أينما وجد جمال الطبيعة تجده، يملأ عينيه من آيات صنع الله ويكشف خفايا الكون في كل شيء تقع عليه عيناه، مغرم بالتفاصيل الصغيرة التي تمنحه فرصة التأمل بتركز شديد، هكذا وجد نفسه منذ الصغر روحاً تعشق الفضاءات المفتوحة والهواء الطلق فراح يجوب مدن الدولة وأماكنها السياحية ومناطقها الصحراوية والجبلية مكتشفاً سحر بلاده كمحطة أولى للانطلاق في رحلات سياحية شملت العديد من المدن والبلدان الأوروبية والآسيوية والعربية.

يضع لنفسه برنامجاً خاصاً يحقق من خلاله توازناً بعد عناء مع الأعباء اليومية الاجتماعية والمهنية، فعلى خارطة برنامجه الأسبوعي مازالت مدن الدولة تحتل مساحة كبيرة من وقته يقضي فيها عطلة نهاية الأسبوع، بعيداً عن الضوضاء فيجد متسعاً للاسترخاء وإعادة الصفاء لذهنه، اما على خارطة برنامجه السنوي فمن الأهمية عنده السفر إلى الخارج بعد أن يستقر على وجهته السياحية، وغالباً ما تكون رحلاته السياحية شاملة لأكثر من بلد ومدينة، فهل هذا عشق للسفر أم اقتناص للفرصة وزيارة مدن كثيرة في وقت قصير؟ ها نحن نطرح التساؤلات ونلتقي الأجوبة من عاشق الطبيعة عبدالله الصايغ المسؤول الإعلامي في إدارة الإعلام الأمني بشرطة دبي.

للسياحة الداخلية جاذبية

والحديث عن السياحة وعشقها يأخذنا دائماً إلى بدايات اكتشاف محيطنا بدايات تشكل وعينا بمفهوم السياحة وأهميتها، يقول عبدالله: مهم جداً أن يتعرف المرء على بلده في سن مبكرة، فهو انتماء في المقام الأول، وعشق لطبيعتها واكتشاف لمناطقها الأثرية والسياحية، ومن غير المقبول أن يقفز الإنسان ليجوب مدن العالم قبل أن يتعرف على كنوز بلده أولاً، التعرف أولاً، أما مسألة الالتصاق بالسياحة والاستمتاع بها فهذا مرهون بمدى إحساسنا بهذه النعمة،

وأعتقد أن مدن الإمارات فيها من السحر والطبيعة ما يشكل بنية سياحية جاذبة، ناهيك عن الخدمات الراقية المتوفرة في كل مكان، ومع أنني عاشق للسفر بشكل دائم ولدي برنامجي السنوي للسياحة الخارجية، إلا أنه يحدث أحياناً أن تضطرني الظروف لتأجيل السفر أو إلغائه وتكون البدائل عندي جاهزة وكثيرة، فاذهب في سياحة داخلية لمدن الدولة، خصوصاً الإمارات الشمالية ومدينة العين، ومدينة العين بالتحديد لها وقع خاص على قلبي حيث أمضيت فيها سنوات الدراسة الجامعية ولي فيها ذكريات جميلة.

وينتقل عبدالله الصايغ للحديث عن اكتشافه لمدن الإمارات قائلاً: البدايات كانت مع الأسرة، تخرج في عطلة نهاية الأسبوع مع مجموعة من الأسر أحياناً إلى الإمارات الشمالية المشهورة بطبيعتها الصخرية وجبالها المطلة على الخليج، وللعلم فإن رحلات الأسر هذه مازالت موجودة وبإمكانك رؤيتها في الإجازات وقد نصب بعضها الخيام لقضاء عدة أيام في أمكنة أقل ما يقال عنها انها ساحرة، وفي مرحلة تالية أخذت الرحلات منحى آخر مع مجموعة من الأصدقاء الشباب. كانت رحلاتنا البرية مستمرة بشكل منتظم كل أسبوع، وفي بعض الأحيان كنا نكتفي بالذهاب إلى مزرعة أحد الأصدقاء. المهم هو المحافظة على الاستمتاع بالطبيعة نهاية كل أسبوع.

أما السياحة الخارجية فقد كانت المرة الأولى إلى أميركا، ذلك الحلم الذي عشش في أذهاننا نحن الشباب في فترة الثمانينات، كنا نسمع عن أميركا ومدنها وانبهرنا بها لدرجة الهوس، وحتى الآن أستطيع أن أتذكر ذلك الإحساس الذي غمرني عندما وطأت قدماي مطار نيويورك، فزيارة أميركا كانت حلماً بالنسبة لي.

