عندما يراك رجل الأعمال وعضو المجلس الاستشاري الوطني علي محمد الصايغ وللوهلة الأولى يبادرك بالقول (الحمد لله لقد منحني الله سبحانه وتعالى كل شيء وأنعم علي بالمال والصحة والأولاد، واستمتعت في حياتي بما انعم الله عليّ، لذلك لابد وأن أذكر فضله سبحانه عليّ، وأما بنعمه ربك فحدث).
علي الصايغ هو عميد عائلة الصايغ في أبوظبي، فهو الأب الذي رعى أولاده، وهو في منزله الأب بالنسبة لأولاد عمه يوسف، الذي قام بتربيتهم بعد وفاة والدهم، وهو الجد لعدد لا بأس به من الأحفاد، ورغم أنه عاش أيام قبل النفط إلا أنه يؤكد أنها كانت أيام وفيرة الخير،
حيث كان يعمل والده وعمه في تجاره اللؤلؤ، وكانوا يعيشون في بحبوحة العيش حتى ظهر في اليابان اللؤلؤ المزروع فكسدت تجارة الطبيعي في كافة دول الخليج، وما بين تلك الحقبة الزمنية حتى تجارة المجوهرات والتحف وتوكيلات الساعات العالمية سنوات طويلة من الكفاح والمعاناة يرويها لنا.
مخازن الحوطة
نشأ رجل الأعمال علي محمد الصايغ في أبوظبي في بيت كبير يضم أباه محمد وعمه يوسف، يقع في منطقة السوق القديم وهو عبارة عن حوطة وتعني حوش كبير يحتوي علي مخازن، لكل واحد من أفراد العائلة خزنة خاصة بها يقطن فيها مع زوجته وأولاده، ويظل الأبناء هكذا في نفس غرفة أبيهما وأمهما حتى يكبرا ويتزوجا ثم يستقل كل واحد منهم بزوجته ويعيش معه أولاده في غرفته وهكذا،
وليس كما هو الحال حالياً حيث يولد الطفل وله غرفة مستقلة مع مربيته الخاصة، وكان للحوطة بابان أحدهما شرقي والآخر غربي، ولم تكن الحياة مترفة كما هي الآن، فلا توجد مكيفات للحد من سخونة الطقس، ولا كهرباء للإنارة بل يستخدمون قناديل يتم إشعالها بالجاز، ومثلما يقول العم علي كما يطلق عليه جميع أبناء عائلة الصايغ كان الهواء جميلاً ولطيفاً رغم شدة حرارته،
وذلك لعدم وجود هذا الكم من البنايات والمكيفات التي خربت الجو كما يقول، وكانوا ينامون في الخلاء أو على الأسطح في الصيف، ويستمتعون بنسمات الهواء، وفي الشتاء يزداد الطقس جمالا.
وكانوا يشربون من الآبار المحفورة ذات الماء المالح الا أنه لم يكن بشدة ملوحة مياه البحر، ولم يكن هناك أطباء يذهبون إليهم حينما يمرضون، وكان العلاج يتم عند المعالجين الشعبيين ومعظمهم من الحلاقين ويعالجون بالحجامة والوسم، وكان الناس يحلقون شعورهم عند هؤلاء أيضا، وكانوا أحيانا يتقاضون فلسا، أو ربما لا يتقاضون نقودا بالمرة،
وقد تتم مقايضتهم ببعض الأطعمة، وكان أحيانا في الثلاثينات مع العواصف تمتد مياه البحر حتى تدخل المدينة. وكان الطعام في الغداء والعشاء نفس الصنف وغالبا يكون من العيش واللحم أو السمك والعيش. وأحيانا يطبخون الهريس والمرقوق.
رخاء قبل النفط
ويضيف علي الصايغ قائلاً مر على أبوظبي خير كثير وعائلات تعيش في بحبوحة من العيش، وكان من يمتلك ألف روبية تساوي مليون اليوم والمليار يعادل ألف روبية زمان، ولم تكن توجد وقتها صعوبات مطلقا، فقد كان الناس متحابين وكل الناس في البلد كأنهم عائلة واحدة، وكانوا جميعا أقارب، بصلة النسب والمصاهرة، كما أنهم كانوا يرون بعضهم ويودون بعضهم البعض أكثر من مرة في اليوم الواحد.
