حين طالعت كتاب «حرب الإرهاب ضد الإرهاب» لفت نظري أمران، أولهما أن الكتاب به موضوعات ربما يعرفها كثيرون أو بعض المتخصصين، لكن مراجعه تنم عن جهد دؤوب لتقصي تفاصيلها، وعن روح بحثية تحاول التحليق في مجاميل قضايا عالمية. الأمر الثاني أن معدة الكتاب فتاة إماراتية، الأمر الذي أثار انتباهنا وجعلنا نشد على يديها،
لكي تريكم باكورة أعمالها، لكون هذه النوعية من الموضوعات التي تندرج تحت ما يسمى ب«القضايا الخشنة» لاقتصار جلّ متناوليها على عالم الرجال. إنها هند السويدي التي تشعر بفرحة عارمة لإصدارها أول كتاب في حياتها، وهي فرحة تتلبّس كل كاتب وأديب وباحث في بداية مشواره.. لذلك ارتأينا أن نحاورها على ملابسات ولوجها هذا النوع من القضايا، وأشياء أخرى:
ـ ما هي دوافعك للخوص في مجال الإرهاب وما يتعلق به من تفرعات؟
ـ أولاً، التحاقي بقسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات، ورغم عدم استمراري في استكمال دراستي، إلا أن وعيي السياسي نضج خلال الفترة التي قضيتها في الجامعة. أما السبب الرئيسي لشغفي بالسياسة فيعود لجدي لأمي،
حيث تربى وعيي على أحاديثه عن حروب العرب مع إسرائيل، وحكاية خط بارليف وأسطورته، والزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وهزيمة 1967، ونظريات المؤامرة.. ولقد علمونا خلال الجامعة أن بداية الوعي السياسي تولّد دائماً بين أحضان الأسرة؟ وهذا ما حدث.
ـ هذا عن الوعي بشكل عام، لكن ماذا عن انشغالك بإشكالية الإرهاب؟
ـ المسألة بدأت مع أحداث سبتمبر 2001 تحديداً، لقد كان زلزالاً بكل معنى الكلمة، ومن الصعب تجاهله، لأنه يتماشى مع تكويني الذي قلته لك. بعدها تتبعت كل ما قيل عن اصطياد الذرائع لوصم العرب بالإرهاب، وكذلك المسلمين، وعرفت أن العالم يحدق جيداً في عنف الضعفاء ويغض الطرف عن غطرسة الأقوياء.
ـ لكن عنوان كتابك «حرب الإرهاب ضد الإرهاب» لا يعبر في معظمه عن قضية الإرهاب.. أشياء كثيرة مكتوبة عن المخابرات؟
ـ هذا غير صحيح، فاختلاف الذرائع، وتزييف المعلومات، ولي عنق الحقائق، وتبرير العنف، والترويج لمؤامرات الآخرين، كلها من صميم عمل المخابرات الكبرى المتوافرة في أميركا وبريطانيا وغيرها.. وهي أعمال تمثل الوقود الحقيقي لممارسة الإرهاب، وهو ما يعبر عن عنوان الكتاب.
ـ لقد أفردت صفحات كثيرة عن المخابرات الأميركية، وواضح أن اختيارك لمراجع البحث انصب فقط على هذا الاتجاه؟
ـ وهل يوجد عاقل ينكر ما فعلته وتفعله المخابرات الأميركية على مستوى العالم لقد ركزت على تتبع كل ما كتب عن الـ «السي آي ايه» وأعمالها المرعبة في مصر ولبنان وليبيا وإيران وبعض دول آسيا وافريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية،
حتى أصل إلى قناعة مفادها ان قوة أي دولة تتجلى في مخابراتها العامة منها والعسكرية.. كما تأكدت ان الشغف بممارسة الإرهاب يتم تغطيته بصيغة «الضربات الوقائية» وهذا ما قاله بعض مسؤولي البيت الأبيض عند محاولة اغتيال الشيخ محمد حسين فضل الله في عهد رونالد ريغان.