وها أنا في أحد مطاراتنا أعيش واقع الحلم، كل ما رأيته في التلفزيون وعلى شاشات السينما عن المدن الأميركية، ها أنا أشاهده على أرض الواقع، ومن أهم المعالم التي زرتها في أميركا مركز التجارة العالمي، وصعدت إلى سطحه، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ينتابني شعور غامض عندما أشاهد المبنى الذي صعدت إلى سطحه منهاراً، كذلك زرت مدينة واشنطن والبيت الأبيض، بالطبع الوضع في الثمانينات كان مختلفاً تماماً عن الآن،

وقد خرجت وقتها بانطباعات جيدة عن الشعب الأميركي، فهو شعب متحضر لا يعنيه شيئاً منك سوى أنك إنسان جئت لتزور بلده، لم يكن يلتفت إلى جنسيتك أو ديانتك أو حتى لون بشرتك، هذا الانطباع كان أيضاً من خلال المعاملات الرسمية سواء في المطار أو غيره، فأنت تعامل تماماً مثل الأميركي ولا أظن أن هذه المعاملة موجودة الآن.

منغصات مصرية وتركية وثيران أسبانيا

الرحلة الثانية لعبدالله الصايغ بدأت بمنغصات وتركت في نفسه انطباعاً سلبياً يصعب نسيانه، يقول: هذه الرحلة كانت مع والدتي وخالي وعائلته، وكان برنامج الرحلة يغطي ثلاثة بلدان، بداية من مصر وهذا كان اختيار زوجة خالي لأنها تحب القاهرة، ثم بعد ذلك تركيا وأخيراً أسبانيا، لكن الرحلة بدأت بمنغصات واجهناها في القاهرة بعد ان تعرضنا لموقف سخيف من أحد الموظفين العاملين في أحد البنوك الرسمية، فمن أجل مئة دولار سرقها الموظف من رزمة الدولارات التي كنا نريد استبدالها عنده،

أشاع في نفوسنا الخوف بعد ادعائه بأن الدولارات مزيفة، وعندما اكتشفنا سرقته لمئة دولار وأن النقود ليست مزيفة أصابتني صدمة لن يمحوها الزمن، ومكثنا في القاهرة بعض أيام قليلة لم نتمكن أثناءها من الاستمتاع برحلتنا، وعندما زرت مصر مرة ثانية فضلت أن أذهب إلى شرم الشيخ مباشرة وعدم الذهاب إلى القاهرة، هذه الزيارة جاءت بعد فترة طويلة من الزيارة الأولى وكانت زوجتي معي، وقد كنا متوترين للغاية وحريصين على ألا نتعامل مع أي شخص يعرض خدماته علينا، لكن المفارقة أن شرم الشيخ مختلفة تماماً عما سواها، يبدو ذلك، فنحن لم نتعرض لأي أمور سلبية بالمرة. واستمتعنا بقضاء إجازة جميلة.

ومن تركيا أيضاً يخرج عبد الله الصايغ بانطباعات ما زالت عالقة في ذهنه حتى الآن، يقول: على الرغم من أن تركيا بلد عريق ويتمتع بحضارة وتراث أثري كبير إلى جانب مزاراته العمرانية المتمثلة في المساجد والكنائس التاريخية، إلا أن الاهتمام بالسياحة والسائحين يكاد يكون معدوماً، فأنت لا تجد بنية خدمية لتوفير الراحة، ويكفي أن أقول لك بأن التيار الكهربائي يمكن أن ينقطع في مدينة مثل اسطنبول وبالكامل بما في ذلك مدينة الملاهي،

ليظل الناس معلقين في الهواء إلى أن يأتي التيار الكهربائي، أضف إلى ذلك انعدام النظافة في الشوارع وقسوة التعامل مع البشر هناك، لا أخفي عليك أنني لم أرتح نفسيا في زيارتي لتركيا، لكن تظل ملحوظة مهمة من وجهة نظري وربما تكون وجهة نظر شخصية. وهو هذا التشابه في الهندسة المعمارية لمباني ومساجد تركيا مع ما هو موجود في سوريا وإيران، بل الأكثر من ذلك هو هذا التشابه بين الوجوه البشرية في كل من إيران وسوريا وتركيا.

