يظل الآنسان بفطرته مشغولاً باكتشاف مكامن قوته الجسدية في مراحل عمره المختلفة، ويحاول اختبارها في أمور شتى أولها قدرته على الدفاع عن نفسه وبيته. كثيرون اكتشفوا قدراتهم البدنية وحافظوا عليها ونمّوها بانخراطهم في ممارسة رياضات مثل رفع الأثقال والمصارعة وكمال الأجسام، وهناك من دعتهم قوتهم لبسط عضلاتهم على الضعفاء كنوع من الاستعراض المقيت، ناهيك عن استخدامهم القوة في أشياء أقل ما يُقال عنها إنها ضد الأخلاق والقانون.
نحن اليوم أمام ملامح لعائلة وهب الله أفرادها القوة البدنية فوظفوها في عروض جماهيرية تثير دهشة وتمتع الكبار. كما تتمتع العائلة بقوة تحمّل على المستوى النفسي والبدني وهدوء الأعصاب، إلى جانب إيمان قوي يترجمه أفرادها في المحافظة على الصلاة في أوقاتها ليطفئوا أي بذرة للغرور تتسرب إلى نفوسهم.
متواضعون إلى درجة تحسبهم ضعفاء عندما يستفزهم موقف أو شخص. نحن مع أعضاء فريق «شمشون العرب» هذا الفريق الذي ورث إنجازات العملاق علي بن حسن الملقب بشمشون العرب، ويسيرون على نهج والدهم ليكملوا مسيرة الآنجازات على المستوى المحلي والقاري.
يتألف فريق شمشون العرب من أربعة أشقاء هم: حسن وهاشم وحسين ومحمود، إضافة إلى ابن عمهم حسين خليل وهو أول من تأثر بعمه وشارك في عروض القوة والتحمل، وعودة إلى بدايات فكرة تأسيس فريق يحمل اسم والدهم، فتحنا حواراً مع الشقيقين هاشم ومحمود بحضور ابن عمهم، لنسجل أول ملاحظة على روح هذا الفريق وجماعيته واحترام أعضائه لبعضهم البعض.
كنا نطرح السؤال أو الاستفسار بشكل عام على الجميع، ولم نعرف حتى الآن كيف كانوا متفاهمين وكأنهم شخص واحد، تأتي الإجابة من أحدهم من دون أن يتدخل الآخر، ويعطون الكلمة لبعضهم حتى تكتمل المعلومة بصورة أوضح، والملاحظ أيضاً أن والدهم، وهو مثلهم الأعلى، كان حاضراً على ألسنتهم وكأنه موجود معنا بالفعل، يقول هاشم شمشون:
جميعنا متأثرون بمسيرة الوالد، ولو لا هذا التأثر لما رأيت هذا الكم من العشق لهذه الرياضة، فهي تجري في دمائنا حتى وإن كان بعضنا بعيداً عن ممارستها في وقت من الأوقات، كما هو الحال بالنسبة لي، فقد كنت قريباً من الفريق أتابع تمارينهم، وأساعد في تجهيز مكان التدريب وإحضار الأدوات، لكن لم أكن ممارساً لأي نوع من أنوع العروض،
وعندما أصر والدي لأنخرط معهم وأنضم إلى الفريق، وافقت من أجله، فأنا أحترم قناعات والدي في كل الأمور، وعندما يصر على إشراكي في الفريق، فهو يرى بخبرته ما لا أراه في نفسي، وبالفعل تدربت مع الفريق، وشيئاً فشيئاً وجدت نفسي أستمتع بهذه الرياضة أكثر عن أي ممارس آخر،
وصحت رؤية والدي الذي مارس هذه الرياضة منذ زمن، وقد كان لقبه في أواخر الخمسينات «شمشون الجبار» وكان يكره أن يطلق عليه صفة الجبار، إلى أن زار الأردن وقدم عروضاً هناك، ومنحه الملك حسين في عام 1991 لقب «شمشون العرب».
