هكذا صنع الشعراء والرحالة مراكبهم التي لا تهدأ، وأبحروا من ميناء أحلامهم صوب الموانئ البعيدة والجزر البعيدة ليعجنوا القارات الخمس في حواسهم. ومن هنا تبحث «مرايا البيان» عبر هذه ( النافذة) عن قراءات أخرى للأمكنة خارج المفاهيم السياحية للتجوال وعلى مقربة من شغف المعرفة وهاجس الكشف، محاولين بذلك أن نلج البوابات عبر دروب أخرى تقودنا إلى نبض المدن وروح الحجارة المشيدة.

وإذا كان الفنان حكيم الغزالي يصرّ في بحثه التشكيلي على رسم (الجدران) بحساسياتها الدقيقة والمرهفة وهو يقرأ سيرة الزمن وتأثيراته على تلك السطوح بدءاً من جدار بيته ، مدرسته، مدينته، وانتهاءً بالمدن الغريبة، فهل استطاعت جدرانه أن ترشح بتلك المدن، وذكرياته أن تحمل تلك الحرارة وذلك الشغف، والذي تعرفنا عليه وهو يرفع يديه وصوته وضحكته مقلباً دفتر ذكرياته وسفرياته على مواضع متعددة.

باريس مغنطيس المبدعين

باريس هي أول المعابر وأقربها إلى أهل المغرب العربي، وأول المدن التي تعرف عليها الغزالي يعد أن قصدها لدراسة الفن ومكث فيها عدة سنين، وهو يتذكر طقوسها ويلخصها بحكاية يوم واحد يبدأ من صباحاته ويتهادى في مساءاتها الحالمة.

فصباحات باريس الرائقة، هي رائحة القهوة الباريسية التي تنبعث من مقاهيها وتمتزج مع نسيمها الصباحي لحظة بلحظة. ومساؤها.. تلك الشموع الموقدة على جميع الطاولات التي تراها أينما ذهبت في أي مطعم أو مقهي، متماوجة مع أحاديث الشعر والفن التي يتداولها المبدعون والتي لا يرى الغزالي إمكانية لفصل باريس عن الطاقة الإبداعية المستعرة في تجاويفها، فباريس تجمع للمبدعين ومعترك للفنانين، وكرنفال من الغاليريهات والمتاحف ودور العرض.

هناك لم يشعر يوماً بمرور الزمن، فاللحظات تنساب دون أن يشعر بها، ودائماً ثمة احتمال لصديق جديد تلتقيه هنا أو هناك، ومتحف بانتظار أن تكتشفه ، وضاحية بانتظار أن تتعرف على تفاصيلها وعمارتها الخاصة وأزقتها العتيقة.

وتحدث الغزالي عن حديقة فرساي الساحرة، وعن تلك الضاحية العريقة بمكوناتها وعمارتها وأزقتها، التي تعكس أسلوب الحياة الباريسية الراقية، فسكانها من ذوي الأصول الفرنسية العريقة، التي توارثت نمطاً معيناً من المسلكيات الخاصة والمميزة.

ويضيف: إن باريس هي مغنطيس المبدعين، مركز استقطاب لقامات كبيرة وصعاليك وفنانين أنجزوا أهم أعمالهم الإبداعية في فضائها الخاص من محمد برادة إلى ليلى شاهين والمسعودي ويوسف عبدلكي والعديد من المبدعين الذي حزموا حقائبهم باتجاهها.

فينسيا مدينة عائمة

في فينسيا يتذكر الغزالي الراحل الكبير الفنان عبداللطيف الصمودي، والرحلة المشتركة التي تعرفا خلالها على أحياء وناس فينسيا، وعن قدرة الصمودي على التواصل مع الآخرين والاندماج معهم دون امتلاكه للغة، وإنما بحسه العفوي وطيبته وتعامله الإنساني الذي يفيض بالطيبة، استطاع أن يقيم علاقات عميقة وأن يتبادلوا القهوة العربية والأكلات الشعبية التي أعدها بنفسه تقاسمها مع جيرانه.

هناك لم يستطع المطر الغزير، أن يمنعهما من قضاء الوقت كله خارج السكن وتقصي الحارات والجدران شبراً شبراً ، في رحلة لتصوير وتوثيق أثر الإنسان على الأرض وعلى الحائط والذي تحول بمرور الزمن إلى أجزاء فنية بديعة، يمكن الاستفادة منها في مشاريع فنية أو أعمال تصويرية جديدة. ففينسيا بكل تفصيلاتها، حارة حارة وجزءاً جزءاً هي بالنسبة للصمودي، عمل فني . حتى أنه التقط أربعة أفلام كاملة لتفاصيل قد لا يلحظها غيره.

