بجيوب فارغة وقلب مثقل وذاكرة لا تحمل إلا ندوباً. بعينين مترقبتين وأصابع مرتعشة وريشة لم تستدل على دواتها بعد. بخطى متهالكة ودرب مديد ونشيج سري على وجع صارخ، بأعوام على مشارف الأربعين وعمر مهدور وشاهدة مترقبة. بوجع في الظهر وألم في المفاصل. بأصدقاء طيبين وعائلة طيبة.
بخمسة أطفال أشقياء وزوجة متسامحة. بطريق مزدحم وسيارة معطلة وجدول زمني خائن. بشهية قليلة وشهية مفتوحة. بأحبة ماتوا وبكاء مرير. بعائلة بعيدة وجسر معلق على هواء عليل. ببلدة قديمة وفرات طازج وحارة معجونة بالطين والمطر. بأسرار صغيرة وأحلام صغيرة. بسماء موصدة وشرفة موصدة.
بحياة بسيطة وعبارات بسيطة.. أطل على ما يشبه البحر، أجمع في حقيبتي حفنة من المتناقضات وأتحدث عن الحكمة، ولا أرى صورتي في الموج أو على اليابسة. وفي خطى الغفلة، أمر بالمشهد ولا أمر. أصرخ بحنجرة صماء، وأخط بحبر الماء على الماء، دون أن أعرف ما تتناقله المراكب من متاع وحكايا، بعد رحلة لا تفضي إلى شيء ومسافة لا تجتاز نفسها.
وأي مدى يطوقه خشب البحر، ذلك المدى الموارب، الغامض الذي يسدل غلالة من الوحشة على كتف الغربة الموشوم بالهم. مدى ساكن لا يقول، وصدى مكموم لحفارات تمد ألسنتها اللزجة في قاع البحر. مدى مجازي وطائر يهم على اختراق المشهد بمنقاره الذهبي. مدى لا يشي بنفسه، ولا يفصح عن الزحام في عزلة المراكب.
مدى للصورة وظلها، للزرقة المتبدلة والبخار العالق في الرئة والرطوبة العالقة في البدن. عين أضمها على حيز غريب. ومشهد من لسان المراكب وفم البحر وجبين السماء. عين تغرق بحر لا يرى وفي موجة لا ترى، وصياد يلقي بروحه طعماً، ويرفع شباك الخواء. المياه المتماوجة، والضوء الذي ينزلق من دفتي الظل. والعتمة التي تنزلق من فرجة الروح إلى الروح.
مشهد أطل عليه، حين أراني راحلاً دون مسافة، غامضاً دون حجب، وحين أرست عزلة البحر على ضفة الكون، ومرر مركبان متقابلان قليلاً من سماء صافية وحفنة ماء إلى رجل عابر
إسماعيل الرفاعي