امرأة قطعت لسان الأب
ونحن إذ نضع والدنا في مرتبة المثل الأعلى ونمارس رياضته التي أبدع فيها، فذلك لأنه صاحب مسيرة حافلة على مستوى الوطن العربي والدولي أيضاً، فقد كرمه رؤساء وملوك كثيرون أذكر منهم الرئيس جمال عبدالناصر، والملك حسين، والملك حسن، والملك فهد بن عبدالعزيز، والملك عبدالله،
والشيخ جابر الصباح، وامبراطور اثيوبيا «هيلاسي لاسي» والرئيس معمر القذافي، وياسر عرفات، هؤلاء جميعاً كرموه وأعطوه شهادات وأوسمة، لكن تبقى قدرات والدي الخارقة التي نعجب بها ونحاول أن نفعل نصف ما كان يفعله، وأذكر أنه في أحد العروض حمل بأسنانه حمارين مربوطين بالحبال إلى عصا غليظة في منتصفها حبل رفعه والدي بأسنانه،
وحدث أن كانت إحدى السيدات العجائز موجودة في الساحة فاقتربت من والدي وقالت: «هذا ليس إنسانا، هذا جني»، وفي الحال انزلق الحبل من فم والدي ليعض على جزء من لسانه ويقطعه، وحتى الآن يعاني من هذه الحادثة وظلت بعض الحروف ثقيلة عليه في نطقها.
تشكيل الفريق والتدريبات اليومية
مثلاً أعلى إذن يراه الأبناء أمامهم ومعهم في البيت الكبير، سطر ومازال يسطر تاريخاً في هذه الرياضة ويجذب الشباب إليها، يقول حسين خليل: تأثرت بعمي كثيراً واقتربت منه عندما كان يتدرب على العروض، أحببت هذه الرياضة وبدأت في ممارستها عام 1991،
وشجعني عمي وراح يدفعني لأن أجرب ما يفعله، وانخرطت بعد ذلك معه بشكل دائم وبدأت أقدم العروض، إلى أن بزغت فكرة تأسيس فريق يحمل اسم عمي، وبالفعل شكلنا الفريق عام 1997، ومنذ ذلك الوقت ونحن نقدم العروض تلو الأخرى، وننال استحسان الجمهور، وفي هذه الفترة تمكنت من إجادة أنواع مختلفة من العروض بعد أن تدربت عليها كثيراً،
وهنا يجب أن نعرف أن هذه الرياضة لا تعتمد على القوة فقط أو العضلات، ولكن تحتاج بشكل أساسي لقدرة هائلة على التحمل والصبر، وهذا أمر مهم للغاية، ونحن نتدرب بشكل يومي لنقوي العضلات، ونركض لمسافات طويلة لنضبط الجهاز التنفسي وعضلات القلب ثم بعد ذلك نتدرب على أدوات العروض لنقوي إرادة التحمل والصبر.
حسين خليل يعمل في القوات المسلحة، وربما ساعده عمله في اتمام لياقته البدنية وقوة تحمله غير العادية،، فهو يبسط ذراعيه لتمر عليه السيارات بأوزان مختلفة، واستطاع أن يحطم رقماً عالمياً بمرور عشر سيارات على ذراعه، لكن تظل دهشتنا لما يقوم به حسين شمشون الملقب بالنمر الصغير، وهو مدرب كمال أجسام وحائز على شهادات فهو ينام على لوحة مثبت فيها (1200) مسمار، ينام على ظهره،
ثم توضع على بطنه صخرة تزن ثلاثمئة وخمسين كيلوجراماً، ليس هذا فقط، وإنما يقوم أحد أعضاء الفريق بتهشيم الصخرة على بطنه ولنا أن نقدر وزن الصخرة وحمل أداة التكسير عندما تهوى بكل قوة، يقول حسين: هذا العرض بالتحديد يحتاج إلى تركيز شديد وقوة تحمل، فكثيراً ما تنغرس المسامير في الجسد مسببة آلاماً مبرحة،
وكثيراً أيضاً ما تنزف الدماء من جراء هذا العرض، ولكن تبقى المتعة الكبيرة ونحن نؤدي عروضنا على أكمل وجه. عند هذا النقطة قاطعت حسين لأسأله من الذي يقوم بتهشيم الصخرة أو قيادة السيارات التي تمر على ذراعه، فأشار مبتسماً إلى ابن عمه هاشم، ونظرت بدوري إلى هاشم دون أن انطق بكلمة واحدة، لكنه قرأ على وجهه اسئلة كثيرة فقال:
