مع زقزقة العصافير في الصباحات الباكرة يلملمون ذكرياتهم وما تبقى من أحاديث الأمس ويشرعون الأبواب نحو شمس جديدة ويوم أجمل، ينطلقون إلى هناك حيث تتلاقى الأمزجة والمفردات في لغة لا يفهمها أحد سواهم، لا فرق.. إن كان محيطهم المحمل بلغة العصر قد لفظهم أم أنهم تمردوا على معطيات ومستجدات لا تتوافق مع أدمغتهم، تراهم منكفئين على عالمهم الخاص متكئين على عصي ربما هي الوحيدة التي تعرف أسرارهم ومكنونات صدورهم، متشبثين بحقهم في الحياة حتى آخر نفس رغم الإهمال الأسري وانشغال الأبناء.
الاقتراب من عالمهم يعني فتح النار على سن التقاعد الذي أحالهم إلى مصطبة تجتر ذكرياتهم ومغامراتهم في الأيام الخوالي، وإن فتحت بدورك ملف الرعاية الأسرية والتواصل مع الأحفاد والأبناء والمجتمع فأنت بدون شك تحتاج إلى مرجعية في علم النفس والاجتماع، هؤلاء الذين يفترشون الأزقة في الأسواق القديمة ليتحلقوا كل صباح حول همومهم أولئك المنسيون خلف غبار السنين يتدثرون ببيت شعر محمل بالحكمة حتى لا تفضحهم الدموع ويتخفون خلف القفشات والمداعبات والضحكات المجلجلة ليحافظوا على كبريائهم.
عندما لفت انتباهنا مشهد مجالس المسنين توسمنا الخروج بلوحة مزركشة بالفكاهة والنوادر انطلاقاً من انطباعنا المسبق بأنهم يمتلكون مخزوناً لا ينضب عن جحود الأبناء الذين لا يسألون عنهم ولا يساعدونهم في حين اتفق آخرون على استحالة المكوث في البيت إلى جانب النساء بعد خروج الجميع إلى أعمالهم ومدارسهم،
أما عن سبب اختيارهم لهذه الأمكنة بالتحديد وما الذي يميزها عن غيرها حتى يتجمعون فيها فإن الإجابة جاهزة وتتمحور حول سهولة الوصول إلى السوق القديم إضافة إلى قرب المكان من سوق الخضار الذي يعتبرونه محطة أخيرة في رحلتهم الصباحية، وفي ظل غياب المقاهي الشعبية بطرازها التراثي ومشروباتها وألعابها الشعبية
فلا مناص من ارتياد مثل هذه الأمكنة الملتصقة دائماً بأقرب كافتريا تقدم المشروبات والوجبات الخفيفة، غير أن السوق القديم بحركته المتواصلة وازدحامه بالناسب يشعرهم بالتواصل مع نبض الحياة وأنهم لا يزالون مشاركين بصوتهم وحضورهم الجسدي حتى وان كانت هذه المشاركة مقتصرة على مشاكسة بائع في محل أو عامل نظافة في المنطقة.
«كان زمان» مفردتان تتكرران مع بداية كل عبارة تشير على الفوارق الشاسعة بين حاضر مستعصي على الفهم ومستهجن من قبلهم لتضمنه متغيرات سواء على مستوى الأمكنة أو على مستوى العلاقات الإنسانية «الفلوس أفسدت النفوس» جملة يرددونها مستحضرين شقاءهم وتعبهم في تربية وتعليم الأبناء،
وعندما حان وقت رد الجميل برعاية الأبناء لآبائهم لم يجدوا أحداً إلى جانبهم وحيدين في غرفهم بعد أن هجرهم الأولاد وتزوجوا واستقروا بعيداً عنهم مع من نتحدث في البيوت؟ سؤال مغمس بالألم يطلقونه دون انتظار إجابة من احد، المكان هنا مناسب - يقولون - وكثرة الناس تعطيك إحساساً بالأمان،
هنا نجلس مع بعضنا البعض ونتحدث في أمور كثيرة عن الماضي والحاضر ونتبادل الأخبار ونسأل عن بعضنا ، وان غاب احد منا تقصينا أخباره، فإن كان مريضاً زرناه، وان مات احد نقوم بأداء الواجب، هكذا هم يفضلون الجلوس في زواياهم يراقبون حركة الشارع بدلاً من الجلوس في البيت فهم في الغالب لا يحبون مشاهدة التلفزيون لأنهم لا يفهمون منه شيئاً.
