في الفجر الذي يقشر المساء نجمة نجمة، ويفتح بوابة الضوء. في الضوء الذي يسكب غبار الذهب و رذاذ اللون على الأسطح. في الصباح الذي يلمّ صرة الأحلام والكوابيس ويخفي التنهدات تحت الغطاء البارد.

في الظهيرة التي تصب حممها على الأرض، في المغيب الذي يصب نسيمه وحمرته على الأفق البعيد والموانئ التي ضيعت مراكبها، في المراكب التي ضيعت أشرعتها. في الأشرعة التي ضيعت وجهتها وفي الأصدقاء الذين لا أعرفهم، وعمال المراكب الذين لا أعرفهم،

الذين ضيعوا البر والبحر، وأفلتت الحياة منهم بين دفة السفينة وقبضة المجداف. في أول العمر، على الأرصفة المشاطئة للرحيل وفي النهايات الوشيكة، ثمة وجه آخر غير الذي نراه، حيث يمتزج الشعري بالمأساة، والضحكة بالنشيج. إنها الحياة التي تمنح لتأخذ، تفيض حتى الجفاف، وتنتشي حتى اليباس.

وفي غمار الأيام التي تقتاتنا، تمر بنا الحياة مرور الكرام، دون أن نلتفت لما يصادفنا صباح مساء. مشاهد تتقطر في الروح، لتبزغ فجأة في لحظة شرود، أو ذات حلم. والمراكب التي كنت أمر بها لسنين متوالية في دروب العمل أو دروب الملل، محتشدة على شاطئ الكورنيش، لترسم عالماً غريباً ضائعاً بين البر والبحر. عمال لا يغادرون غرفهم العائمة، أو غرفهم الراسية، ولا يترجلون إلا للتزود بالماء الحلو والخبز المر.

عمال منفيون داخل مراكبهم، يحمّلون بضائع من هناك، ليفرغوها هنا، وبين هنا وهناك ثمة حياة ضائعة، وعمر مبدد على دروب لم تكن يوماً لهم، وتحت أشرعة لم تأخذ يوماً وجهتهم ، وقرب أرض ليس لهم فيها سوى مستطيل صغير، ينتظر أن يمسح عن سحناتهم أشعة الشمس الحارقة، وعن جلودهم تقرحات العمر الذي وضع رحاله، وجاب آلاف الرحلات، دون أن تكون له رحلة واحدة.

مراكب تضم بين خشبها القديم المدهون بالأزرق، أجساداً تنام على أسمالها. وتستيقظ على أهوالها، وحناجر تعيد وتعيد أغنية لم تكن يوماً لهم ، لكنها مرت بهم ذات جيشان. وحبال من الغسيل معلقة بين ضفتين، وثياب غير قابلة للجفاف، وعيون غير قابلة للدموع، ومجاديف غير قابلة للسكون.

لكن كأس الشاي بالحليب، والشاي كرك، يبدد مع بخاره بعض أحزانهم، حين يرتشفون ذكرياتهم رشفة رشفة، وتستعيد مساماتهم بعض أنفاسها، على غفلة من قسوة البحر ورب العمل، وخارج حسابات الدراهم العصية، وبعيداً عن العمر الذي نزفوه في بحار الغربة ورمالها المتحركة، يتماوجون مع الأحبة وهم يتهللون بهدية قد لايتمكنون من شرائها.

إسماعيل الرفاعي