رجل سبعيني، بقسمات هادئة، وذاكرة حية اختزنت تفاصيل الأمكنة والأزمنة التي عاشها. يتحدث بهدوء وروية عن أيام زمان وعادات أيام زمان التي تنفسها لحظة بلحظة منذ أن ولد في فريج (ميان) أي فريج الوسط في عجمان . ابراهيم محمد صالح مشغوف بالتراث والفنون الشعبية والمقارنات بين الأمس واليوم ، عن طريق رصده للعادات الأصيلة التي نشأ عليها وملاحظاته على التغيرات التي طرأت على الأجيال وافترقت عن جذورها، تلك الجذور التي تمثل حرصه في الحفاظ عليها، عبر العديد من الأنشطة والإسهامات التي قام بها سواء في إشرافه وإدارته لجمعية عجمان للفنون الشعبية، أو في إشرافه على قسم التراث في متحف عجمان.
يتملكه حب خاص لعجمان وللإمارات التي سكنت دمه على حد تعبيره واصفاً إياها بالبلاد الطيبة والناس الطيبين الذي نشأ بينهم وتعلم منهم المحبة.
أرض طيبة وعائلة واحدة
عن طفولته يقول: ولدت في عجمان التي كانت صغيرة آنذاك، كانت تقسم إلى فريج (الشرقي) وفريج (ميان) وفي فريج (الغربي)أنا ولدت في فريج ميان، وكانت عجمان كلها أسرة واحدة نحن والشويخ، بيوتنا على البحر كحال الناس كلهم، وكان الوالد يملك دكاناً يبيع به مختلف الأشياء، وقد تربينا في فريج طيب وناس طيبين، لعبنا في طفولتنا على البحر، وكان لدي أصدقاء كثر، وكنا من خورفكان حتى أبو ظبي (عيلة) واحدة.
كان زمن أول بترولنا الغوص وكان الناس مرتاحين ومتنعمين ومن يخبرك بأن الإمارات سابقاً كانت تعيش فقراً فهو مخطئ. ويضيف: أنا عمري (يطوف عن السبعين، احنا لحقنا على شوي من الرخاء كان عدنا موجود، ولم تكن تلك الفترة صعبة، وحتى قسوة الطقس وحرارته لم نكن نشعر بها فقد كنا معتادين عليها عكس هذه الأيام الذي لا نستطيع فيها أن نقف لحظة واحدة تحت أشعة الشمس .
وسابقاً كنا ننام خارجاً دون أن نشعر بأية مشكلة. وكان لدينا تجار ميسورون من أبوظبي ودبي وعجمان والشارقة، وفي كل بيت كان يوجد خدم كثر ،مثل: قوم الجمعة، الحمراني، محمد بوسالم ، بوخميس الرميثي بن صندل، وفي الشارقة المدافعة المزارعة، في دبي . ودبي ليش سموها دار الحي؟ لقد كان الخير فيها كثيراً منذ زمن طويل ، وكان (الغواويص) كلهم يذهبون إلى أبوظبي، فالمغاصات كلها في أبوظبي .. وأبو ظبي كانت مصدر رزق منذ تلك الأيام حتى ظهر البترول الأسود بدل القماش (اللؤلؤ) .
ويرى صالح أن فترة الشظف كانت في فترة انحسار الغوص التي ارتبطت بظهور مزارع اللؤلؤ: (يوم طاح القماش وجاءت الحرب اللي خلت الناس تعبانة عدنا. «وحريم أول الذهب من كثرا مايلبسونا حتى الجوتي مالهم فيه ذهب.. »ويضيف أنه جاء وقت صعب وأصبح الناس يهاجرون طلباً للرزق، إلى السعودية وقطر والبحرين، ويقول: (أنا سرت البحرين عشرين سنة. وزراؤنا ساروا الكويت اشتغلوا وتعلموا وكوّنوا اعمارهم وجو خدموا الدولة، ومنهم وزير خارجية وهو راشد عبد الله).
وكان لدينا مثل قديم عن الطير المهاجر يقول: «ياكل من مرواح بطول ويبيض في الشام»، بعد ذلك وحين اكتشف النفط ، يقول الصالح أن الخير عاد من جديد مع الشيخ زايد رحمه الله ، حينها عدنا إلى ديارنا واغدقت علينا الخيرات والعطايا والبيوت الشعبية والعلاج والمال والرواتب وكل شيء والحمد لله.