بقيت اسبانيا آخر محطة في هذه الرحلة الطويلة لتكون مسك ختام جميل بعد إحباطات المحطتين السابقتين، يقول عبد الله: في اسبانيا أحسست بألفة الوجوه وقربها من الملامح العربية، لدرجة اعتقدت أن الأشخاص سينطقون بالعربية إذا تحدثت معهم، في اسبانيا تملكني إحساس أيضاً بالفخر كون أن الحضارة الإسلامية قد وصلت إلى هنا وتركت آثارها الباقية حتى الآن، وبصدق كانت هذه المحطة بمثابة التعويض لما فاتنا من متعة سياحية في كل من القاهرة وتركيا،

ولحسن حظنا كانت مهرجانات مصارعة الثيران مقامة في ذلك الوقت، وبحكم مشاعرنا الرومانسية وتعاطفنا مع الحيوانات كنا نشجع الثور ونصفق مع كل هجمة يقوم بها على المصارع، وكان شكلنا يوحي بالضحك وسط جمهور يشجع المصارعين بكل حرارة، ثم كانت زيارتي لجزر الكناري وبالتحديد جزيرة «تناريف» ويا لها من طبيعة ساحرة في تلك الجزيرة، لكأنها جنة الله في الأرض.

مفاجأة ألمانيا وسنغافورة وطيبة الأستراليين

بعد تجربة اسبانيا ركز عبد الله على المدن الأوروبية ليكتشف معالمها، إلا أنه غير راض عن رحلته إلى لندن التي زارها مرتين، الأولى كانت في عام 1990 بغرض التسوق، وفي المرة الثانية كان مرافقاً لأحد المرضى، وبذلك لم يكن ذهابه إلى لندن بغرض السياحة لأنها على حد قوله غير مريحة. ويأخذ عليها وجود العرب بكثرة وبسلوكياتهم السلبية، ويؤكد عبد الله على هذه الجزئية بأنه لا يحبذ التواجد في أماكن تجمع الجاليات العربية سواء المقيمين أو السائحين، ويفضل الابتعاد عن هذه المدن والأماكن قدر المستطاع.

أما عن زيارته لألمانيا فيقول: أول انطباع خرجت به من ألمانيا التي زرتها مرتين هو حضارة شعبها وطريقته الراقية في التعامل مع الآخرين، كذلك نظافة شوارعها وسهولة التنقل بين مدنها. مرحلة سياحية أخرى مع الأسرة بدأها عبد الله بعد زواجه في عام 1998 ليضع برنامجاً سياحياً خاصاً بشهر العسل، كانت الوجهة إلى أستراليا، مروراً بمحطة إجبارية لإكمال الرحلة، ووقع الاختيار على سنغافورة ليمكث فيها أربعة أيام، يقول:

مفاجأة غير متوقعة كانت بانتظاري في سنغافورة، فهي من أفضل وأنظف مدن شرق آسيا على الإطلاق وشعبها لديه لباقة وحسن ضيافة واستقبال للزائرين والجميع هناك يطبق القوانين والتشريعات بكل دقة ولذلك تجد كل شيء هناك يسير حسب النظام الذي وضعته الدولة كذلك أعجبني التطور الذي تشهده سنغافورة وأكاد اجزم إنها الأولى في آسيا على مستوى المراكز الترفيهية التي لا تضاهيها مراكز اخرى سوى في هونغ كونغ اما استراليا وهي الوجهة الرئيسية

فقد استمتعت فيها كثيرا واعجبني اهتمامهم بالبنية الخدمية السياحية ومحافظتهم على البيئة الطبيعية التي تمثل عنصرا مهما مهما من عناصر السياحة عندهم وشعب استراليا اناس طيبون يحرصون على هدوء مدنهم وعلى الطبيعة الخلابة التي وهبهم الله اياها ولذلك يلفت انتباه الزائر لها هذا الاهتمام الشديد بالغابات الطبيعية والمزارع الكثيرة والحيوانات والطيور النادرة ويلاحظ عليهم انهم يسوقون لسياحتهم من خلال الطبيعة الام

وفي استراليا وللمرة الاولى اتجرأ لتناول الطعام في المطاعم فنحن دائما ما نعد الوجبات حيث نقيم غير ان المطاعم العربية المنتشرة هناك وكذلك المطاعم الآسيوية جعلتنا نخرج على النظام المعتاد أما الشيء الذي لفت انتباهي فهو ذلك النظام الصارم القاضي بعدم السماح لأي نوع من المأكولات بالدخول إلى استراليا هكذا يحافظون على بيئتهم وطبيعتهم البكر والمفارقة ان احدا لا يفتش حقائبك في المطار اذا دخلت عن طريق الخط الأخضر أما اذا كان لديك شيء ممنوع فعليك المرور عن طريق الخط الأحمر وهذا مثال رائع لروح التعاون والثقة المتبادلة بين الجمهور وسلطات الدولة وليتنا نقتدي بمثل هذه النماذج عند الآخرين بدلا من تقليد الأمور السلبية.