ـ البعض يقول ان الإرهاب هو حرب الفقراء ضد الأغنياء.. ما رأيك؟
ـ هذا ما تروج له الآلة الإعلامية الغربية وخاصة الأميركية، وهل كان انفجار اوكلاهوما من فعل الفقراء.. انه تطبيق عملي لما يسمى باللعبة القذرة وهي لعبة يتقنها جهاز المخابرات الأميركية.. والكتب كثيرة في هذا الشأن.
ـ لماذا لم تبحثي عن دور بعض الأنظمة العربية في ممارسة الإرهاب ضد شعوبهم؟
ـ ربما يكون هذا الأمر أحد موضوعات كتابي المقبل، لكن سأقول لك شيئا آخر: لقد كشفت حرب لبنان الأخيرة ان التخاذل العربي هو نوع من أنواع الإرهاب، فالساكت عن الحق شيطان أخرس
ـ كما ان بعض الأنظمة تخترع الإرهاب الداخلي اختراعاً عبر اجتراحها لقوانين الطوارئ وتقييد الحريات وإهدار كرامة الإنسان، لأنها أقل كلفة وأرخص مسؤولية من مشاريع الإصلاح المطالبين بها تجاه شعوبهم، كنا نسمع في الماضي ان لا صوت فوق صوت المعركة، والآن نسمع لا صوت فوق محاربة الإرهاب.
ـ الغرب يتهم المسلمين بأن عنفهم له مرجعية دينية متأصلة في الدين الإسلامي؟
ـ ولماذا لم يكن له مرجعية دينية عندما استخدموا القاعدة لمواجهة الروس في أفغانستان، واحتضنوا بعض الرموز ودعموهم مادياً ومعنوياً، ثم ان الرئيس بوش نفسه له تعبيراته الدالة على مرجعيته الدينية البروتستانتية مثل الحروب الصليبية والعدالة المطلقة وأخيرا الفاشية الإسلامية والتي وجدت لها منظرين عربا يدافعون عن حسن نية قائلها.
ـ نعود إلى كتابك، حين قرأت عناوين مراجعك وجدت انه كان بإمكانك اللجوء إلى مراجع أخرى مهمة لإثراء موضوعك؟
ـ لم يكن في نيتي أن اصدر كتاباً، فقد كنت أقرأ كهاوية يثيرها العالم السفلي لأجهزة المخابرات وعلاقتها بالإرهاب، وكنت أكتب بعض الصفحات كتعويض نفسي عن عدم استكمال دراستي للعلوم السياسية، خاصة أن توقفي يعود لأسباب خارجة عن إرادتي،
فكنت اقرأ ما أجده من كتب بالصدفة، وكلما ازدادت ذخيرتي المعرفية بعالم المخابرات وألاعيبهم تتحرش الكتابة بي حول هذه المواضيع في صفحات احتفظ بها لنفسي، ولولا تشجيع بعض الأصدقاء ما أصدرت هذا الكتاب، لكن الصدى الطيب الذي لاقاه الكتاب دفعني للتفرغ للخوض أكثر في المعرفة.
ـ ما شعورك تجاه أول عمل ينشر لك؟
ـ فرحة كبيرة مازلت انتشي بها حتى هذه اللحظة، فهذا الكتاب حفزني على ان أعود لاستكمال دراستي ان شاء الله، وفتح شهيتي على ان يكون عملي المقبل أكثر عمقاً ووتجذيرا لحقيقة الإرهاب هذا العالم الذي قوى من شخصيتي الثقافية، وإحساسي بذاتي، ومنحني الجرأة في النقاش والكتابة، فالمعرفة قوة كما يقولون.
ـ هل تحلمين فقط بالعودة للدراسة وإصدار كتاب جديد؟
ـ لا، لا.. هناك حلم كبير، لا أعرف كيف سأحققه، وهو أن أكون أول باحثة متخصصة في الشؤون العسكرية والمخابراتية، كي أخدم وطني الذي أنتمي إليه بكل كياني.. وادحض مقولة أن فتاة الإمارات مدللة، ومشغولة بأمور سطحية.
مجدي أبو زيد