وفادة الضيف
عن اهتمامه بالتراث يقول لدي برنامج في رمضان اسمه (تراثنا الجميل) اتحدث من خلاله عن أيام زمان بتفاصيله وعاداته ومسميات الأشياء التي كانت تستخدم في ذلك الوقت من خلال عرض بعض الأشياء وطرح عدة أسئلة على المشاهد حول تسميتها ودواعي استعمالها، ويعتبر ان البرنامج حقق نجاحاً واكتسب شعبية ، والعديد من المسؤولين يتابعونه.
ويرى أن الثقافة كانت موجودة منذ القدم حتى ولو اختلفت عن الثقافة الحالية المتشعبة، إلا أنها كانت تلبي الحاجات الضرورية للمجتمع في تعرفهم على أخلاقيات ومهن واحتياجات الحياة: (من أول الثقافة موجودة، موثقافة تقرا وتكتب، الثقافة هي التربية الصحيحة. تربية الأولاد، الأولاد ويا أبوهم والبنات ويا أمهم والولد من عمره خمس سنوات ويا أبوه من يكبر كلشي يعرف والبنات كل شي يعرفون الحين الزغارية يتكلمون فلبيني ماحدا يعرف شي، أهاليهم مشغولين عنهم..
احنا أول ماعدنا فنادق أنا لما يجيني ضيف من دبي أو من الشارجة ويمكن يجي مشي، وحتى أنا مشيت من عجمان لدبي،المهم يجي الضيف يسأل يقول هذا بيت ابراهيم .. وحتى إذا كنت ماحد يقولون إبراهيم موجود اتفضل وأنا وين ودي أسير غير السوق.. يجلس الولد ويا الريال، ويضيفه قهوة ويقوم بالواجي لحين ارد. الحين كل بيت في عشر غرف نوم يقول أبوي ماحد . كنا غير متفرقين الحين كل الناس كرة قدم كل شي ألعاب، كل شي لو موسم.
مواسم القيظ وباريس
ويتابع ابراهيم أنه سابقا كان البعض يذهب في رحلة الغوص وعمره سبع سنوات، ومن يبقى من الأطفال كان يمارس العديد من ألعاب البحر وألعاب البر، و بالنسبة للبنات كن يلعبن صقلة وين خالك وغيرها من الألعاب. في مواسم الغوص كان من يبقى يذهب في رحلة المقيظ، عن تلك الأيام يقول.
(كانت باريسنا، (عمان) يسمونها الباطنة هناك أكثر الناس يقعدون في عمان وفي كلباء وفي الفجيرة وخورفكان والعين والبريمي الرجال يسيرون الغوص والحريم يقيضون.. اللي يقيضون مايصيرون عشان ياكلون رطب وبس يودون وياهم العيش والسمك هناك كل ناس لهم ناس يسمونه القياض، هذا يمسون عدهم يعطونهم كل شي الرطب تمر واللومي، ويومن يجون يجيبون كل شي معهم، والتمر يحطون بيراب من خوص النخل هذا يجيبونه في السفن عن طريق البحر والحريم ترجع عالجبال، ولما يردون عدنا عادة حلوة.
اللي مايسيرون القيظ، ينظفون بيوت اللي يجون من الباطنة ويحطون الأكل والغراض، لماييون مايروحون السوق يشترون. وكل بيت يودي شي حد يودي غدا وحدعشا وحد ريوق يومين ثلاثة، بعدين هذول الأواني اللي احنا نجيبهم يحطون فيها حنة، لومي وتمر ودجاجة.. كنا اجتماعيين مالها وصف الحريم دايم مع بعض خمس بيوت ست بيوت وبينهم فتحة نسميها فرية وكل واحد يجيب الآكل من عندا).