الأمر ليس بسيطاً اعرف ذلك، لكننا نتدرب على هذه الأمور سواء من الناحية النفسية أو التكتيكية، ومن الناحية النفسية لا أخفي عليك أنني أتردد احياناً في قيادة السيارة لأمر بها على جسد حسين، فهواجس الخطأ تتمكن في بعض الأوقات، ولذلك يحتاج الأمر إلى رباطة جأش وتفاهم وتناغم بيننا، كذلك الأمر بالنسبة لتهشيم الصخور،
فبعضها يستعصي على التهشيم رغم تدريبنا السابق على صخور من نفس العينة، وهنا يجب أن أذكر خبرة وتجربة الوالد في هذا الشأن، فقد زودنا بخفايا هذه العروض ضارباً الأمثلة التي واجهته أثناء مسيرته، فقد تحداه البعض واحضروا رجلاً قوياً من سوريا ليتحدى في تهشيم صخرة كبيرة، وراح الرجل يضرب الصخرة بضربات تخطت العدد المتفق عليه، وظلت الصخرة على حالها،
فما كان من الوالد إلا أن قلب الصخرة على جانبها الآخر، ونادى على طفل صغير وأعطاه الأداة، فتهشمت الصخرة من أول ضربة من الطفل، هذه الخبرة عند والدي هي التي تمنحنا الثقة في نفوسنا، فهو حتى الآن يشرف على تدريبنا ويعطينا النصائح ويجرب أمامنا ما يصعب علينا القيام به.
تحطيم الأرقام القياسية الدولية
ربما لأنه أصغر الأخوة وأعضاء الفريق، جلس محمود شمشون يتابع الحديث باهتمام بالغ، هو يعمل موظفاً في محاكم دبي، لكن الوظيفة لم تقف حائلاً بين ممارسة رياضته المفضلة، يقول: كل واحد من أعضاء الفريق أخذ جانباً من جوانب العروض التي كان يقدمها الوالد،
وأنا أخذت عنه سحب الشاحنات بالشعر، والحمد لله استطعت أن أسجل رقماً عالمياً بعد أن حطمت رقم الرياضي الماليزي الذي استطاع ان يسحب شاحنة وزنها 7670 كيلو غراما لمسافة ثلاثين متراً، وقد حطمت هذا الرقم بعد أن استطعت سحب شاحنة تزن عشرة آلاف وستمئة كيلو جرام لمسافة اثنين وثلاثين متراً،
لكنني احلم بتسجيل رقم عالمي يعصى على أي رياضي من بعدي ان يحطمه، وأنا اعمل بجد واجتهاد لكي أحقق هذا الرقم بإذن الله، اما حسن شمشون فهو متخصص في تكسير الصخور على رأسه، وباستطاعته حمل صخرة تزن مئة وعشرين كيلو غراما، على رأسه، ويقوم هاشم المتخصص في هذا الشأن بتكسير الصخرة،
أما بقية العروض، فهي تشمل تثبيت سيارتين في اتجاهين مختلفين من الحركة، كذلك ثني الحديد باليد وهو بحجم ستة ملليمترات، ايضاً الوقوف على المسامير وحمل عشرة أشخاص على الظهر، وتكسير الصخور على الظهر أو وضعها على الفخذ مع وضع القدم على المسامير، ويبقى تخصص هاشم شمشون في سحب الشاحنات بالجسد، يقول هاشم: كنت أتدرب في صالة لكمال الأجسام ومواظباً على الاحتفاظ بلياقتي البدنية،
وعندما أصر والدي على مشاركتي في الفريق، اختار لي عروض سحب الشاحنات، فهو له وجهة نظر في جسد اللاعب والعروض التي يمكن ان يقدمها، وبالفعل نجحت في ذلك، بل وحققت رقماً عالمياً عندما سحبت شاحنة «خلاط اسمنت» تزن ستة عشر ألف كيلو جرام، وبعد نجاحي في تحقيق هذا ازداد عشقي لهذه الرياضة.