ويتذكر علي الصايغ أيام طفولته قائلا: كنا نلعب القبة وهي مثل كرة القدم خاصة في الأيام التي تمطر، وذلك لأن المطر يجعل الأرض قوية فنستطيع ممارسة اللعبة بسهولة، وكانت هناك لعبة اسمها البول، وكان البنون يلعبون مع بعضهم، والبنات يلعبن وحدهن.
وكان والده مع عمه رحمهما الله من تجار اللؤلؤ المعروفين في الإمارات، يشترونه من الغواصين ثم يبيعونه لتجار اللؤلؤ في دبي، وكان أغلب هؤلاء التجار من الهنود والذين يشترون اللؤلؤ ومن ثم يصدرونه إلى أوروبا خاصة انجلترا وفرنسا.
وتعلم علي الصايغ القراءة والكتابة وحفظ القرآن في كتاب درويش بن كرم، وعندما كبر تحديدا عام 1950م التحق في مدرسة الحكمة في دبي لتعلم اللغة الإنجليزية، وكانت أبوظبي وقتها غير مكتظة بالسكان كما هي حالياً، وكانت العائلات تتجمع في مكانين أحدهما قريب من الكورنيش ويسمى أبوظبي والآخر في منطقة البطين والتي مازالت تحمل نفس الاسم الآن.
ويقول الصايغ كان السفر قديما بالجمال الا أنني أتذكر في الأربعينات أنني سافرت إلى العين بالسيارة وركبت مع عمي سيارة الحاكم وقتها وأخذت الرحلة يوما كاملا ذلك أن الطرق كانت رملية ولم تكن ممهدة، ولم يكن من المألوف امتلاك العائلات لسيارة، وكان الحاكم فقط هو الذي يملك سيارة، وكنا أنا وعمي قد ذهبنا في ضيافة الحاكم الشيخ شخبوط لمدة عشرة أيام ثم عدنا ثانية إلى أبوظبي.
إفطار رمضان الجماعي
ويتذكر علي الصايغ رمضان زمان، يقول كان من العيب ان يفطر أهل البيت في الداخل، وربما كانت النساء فقط تفطرن في الداخل، لكن كان الرجال يفطرون في خيمة خارج المنزل، ويأتي للإفطار مهم الأهل والجيران وهذا يتم بالتناوب، فلابد أن يفطر الناس عند بعضهم البعض، كذلك يمكن للغرباء والمارين أن يفطروا في تلك الخيمة أيضا، والغني والفقير يمارس تلك العادة حيث يحمل إفطاره ويضعه أمام المنزل ليفطر الناس معهم.
وكان زمان الذي يشتري أو يخيط جلباباً فهذا مقتدر، وفي العيد نشتري الحلويات مثل الملبس وشعر البنات، وكانت هناك محلات خاصة ببيع تلك الحلويات. وعلي الصايغ الذي عاصر زمنين مختلفين في أبوظبي، عاصر ما قبل النفط وما بعده يؤكد أن ما حدث في أبوظبي ودبي خاصة لايمكن أحد أن يتخيل أننا سنتطور بهذه السرعة، والحقيقة أنها قفزات تفوق الخيال.
وقد مرت علينا في أبوظبي فترة ركود تحملناها كثيرا، الا اننا أنتقلنا فترة للعيش في قطر عام 1952م بعد أن كسدت تجارة اللؤلؤ بسبب ظهور اللؤلؤ الياباني المزروع، وكذلك عزوف الغواصين عن الغوص لإحضار اللؤلؤ بعد انحسار تجارته، لذلك اضطررنا للانتقال إلى قطر بعد أن نفدت الأموال، ولم يعد لدينا عمل نربح منه، ولدينا بيوت وعائلة بأكملها تريد المصاريف للعيش، وتحملنا كثيرا فترة الكساد الا اننا قررنا أن ننتقل بعد ذلك إلى بلد مجاور نستطيع أن نعيش ونعمل فيه.
وعشنا في قطر حتى تولى الشيخ زايد مقاليد الحكم في أبوظبي، حيث انه من اليوم التالي لحكمه أرسل لرعاياه ليعودوا ثانية إلى الوطن، والذين لم يرغبوا في العودة ذهب اليهم بنفسه، في قطر شكر الحاكم على استضافتهم، ثم تحدث إليهم وأقنعهم بالعودة إلى الوطن، وكان مصرا على عودة رعاياه ليعيشوا في مكانهم الطبيعي الذي هجروه بسبب شظف العيش.