مفتاح العيد ومراسم الزفاف
ثم ينتقل إلى طقوس رمضان وأجوائه الحميمة مستذكراً حلاوة تلك الأيام ولمة الجيران وتعاضد البيوت يقول): رمضان أول يشوفون الهلال بالعين، الحين لو يقف هلال أبو أربع أيام مايشوفونه والتجار يتجهزون قبل 15 يوماً يدورون من بيت لبيت عشان يجهزون حق رمضان لما يشوفون الهلال أول عدنا مفاتيح يحطون فيها الشخاط(البارود) ويطقونه يعني باشر رمضان يقوم الشيوخ يدزون واحد من الحرس يدور في البلاد على حصان يصيح باشر رمضان، باشر رمضان، ونفس الشي العيد باشر العيد، باشر العيد، الفقرا يصيرون عند بيوت التجار يجيبون هريس وتجارنا كانوا بخير مايبخلون على فقير، وكان الرجال يفرش حصير برّا (خارج الدار) وكل واحد يجيب فطوره وهذا لو معنى، يمكن فقير أو غريب يمر حينها يقعد ياكل.. )
ويعود من جديد إلى المقارنة بين الاختلاف بين طبائع الناس، بين الزمن الحالي والزمن السابق، في الأفراح والأتراح، يقول: ( أول عدنا عادات حلوة، الحين ما يتشاوفون إلا بالتلفون واللا يكون عندك ميت أو عندك عرس وإذا كان عندك عرس ولو كان أخوك، اذا ماتطرش كرت ما يجي، أول غير. أول في واحد مسؤول يسمو( أبو ) يودوله صينية عيش ويجون الفرقة ناس يرزفون خارج وناس يقعدون يحطون فالة فيها خبيص فيها هريس يقعدون عنه لي يجي الفجر قبل الفجر بساع يعطونه الحرمة،
ما عدنا شهر العسل ويوم يعدي الصبح الناس تجي تباركله، الحين لا من البيت على ليتات ولافيه حد وفي الفندق يخسر جميع الفلوس والأكل ماحد ياكله، هذه نعمة مايسير حرام، أول الناس تطبخ في البيوت وكل الناس في الفريج يطبخون اليوم قال لك الساعة 12 الناس صاروا فرنسا، الريال أول يتم ببيت العروس حد 3 أيام وحد اسبوع. الحين في فندق والعرس في كوشة وفستان باربعين الف وخمسين الف، مرا صرت عرس شفت شغلة تحت الدرج مرمية قلت شنو هذا قالوا الكوشة وكانت مكلفة 90ألف والحين مال فنادق حرام أفكر بهذا الأكل مين بياكل، مرة رحت عرس عقب ماتعشينا انا وولدي على طاولة وكان على الطاولة نص جمل ).
ويرى ابراهيم أن هذا التبذير والبذخ الزائد أمر غير مبرر، حتى أن الناس تمادوا في ذلك وصاروا يطلبون مهوراً خيالية، جعلت المرحوم الشيخ زايد يحدد المهر ويعطي منحة الزواج، في حين مازلت تعثر على بعض العائلات التي لا تطالب بمهر على الإطلاق ويعود من جديد على العادات القديمة في هذه الأمور: ( في المرض إذا الريال تأخر يوم يومين يسألون عنه و يحطون فلوس تحت الفراش الحين الكرت (بطاقة العرس) يكلف عشرين وأربعين وخمسين الف، أنا اتمنى توعى شوي الناس انا لما اتزوج أبي ارتاح والا أبي اتدين فلوس . في مثل يقول:اذا رحت عند واحد تبى فلوس إذا عطاك ماخذ نص الوجه واذا ماعطاك خذ الوجه كله.
وعن اهتمامه بالتراث والفنون الشعبية ، يبدي بعض الملاحظات المتعلقة بضرورة الاهتمام بالفنون الشعبية ورفع ميزانية الجمعية التي لم تعد تكفي لتطوير الاهتمام بهذه الفنون واستقطاب الشباب لممارسة فنونهم التراثية وتدريبهم على ما تركه أجدادهم، في حين يرى بأن الاهتمام الزائد بكرة القدم والدعم الكبير للأندية الرياضية ساهم باستقطاب الشباب على حساب الأمور الأخرى التي قد تكون أكثر أهمية.
تأثيث
ثم يتابع الصالح حديثه عن اسهاماته في تأسيس متحف عجمان وتنسيق عروضه وجلب الكثير من مقتنيات المتحف من أهالي عجمان من الأبواب القديمة والمعروضات القديمة. حيث تكفل بهذا الدور الأثير مع الدكتور عبد الله حمد الشمسي مدير شرطة عجمان السابق، بعد أن تم إقرار تحويل مبنى الحصن إلى متحف ، آنذاك تم تكليفهما بالذهاب إلى البحرين لجلب خبراء في توزيع المعروضات وتنسيقها، وبالفعل حضر 3 خبراء تحت إشراف عبدالوهاب الخاجة الذي استمر في العمل لمدة سنتين كان يعمل بها بالتنسيق معه باعتباره يملك خبرة كبيرة في مكونات الحياة القديمة بكل تفاصيلها، وهكذا حتى اكتمل المتحف. الذي كان أول متحف يفتتحه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد.
ويضيف الصالح بأنه قد وسع قسم السوق الشعبي وأضاف الكثير من المهن عليه، بالإضافة إلى إنشائه قسم الطب الشعبي وأساليب العلاج التي كانت تستخدم سابقاً. رحلة في الزمان والمكان ، أمضيناها مع ابراهيم محمد صالح ، وهو ينقب في الذاكرة ويستعيد نبض جذوة الأيام السابقة ببساطة وعفوية.
اسماعيل الرفاعي