والشيء المثير الذي حدث هناك والذي فتن الصمودي، هو الملصقات القديمة الموزعة في أزقة فينسيا، والتي جعلته يقوم بحملة كبيرة لجمعها، لقد أثارته تلك الملصقات واستطاع بعفويته وحماسه الشديد أن يجعل المدينة كلها تشترك معه بجمع تلك الملصقات من كبار وصغار ومن شرطة وغيرهم،

لقد اعتبر الصمودي أن تلك الملصقات هي شهادة للتاريخ ومشروع فني سيعمل عليه لاحقاً، وكنز حقيقي سيعود به، إنها خرائط الكنوز المهملة والثروات التي يستطيع المبدعون جنيها في اكتشافاتهم وقدرتهم على إعطاء المضامين الجمالية الثمينة، للأشياء العابرة.

وفينسيا بالنسبة للغزالي، مدينة عائمة على الماء، أبنيتها تتراقص دون توقف متناغمة مع موسيقى فيفالدي وفصوله الأربعة التي أبدعها ذلك الموسيقار، مأخوذاً بسحر تلك المدينة. ويقول ان شكل القوارب وأسلوب العمارة يتحاوران بشكل جميل ومتكامل، بحيث يرتسم المشهد في المخيلة كعمل فني لا يمكن إضافة أو حذف أي شيء منه.

إسبانيا مغرب آخر

في إسبانيا ومدنها البديعة التي تبرز فيها العمارة الشرقية بقبابها وزخارفها. من الأندلس إلى اشبيليا إلى قرطبة، وإلى هيبة وعظمة قصر الحمراء، يشعر الغزالي بغبطة كبيرة ويخيم عليه سحر تلك المنطقة واختزانها لأصداء التاريخ البعيدة ولمسة أجدادنا التي خلفوها في عمارة الروح وعمارة النفوس، ويرى تشابهاً كبيراً وتطابقاً بين إسبانيا وبين مسقط رأسه في المغرب،

في حاراتها وأزقتها وحماماتها القديمة ومساجدها وفي الزخارف التي تزين المساكن والمباني والقصور. ويقول عند سقوط غرناطة نزح جميع الأهالي إلى شمال المغرب ، وقد شيدت العديد من المدن على تلك الشاكلة، بحيث تتطابق المدن التاريخية في المغرب مع العمارة الإسلامية القديمة في إسبانيا، كما أن الموسيقى الأندلسية في المغرب متطابقة مع موسيقى الفلامنكو.

ويعبر الغزالي عن دهشته حين رأى ذلك التطابق، حتى أنه تساءل في نفسه ، إن كان ثمة مغرب آخر بعد جبل طارق، ويقول لولا اختلاف اللغة لما عرفت أنني في إسبانيا.

ومن إسباينا إلى إيطاليا من جديد، وإلى ريفها الجنوبي، يتعرف الغزالي على بيشليا في دعوة إلى مهرجان إبداعي ضم العديد من المبدعين من مختلف الشعوب المتوسطية ، والذي شعر حينها بشبه كبير بين جميع شعوب المتوسط بأطعمتهم، وحميميتهم، وعاداتهم وبساطتهم، وكأنه على شواطئ الإسكندرية التي عاش فيها أجواء مقاربة بدعوة إلى بينالي خيال الكتاب في مكتبة الإسكندرية،

حيث أطل من هناك على مدينة باري وكازبلانكا والدار البيضاء، ومن شواطئ المتوسط إلى مدينة كاري في رومانيا التي زارها مؤخراً وضمن مهرجان مماثل، تهرب الكلمات من فم الغزالي وتعود من جديد صيحات وضحكات يطلقها، وهو يعود بذاكرته إلى تلك الرحلات وإلى الصمودي وهو ينحني على الأرض ليلتقط صورة لأثر عابر، أو ينتزع أحد الملصقات التي ظلت طي زمان آخر، وحلم لم يتحقق.

والتجوال لم تفترق خطاه مرة عن دروب الروح، وخزين العين التي تحاول أن تسكب من جديد ما حازته على المفارق وفي الساحات، على ذرى الأهرامات، وفي أنفاق المترو في المدن الغريبة. وهي رحلة قد نعثر من خلالها على مدينة تشبهنا، أو نهر نعقد على ضفافه أحلامنا، ونغسل أرواحنا.

وربما نجوب الأكوان دون أن نبرح أمكنتنا الضيقة الشاسعة، مطلين عبر وحدتنا إلى زحام هذا العالم الصاخب. أو نغادر أنفسنا إلى سكينة عنيدة قد نذرف العمر في دروبها لحظة.. لحظة.

إسماعيل الرفاعي