ومن زاوية أخرى يتناوب هاشم وحسين خليل على استعراض التحديات التي تواجه الفريق، فهم على حد قولهم أول فريق عربي يتم تأسيسه دون أن يكون اتحاد للعبة يرعاهم، ويأملون أن يتم إنشاء اتحادات عربية في كل البلدان وأولها الإمارات حتى يتسنى للفريق خوض منافسات حقيقية على مستوى عالٍ،
أما مسألة التفرغ والدعم فهما مشكلتان فعليتان تؤرقان أعضاء الفريق، فهم يسيرون على نظام تغذية يتطلب مصاريف لا يستهان بها، كذلك الأمر بالنسبة للأدوات المستخدمة في التمارين والعروض، وكل ذلك يتحمله أعضاء الفريق على حسابهم الخاص، ويبقى الدعم المعنوي الذي ما زال غائباً حتى الآن،
ومع ذلك يظل العزاء في أن كثيراً من الرياضيين الذين حققوا نجاحات على المستوى العالمي في الرياضات الفردية يشكون من قلة الدعم، هكذا يبوح أعضاء الفريق بهواجسهم التي تؤرق عملهم المستمر في سبيل رفع اسم الدولة في المحافل الدولية، مثلهم في ذلك ما فعله والدهم الذي زار أكثر من سبعة وعشرين بلداً وكان يعرف في هذه البلدان بأنه شمشون العرب القادم من دبي، لقد ذاع اسم دبي في وقت من الأوقات مرتبطاً باسمه، وهم أيضاً سائرون على نفس النهج.
أخلاق رياضية وطموحات
ما من إنسان يتعرض للظلم أو الاستفزاز أو ينزلق في شجار مع الآخر إلا ويبحث في دواخله عن قوة تعينه على حسم المشكلة، أما إذا كانت هذه القوة موجودة وظاهرة للعيان فإن الأمر يستدعي منا وقفة نسأل فيها هاشم عن هذه الجزئية، يقول: الصحة والعافية من عند الله، والإنسان المؤمن يعرف أن هذه الهبة يمكن أن تزول أو تضعف كما يزول المال،
ونحن والحمد لله مؤمنون ونواظب على أداء الفرض في حينه، ونأخذ بتعاليم ديننا وبنصائح والدنا الذي سبقنا في هذا المجال، فهو دائماً ما يذكرنا بالصلاة ومساعدة المحتاج أينما كان، كذلك يأمرنا بأن نساعد حتى المتدربين الرياضيين ولا نبخل عليهم بالنصح والإرشاد، أما في حياتنا العادية فنحن بشر نمارس أعمالنا بصورة طبيعية، وتدريبنا على كيفية ضبط النفس ساعة الغضب،
وربما تنفلت أعصابنا بعض الشيء ولكن لم يحدث أبداً أن امتدت يدنا على أحد، ومنذ يومين فقط حدث أن خرج سائق باص فجأة عن طريق فرعي لأجده أمامي مباشرة، وتفاديت وقوع حادث كان يمكن أن يودي بحياتي، غضبت، نعم فهذه حياة وليس مزاحا، كان السائق ضعيفاً وفارق الجسم واضح،
وبشكل مخيف بيني وبينه، هذه حسابات سريعة ارتسمت على وجه السائق الذي بدا مرعوباً من الموقف برمته، لكنني اكتفيت في النهاية بتوبيخه وانصرفت، وهناك أمثلة كثيرة نتعرض لها حالنا حال أي إنسان، لكننا والحمد لله قادرون على التحكم في أعصابنا تماماً كما نتحكم فيها أثناء تقديمنا العروض.
أما بالنسبة للمنافسة بين أعضاء الفريق الواحد فيقول هاشم: نحن نبدي المنافسة الشريفة بيننا أثناء التدريب حتى نصل إلى أعلى مستوى، أما أثناء العروض فنحن حريصون على أن يؤدي كل واحد عرضاً مختلفاً عن الآخر، حتى لا ندخل في حسابات فردية، فنحن فريق واحد ونعمل من أجل مصلحة الفريق بشكل عام.
أما طموحاتنا فهي كثيرة جداً، نحن لم نقدم شيئاً يذكر مقارنة بما قدمه شمشمون العرب، فقد كان يقدم عشرة عروض في يوم واحد، زمن كل عرض يتجاوز الساعتين، وهذا أمر ليس سهلاً بالمرة، ولكل واحد منا أيضاً طموحاته الشخصية لتسجيل أرقام عالمية كما هو الحال بالنسبة لي، فأنا أطمح بسحب طائرة لكي أحطم الرقم العالمي.
عز الدين الأسواني
