انتباهك إلا إذا دققت وراقبت عن كثب تفاصيله الصغيرة، والملاحظة أن الحمالين لا يجلسون فرادى أثناء الانتظار،

بل يتجمعون على الزوايا في حلقات تلوك الأحاديث وتنقل الأخبار، وإذا حانت ساعة الراحة ترى عرباتهم وقد جلست القرفصاء وهي تمد أذرعتها الخشبية نحو السماء، وإذا دققت أكثر في الأذرع الخشبية ستجدها مكتحلة بعرق الكادحين وقد تحول إلى سواد عند موضع الأيدي عليها، عالم الحمالين قد لا يلفت انتباهنا، لكنه في النهاية مشهد يستحق منا نظرة متأنية واحتراما أكثر.

عز الدين الأسواني