هونغ كونغ مدهشة

رحلة العودة من استراليا كانت عبر محطة اختارتها الزوجة، ماليزيا ومكثنا فيها أربعة أيام تخللتها زيارات بسيطة لأهم معالم مدينة كوالالمبور وقد كان الغرض من هذه المحطة هو التسوق ولا شيء آخر أما رحلتي إلى هونغ كونغ كانت مثمرة اذ اكتشفت أجواء أخرى مدهشة، فعلى الرغم من ان طقسها استوائي حار إلا أن الأمطار تهطل عليها بغزارة ومن دون توقف، وهونغ كونغ لا تتمتع بمزارات سياحية الا فيما ندر وتستمد أهميتها كونها مدينة تجارية تزخر بكل ما هو جديد وتشتهر بمراكزها الترفيهية وحدائق الحيوانات الليلية كما انها آمنة على مدار الساعة.

هولندا وبلجيكا وجهان لعملة واحدة

نظل مع عبدالله الصايغ في دول آسيا وهذه المرة في تايلاند ويأخذ عليها ايضا كثرة السائحين العرب المتواجدين فيها كذلك القمامة التي تملأ شوارعها الرئيسية ومع ذلك تمضي فيها أوقاتا جميلة خصوصا عندما ابتعد عن العاصمة بانكوك وذهابه إلى بوكيت وهي منطقة بحرية مشهورة بشواطئها الكثيرة اما رحلته إلى بنغلاديش فلها قصة يرويها بقوله: هذه الرحلة كانت مع زوجتي وفريق من طلاب وطالبات جامعة عجمان في سنتهم الدراسية الأخيرة وكانت الرحلة تطوعية بالنسبة إليهم وهم على أبواب التخرج.

فذهبوا إلى بنغلاديش لمعالجة مرضى الأسنان وكم كانت رحلة قاسية توجهنا فيها إلى مناطق نائية وشاهدنا أناساً فقراء بل تحت خط الفقر اذا جاز التعبير واستفدت من هذه الرحلة ساهمت وساعدت الفريق في بعض الامور التي كانوا يقومون بها اما رحلتي الأخيرة فقد كانت إلى هولندا وبلجيكا وهاتان الدولتان وجهان لعملة واحدة ومتشابهتان في الحضارة من حيث الهندسة المعمارية وحتى طريقة حياة الشعبين واعتقد ان بلجيكا فيها شعب يتمتع بالرقي والتحضر أكثر وحرصت هناك على تناول الشيكولاته البلجيكية الأصلية وما أعجبني أكثر في هذه الرحلة عراقة وتاريخ امستردام والمساحات الشاسعة لزراعة الزهور وهي من أجمل ما يكون.

هكذا يتنقل عبدالله الصايغ بين المدن ليقطف من كل مدينة ذكريات جميلة ومعلومة جديدة، تبهره بعض البلدان وتخذله أخرى كما حدث مع عاصمة النور باريس، فهي لم تكن على نفس مستوى الحديث عنها بهذا الانبهار الزائد. لكن تظل أقطار أو مدن أخرى تناديه لزيارتها مرة ثانية، وأميركا تأتي في المقام الأول، أما الأشياء التي يحرص على وضعها في حقيبته أثناء السفر فهي أغراضه الشخصية، وكثيراً ما يذهب بشنطة واحدة ويعود باثنتين، خصوصاً وان زوجته حريصة على التسوق، ويذكر أنه اشترى أكبر حقيبة من تايلاند أثناء زيارته لها، ويبقى أخيراً كيفية اختيار عبدالله للبلدان التي ينوي السفر إليها، وعادة ما تكون آراء الأصدقاء هي الفيصل خصوصاً بعد أن جربوا بأنفسهم، غير أن الاختيار يخضع لآراء الأسرة إلى أن يتم الاتفاق على وجهة معينة.

عز الدين الأسواني