قواسم مشتركة كثيرة جمعت بينهما لتفضي بهما إلى بيت الزوجية، لكن التقاء الأدمغة على خلفية المقتنيات القرائية يبدو جلياً بين العناوين، الهم الثقافي والعمل الإعلامي خطان تقاطعا عند غرفة مكتبتهما المنزلية المشتركة، ما بين صالون الاستقبال وغرفة المعيشة يقضيان أمتع الأوقات،
حيث غرفة المكتبة الفسيحة التي وضعت مسبقاً على خارطة المنزل قبل بنائه، هي جزء مهم في حياتهما يصعب الاستغناء عنه، تنمو يوماً بعد يوم بانضمام مجموعة أخرى من الكتب باختلاف مضامينها، ثلاثة آلاف كتاب هي الحصيلة حتى الآن، بعد الاستغناء عن العناوين المتشابهة في مكتبة كل منهما قبل الزواج.
الإعلامي حسين المناعي وزوجته مريم سالم، التي اعتزلت العمل الصحافي منذ فترة، وتفرغت لقراءتها وكتاباتها الإبداعية رأسان في مكتبة واحدة، هكذا يبدوان، وفكرة الاستعارة في مكتبتهما أمر في غاية الصعوبة، خصوصاً بعد التجربة المريرة التي خاضاها مع الآخرين. عناوين مهمة ضاعت منهما، خرجت مع الأصدقاء والزملاء ولم تعد.
إضافة إلى مياه الأمطار التي أفسدت الكثير من الكتب قبل جمعها في مكان آمن، أما الفهرسة فتقوم مريم على إعدادها حسب نوعية الكتب، الشعر في مكان، والروايات جنباً إلى جنب، الدراسات والكتب النقدية متقاربة، التراث في زاوية خاصة، الكتب الدينية في موضعها.
غير أن الأغلفة المصورة تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام مريم، إذ تحرص على أن تكون في الواجهة لإضفاء بعد آخر يكسر حدة العناوين والأغلفة التقليدية، ويرى المناعي في هذا التشكيل متعة بصرية مريحة للعين، مثنياً على الطريقة المنظمة التي تتبعها زوجته.
ويرفض المناعي أن تكون المكتبة مجرد فكرة يقوم المرء بإنشائها، فهي بذلك ستكون للوجاهة والترفيه ليس أكثر، فالقراءة الدائمة تعني أن تكون لديك مكتبة تتسع باتساع مساحة الاطلاع وتراكم العناوين، ومن ثم ترى أنك بحاجة للملمة كل هذا في مكان واحد، المهم أن تكون لديك صداقة جادة مع الكتاب.
و«قد بدأت علاقتي بالكتاب منذ أن بدأت في فك رموز الحروف، لم تمنعني الدراسة من ممارسة هوايتي في قراءة الروايات ودواوين الشعر، وانتهت الدراسة وظل الكتاب أنيساً لا أستغني عنه، ولا فرق عندي بين كتاب فكري وآخر أدبي، فلكل كتاب مذاقه الخاص ولابد أن أخرج منه باستفادات جديدة».
بيت بدون مكتبة مثل مقبرة ـ يقول المناعي ـ مستنداً على حد قوله إلى الحياة الحقيقية التي تضفيها المكتبة على أجواء البيت، غير أنه يتحسر على أيام زمان وزخمها الثقافي. ويضيف: كنت أقرأ كتابين كل يوم أما الآن فبالكاد أنهي كتاباً كل يومين، ربما لأن العمل الإعلامي يحتاج إلى وقت ومجهود مضاعفين، ربما لأن إيقاع الحياة أصبح سريعاً عن ذي قبل، ربما.. ولكن تظل الحقيقة في انحسار مساحة القراءة.
يفضل المناعي قراءة الروايات الأدبية ليلاً، هناك كتب لا تريد الانتهاء من قراءتها من فرط متعتها، عبارة يعلق المناعي بها على رواية زوبا التي يعاود قراءتها من وقت لآخر، أما الكتب الفكرية والتراثية فوقتها الصباح، لأنها تحتاج إلى ذهنية صافية وتركيز أكثر، أما الذي يحرص على أن يكون قريباً منه طوال الوقت فهو الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل.
أمل دنقل هو أيضاً الشاعر المفضل عند مريم سالم، وتحرص بدورها على الرجوع إلى أعماله وقراءة شعره دون ملل، هكذا تتضح لنا القواسم المشتركة بين الزوجين، لكن قراءات مريم بدأت بالكتب السياسية بحكم دراستها، لكنها فيما بعد اتجهت إلى القراءات الأدبية بحكم عملها في الصحافة الثقافية،
منوهة إلى مرحلة النضج التي مرت بها مبكراً وأدخلتها إلى عوالم قرائية جديدة، صدمها إبراهيم الكوني بلغته الصحراوية الجميلة، وسحرها تركي الحمد وعبدالرحمن منيف، تقرأ لنوال السعداوي بحرص شديد، وتختلف مع فاطمة المرنيسي كثيراً، ومع ذلك فإن مؤلفاتها تجد لها طريقاً إلى مكتبتها،
أما السير الذاتية فتستهوي مريم إلى حد بعيد، فهي تدخلها إلى الجانب الخفي من حياة مؤلفيها وجبرا خليل جبرا أحد هؤلاء المبدعين، وعن الركن الذي ينقص المكتبة تلمح مريم أن كتب الأطفال لا تزال قليلة، ربما لأننا ننتظر قدومهم، ومع ذلك نفكر بشراء كتبهم وقصصهم القصيرة، فنشأة الصغار وسط أجواء ثقافية وقرائية مهمة من وجهة نظرها.
المكتبة المرئية مشروع يؤرق حسين المناعي، في حكم عمله في التلفزيون يسعى إلى إنشاء مكتبة تضم البرامج الوثائقية، والأعمال المحلية حتى يعود إليها من وقت لاحق، ويقرن المناعي هذه الفكرة بقلة البحوث والدراسات التي تؤرخ لتراث الإمارات وتاريخها، متمنياً أن تضم مكتبته في يوم من الأيام موسوعة تحوي الإرث الثقافي للدولة بما في ذلك الشخصيات السياسية والثقافية والفنية والإعلامية، إضافة إلى أنه يسعى لإنشاء مكتبة الكترونية تضم أهم الكتب والدراسات التي تنشر على الإنترنت.
وينهي المناعي حديثه منوهاً إلى ارتفاع سعر الكتاب ويدفع القارئ الضريبة من دون رحمة، متمنياً عودة الجلسات الثقافية التي تفتح الأبواب نحو قراءات جديدة اطلع عليها الآخرون، مثنياً على التظاهرات الجميلة التي يعيشها القارئ في أجواء معارض الكتب، لكنها لا تكفي لخلق حركة كبيرة كونها تقام سنوياً.
بقي أن نذكر ما قاله المناعي عن رحلاته الخارجية مع الأصدقاء، ففي حين انشغال الأصدقاء بزيارة الأماكن السياحية، يذهب هو في اتجاه آخر بحثاً عن الكتب القيمة «اذهب إلى القاهرة وأول زيارة اقوم بها تكون إلى مكتبة مدبولي».
عز الدين الأسواني
