بين وقت وآخر، نصادف أحد الذين يحملوننا إلى أيام زمان، وناس زمان، ببساطتهم وعفويتهم، وعبر اهتمامهم في تدوين وتقصي تلك الحكايات التي تلقفوها من أفواه الرواة، ونقبوا عنها في ثنايا حياتهم وذكرياتهم التي اختزنوها بطعمها ورائحتها،

وهم يحاولون استعادة تلك الإيقاعات التي مازالت تنبض في عروقهم، مرددة ذلك الصدى العميق، والذي حاول سلطان خلفان بن غافان، أن يعيده على مسامعنا بحرارة وتلقائية. وسلطان من أبناء أم القيوين. لم يفترق حديثه لحظة واحدة عنها، يقول:

عش الطير وسمك القرش

أم القيوين، هي عش الطير وأهل الطيب والخير والمحبة، وهي أم القوى أو أم القوتين وقد سميت بذلك، لقوة أبنائها وشجاعتهم في التصدي للغزاة والمستعمرين، وأم القيوين عرفت منذ القدم بحكمة شيوخها وأبنائها، حيث كانت تحكم وتصلح النزاعات بين مختلف الإمارات والقبائل الموجودة آنذاك، ولا تزال مجتمعة على التعاون والمحبة.

ويضيف كانت الحياة سابقاً في منتهى البساطة، وكان ثمة سور كبير يحيط بأم القيوين، يغلق عند مغيب الشمس، وكل من يداهمه الوقت وهو خارج السور، ينتظر حتى مطلع الفجر حيث تفتح الأبواب.

كان بن غافان يتحدث باندفاع وانسيابية متنقلاً بذاكرته، من الخور إلى ضفة البحر، إلى ساحة العرصة وفريج المعلا، وسفن الأولين، وهو يرمي بمجدافه هنا وهنا في مياه الذكريات الأثيرة، من واحات الطفولة إلى مرابع الفتوة، ومن باحة المدرسة إلى مقاعد الجامعة، يقول:

التحقت بمدرسة «الأمير» عام 1959، ودرست هناك، من الصف الأول الابتدائي حتى الصف الثالث متوسط، تخلل تلك الفترة وفاة والدي(رحمه الله) وهو من الغاصة الكبار الذين يشهد لهم التاريخ. ويستطرد: أنا من عائلة غاصة وبحارة، وجدي سعيد بن غافان، من رجال البحر الأشداء، وكانت له خبرة كبيرة في الملاحة البحرية وفي معرفة الأهوية، والمصائد.

وكان صياداً ماهراً، حتى إن حكاية تروى عنه، ظلت تتردد على الألسن سنين طويلة، إذ تمكن بمفرده من صيد، (يريور) سمك القرش عند جزيرة أبو موسى وقد كان الهواء (انعِشي) آنذاك. يضيف: والأهوية عند العرب لها مسميات( هبوب الشمال، هبوب المطلعي، هبوب الكوس) والـ (انعشي) أحد الأهوية القوية، هبوب شمال شرق من جهة إيران،

إذن كان الهواء معاكساً وكان قد اصطاد قرشاَ ضخما وقد عمد إلى ربطه على جنب السفينة، وبسبب من خبرته البحرية وتعذر إمكانية الوصول المباشر إلى أم القيوين، فقد التف إلى عجمان وبقي هناك ثلاثة أيام، عاد بعدها بصيده الثمين إلى (ديرته).

غالب الكبير وغالب الصغير

هنالك نوع من الكيمياء الخاصة، يثيرها الحديث عن البحر ورحلة الأشرعة ومراكب الصيد والأخوار والمضائق، ونوع من النشوة تولدها أغاني البحارة ونهمات المنشدين والشعراء الذين مزجوا كلماتهم بين ثمار البحر وتربة الأرض، وبين موجاته العاتية والمياه السائغة.

إنها لذة المغامرة والكشف، وحالة الامتياز التي نشعرها حين يخصنا أحد الذين توغلوا في تلك الأيام، حين يفرد لنا بعض تلك الصفحات وينشدنا بعض تلك الأهازيج. وبن غافان لا يكف عن استذكار تلك الأيام ببرها وبحرها. يقول:

كانت تسود الناس البساطة والرحمة والتعاطف، وكان أهل أم القيوين، أهل صيد وغوص، وأقدم سفينة غوص في أم القيوين كان يطلق عليها اسم (غالب) الكبير، وكانت تستوعب 450 بحاراً، وهناك أيضاً (غالب )الصغير،

وهناك العديد من السفن التجارية ويقال أن (بغلة) كبيرة، وهي سفينة تجارية كانت لا تستطيع الدخول في الخور لكبر حجمها، وكانت تلك البغلة والسفن التجارية الأخرى، تنقل البضائع بين الدول المطلة على المحيط الهندي.

ويضيف إن للغوص أنواعاً عدة، فالغوص الكبير كان يمتد ثلاثة أشهر وعشرة أيام وكانت تتجمع في أم القيوين حوالي 400 سفينة غوص ينطلقون منها إلى هيارات أبوظبي، وحين يعودون من غوصهم الكبير، كان لهم جولات أخرى أقصر مدة، وهو الردة، الرديدة، القحة،

وكانوا يقومون بصناعة الجراجير من النخيل، لصيد السمك، ويضيف: أن طعم السمك ومذاقه، اختلف الآن، ولعل ذلك يعود إلى أن السمك أصبح الآن يختار الخبز اللبناني بدل المرعى البحري، ثم يعلق مبتسماً: حتى الأسماك غيرت بيئتها.