وفي قطر عملت موظفا في شركة خليفة العطية رحمة الله عليه، ثم قمنا بفتح مجوهرات الصايغ عام 1958م، وقد فكر والدي رحمه الله في هذا المحل ، وأحب أن يعمل في الذهب والمجوهرات، وقال لي والدي لا تترك عملك في شركة العطية بجانب الاهتمام بمحل المجوهرات، وكنت قد أسميته باسمي مجوهرات علي محمد الصايغ وبعد أن عدنا إلى أبوظبي نقلت محل المجوهرات إلى هنا وكان قريبا من البحر،
ثم أخذت في أول عمارة للشيخ سرور بن محمد آل نهيان محلا للمجوهرات في شارع حمدان، وفي هذا البرج الذي نمتلكه ويوجد فيه مكتبي حالياً في شارع حمدان، قد بنيت فيه من قبل بناية من 3 أدوار وفتحت أسفلها محلا للمجوهرات، وكذلك عمارتنا القديمة خلف هذا البرج وأيضا فتحت فيها محلاً للمجوهرات.
وصارت البلد مليئة بالمال وذلك لأن الشيخ زايد رحمه الله أحب أن يسعد شعبه وأصبح لدى الناس قدرة شرائية، فقد شجع الناس وبنى لنا البيوت ومنحنا المال، وبدأت بمحل واحد للمجوهرات ثم تعددت الفروع فيما بعد في أبوظبي والعين، والوحيد من أولادي الذي أحب أن يعمل معي هو ابني عبدالله، وبعد أن تخرج من الجامعه في أميركا، عاد إلى الوطن ليساعدني في العمل، وكان له الفضل في توسيع تجارتنا حيث انه أخذ حق توكيلات عالمية مثل الساعات، والألماس والمجوهرات والتحف.
المجلس الاستشاري الوطني
وكعضو في المجلس الاستشاري الوطني، يقول علي الصايغ كان والدي في هذا المجلس ثم دخلت أنا بعده بأمر من الشيخ زايد رحمه الله وذلك منذ العام1987م وحتى يومنا هذا، والدور الذي نقوم به في المجلس هو رفع طلبات المواطنين إلى الحاكم،
والحق يقال ان الشيخ زايد رحمه الله لم يجعل هناك مشاكل لدى الناس طوال حياته حتى تركنا إلى مكان أفضل تغمده الله بفسيح جناته، كذلك عايش وواكب سمو الشيخ خليفة كل ما فعله والده لنهضة هذا الوطن وهو امتداد له.
نحن في الإمارات محظوظون بحكامنا يحبوننا ويستمعون إلينا، وكان الشيخ زايد فاتحا مجلسه في قصره وكان يمكننا الدخول دون أمن أو خلافه، وكان يصاحبه أيضا سمو الشيخ خليفة ابنه.
وعندما صار الاتحاد صار التعاون الكبير بين الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، لمصلحة الدولة.
امتلكت سيارة في قطر وأحضرتها إلى هنا فيما بعد وكانت شيفروليه، وكان أول مكيف نستعمله في قطر وكان مستعملا، الا اننا وبعد أن عدنا إلى الإمارات اشترينا أفضل المكيفات حيث كان الخير مع قدوم زايد، وكنا نستقبل محطة إذاعية من الدمام من السعودية.
ويتحسر علي الصايغ عن أيام الغوص وتجارة اللؤلؤ قائلا للأسف نحن الآن نستورد لؤلؤ الإمارات والخليج من أوروبا، فتلك الكميات خرجت من عندنا، والآن لا أحد يمارس الغوص من أجل اللؤلؤ،
فقد كانت توجد أكثر من 300 سفينة تعمل في بحر الإمارات سنويا من اجل إحضار اللؤلؤ، وكما يقول المثل و«اشلك بالبحر وأهواله ورزق الله على السيف».فقد ظهر في الإمارات البترول الذي هو أهم من اللؤلؤ وبسببه اغتنى أهل هذه الأرض.
إيمان قنديل