يعود بنا بن غافان إلى البر، وإلى سنين دراسته التي تابعها فبعد نهاية الدراسة المتوسطة يقول: انتقلت إلى عجمان وأمضيت في المعهد الإسلامي أربع سنوات، وقد كان مدير المدرسة آنذاك الدكتور محمد المهدي، ثم عملت بعد ذلك في الديوان الأميري، في وزارة الصحة في دبي من 72- 79، وكنت أسافر يومياً من أم القيوين إلى دبي،

وفي خلال هذه الفترة درست في الفترة الليلية وحصلت عام 79 على الشهادة الثانوية والتحقت بعدها بجامعة العين لدراسة علم الاجتماع، ثم حصلت على بكالوريوس خدمة اجتماعية مابين عام 79- 82، وبعد الحصول على البكالوريوس انتقلت إلى وزارة التربية وعملت مشرفاً اجتماعياً في ذات المدرسة التي درست بها في أم القيوين،

ترقيت بعدها إلى وكيل مدرسة في نهاية الثمانينات، وانتقلت إلى المنطقة التعليمية وعملت في تنسيق الخدمة الاجتماعية ثم رئيساً لقسم الشؤون الاجتماعية ورئيساً لقسم الأنشطة الاجتماعية ولي الآن ما يقارب 35 عاماً في العمل.

ويضيف بن غافان بأنه كان يبحث عن كبار السن وكان يوفق بين الدراسة والبحر منذ طفولته، أيام البعثة الفلسطينية والمصرية، أيام عبد الخالق حسونة، حتى 67 - 68، ويقول: عملت على تطوير النهمة البحرية وكنت أدون من أفواه كبار السن، واطلعت على المهن والحرف القديمة.

أهازيج وشلات

تعرفت على الباحث والراوي عبيد بن صندل، و كان لديه برامج تراثية في تلفزيون أبوظبي، ثم أصبحت عضوا في تلك البرامج، وكانت أسافر كل اثنين إلى أبوظبي وكان هناك العديد من الفقرات. «ملامح من التراث الشعبي، حكايات من الموروث الشعبي، والجلسة التراثية»، التي كانت تجمع بين الشعراء، وفي هذا الوقت كنت أطور الشلة البحرية والأهازيج البحرية التي كانت تقال آنذاك أثناء العمل اليدوي.

هنا يتوقف بن غافان ويأخذ نفساً عميقاً ثم يبدأ بغناء إحدى أغاني العيد بصوت رخيم وشجي التي كانت تغنى مع حركة الأرجوحة (أغنية المريحانة):

يانا ولامر حشى ولا بالعين شفناه

العيد مر بساحل البر وين الغضي زاهي بحناه.

ثم يعود إلى حديثه قائلاً:

كان احتكاكي بالشعراء أمثال الشاعر الراحل علي بن مصبح الكلدي، كما كنت أغني قصائد المرحوم الجمري، وكانوا يسمونني صاحب الأهازيج والأغاني الجميلة سلطان خلفان سعيد بن غافان، وقد اخترت الآن محكما في برنامج نجم الشَلة ومازلت مع أستاذي عبيد بن صندل في عضوية بيت الألعاب الشعبية.

أما عن البرامج التراثية التي توقفت فهو يرى بضرورة إعادتها: نحن نطالب المسؤولين أن تعاد البرامج التراثية، لأهميتها ولضرورة الحفاظ على تراثنا من الضياع وقد علمنا الشيخ زايد رحمه الله احترام التراث والضبط والربط. ويضيف:

نطالب أيضاً بوضع المسميات التراثية في المناهج التعليمية على أن يشرف عليها مختصون من أبناء هذه المنطقة، فهذه الأجيال مقطوعة الصلة مع تراث أجدادها وهي تمر به مرور الكرام، وهم يستطيعون التعرف على بعض مفردات هذا التراث، لكنهم لا يستطيعون الإحساس به أو محاكاته، فمثلاً يمكنهم التعرف على السريدان وهو المطبخ المحمول على سفن الغوص، لكن لا يمكنهم الإحساس به وبحيويته والأغاني التي كانت تغنى عنده في مواسم الغوص، «سريدان ما لا خانة غير الشوية والدخانة».

ثم يتذكر بن غافان اللعب في الساحة وعلى شاطئ البحر، و أيام رمضان وطقوسه الخاصة، حين كان الناس يمدون طعامهم خارج المنزل كي يتسنى للعابر أو الفقير مشاركتهم الطعام، ويتكر طقوس العيد وأجواء الفرح التي تبدأ بزيارة الأقرباء والجيران، ثم الذهاب لممارسة الألعاب الشعبية ورقصات العيالة ثم إلى سباقات التجديف حيث كانت السفن تجهز في آخر عشرة أيام من رمضان.

ومن جديد يعود لغناء أهزوجة رفع الشراع:

ومن المدركة لين راس الحد خطفنا

كلنا اصبيان وياربي تسلمنا

وأغنية تنزيل الشراع

لي بيا لمدايح ايسوم عمره سوم

ويبات ساهر ما ينام

اسمعت حس الصايح ماهناني النوم

نشيت من حلو المنام.

ثم ينهي حديثه بوعد أكيد:

أبشر الذين يعشقون سلطان بن غافان بأني سأقوم بعد تقاعدي بتدوين الأهزوجة البحرية التي ستكون بمتناول الجميع إن شاء الله

إسماعيل الرفاعي