ذاك المساء وقفت مودعة صديقتها ـ تصبحين على خير يا رفيقتي.. تصبحين على خير.. إلى اللقاء ـ ونامت طفلتي أسماء. ذاك الصباح نامت طويلا طفلتي، لملمت أشلائي أرممها على نعش بلا كفن، علني أحظى بوجه صغيرتي بين الركام، خرجت مغبرة الوجه والكفين نائمة، وفي حضنها بقايا شظية موقعة هدية، لعبة في عيد ميلادها السادس.
أسماء يا وجعاً تباركه العروش، تتساءلين ما للشمس تحجبها قوافل الغربان، أم أن صباحنا لم يأت بعد؟ «بابا» هل يجوز التيمم والماء حاضر؟ تتساءلين صغيرتي والماء يبتلع الحناجر، وخناجر تنساب في وضح النهار لتنغرس حتى النواصل فواصل من الغدر تمضي حبيبتي بعد غثيان المفاصل، فأغمضي عينيك عن عيني حتى أنتهي، وامنحيني العذر هبة من لدنك، فانا لم أكن يوما أهلا لأحميك.
كلما أطلت بوجهها المغبر تخترق خصلة من شعرها شاشة التلفاز، يا لشعرها من يرتبه ، يصففه، ينعمه، وسحنة الشيطان في كل العواصم تختم على ثغرها الباسم رصاصة، ما أنتم قاتليها حتى تتهامسوا من خلف الستائر، هل ماتت حتى نرسل «هامبرغر» ودواء؟ أم أن عينيها مازالت تراقبنا فنطعمها الخلاصة؟ أسماء يا لبنان يا فلسطين علمي أباك كيف يرفع رأسه بعد طول الانحناء، علميه معنى الكبرياء، وافقئي عيناً له لا ترى فيك سوى أضحية البقاء، دثريه وربتي على خوفه، وامنحيه عينا بديلة كي يعي أن الحساء في أطباقه دم القتيل..
دم القتيلة، أسماء يا بنت بنت جبيل، يا بنت قانا والخليل، يا بنت غزة والجليل وكل ضاحية على أرض الصمود، علمي البارود وارميه حصا في وجه من باعوك، من خانوك، ارجمي شيطانا جحودا، وامنحيني رقية من لدنك ان اخفضي عينيك عن عيني حتى انتهى، فانا لم أكن يوما أهلا لأحميك. أسماء يا حزناً تجلى في موكب من غير نعش، جاء الأحبة متضامنين يقبلون كفيك الباردتين ويقلبون وجهك النائم صوراً على الجدران، أضيئوا الشموع فحبيبتي عروس هذا المساء، وامنحوها القلب فهذا أضعف الإيمان.
يقول الشاعر إبراهيم محمد: جئت متضامناً مع أخوتي في لبنان وفلسطين، لكنني أشعر بالخجل لأنهم هناك يتلقون القنابل وأنا هنا أقرض الشعر، فهذا ليس كافياً للتعبير عن التضامن مع الأشقاء الصامدين على الجبهات، وقد قلت مراراً إن أية لغة أقل من لغة الرصاص في هذه الظروف هي محض لغوٍ لا يثمن ولا يغني من جوع،
ولكن نعزي أنفسنا ونقول إن هذه المشاركات التضامنية هي من قبيل التمسك بأضعف الإيمان، لكنني ولأول مرة منذ أكثر من عشرين عاماً أشعر بالتفاؤل، فنحن أمة ولاّدة قادرة على الإتيان بنخب قيادية فاعلة تستطيع أن تأخذ بزمام الأمور إلى حيث يجب أن تكون، والمقاومة الوطنية في لبنان وفلسطين تبرهن على ذلك بمعرفتها ثغرات العدو وتوجه إليه صفعة وتكشف مدى هشاشة بنيانه.
آلاء موسى طفلة تصيغ كلماتها بعفوية شديدة، حزينة لمقتل الأطفال من دون ذنب، ومشفقة على أمهاتهم من كمد الحزن، وتصف العدوان بحقد دفين كامن في صدور الأعداء تجاه الطفل العربي، لماذا؟ لأنهم يخشون من غضب الأطفال حين يكبرون ويحملون السلاح ولهذا تقتلهم وهم صغار.
هذا جيلك يا أسماء يفهم ما تقوله عيناك، تماماً كما هو الحال مع وقوف الشاعر الدكتور شهاب غانم طويلاً ليمسح الجدران بنظراته ويخترق بكلماته صور الدمار، يقول: حقاً تضامننا اليوم ليس كافياً للتعبير عن مشاعرنا الحقيقية تجاه ما يحدث في وطننا العربي بشكل عام، وما يحدث الآن للأشقاء في لبنان وفلسطين، لكن حسبنا أن فجراً بدأ يلوح في الأفق وينعش أملنا في غدٍ أفضل، الإعلامي نواف يونس جاء مع أسرته بصفته الشخصية ليكون حاضرا في الفعالية، يقول:
حان الوقت لأن نتبنى ثقافة المقاومة عبر مؤسسات المجتمع المدني لتلتف حولها الشعوب، فالكلمة الآن هي للجماهير العريضة التي خرجت لتقول رأيها رغم الحصار المفروض عليها. ويوافقه الرأي الإعلامي عارف إسماعيل الذي جاء خصيصاً ليبدي تضامنه مع الشعبين اللبناني والفلسطيني، يقول: لسنا خائفين على الأمة ما دامت هناك نساء يلدن أبطالاً مقاومين باستطاعتهم مجاراة الآلة العسكرية الإسرائيلية وتلقينها درساً، وأملنا كبير بالنصر إن شاء الله.
كلما أطلت بوجهها المغبر وقميصها الممزرق، تهتز العروش وترتعد أوصال من باعوا حياة الآمنين، خلصونا منها حتى نستريح، قنبلة واحدة لا تكفي لقتلك يا أسماء، فقولي لهم قبلوا زوجاتكم، أطفالكم، واحلموا أن تحلموا حلماً سعيداً، فيه الدماء عالقة بعيون صغاركم، وأشلاء من رحلوا على عوائدكم تزينها، فهنيئاً لكم هذا البرود، غير أن النصر آت لا محالة، فقط «لو تحلو عن سمانا».
تقولين العدل يا أسماء، بحثنا عنه يا طفلتي فوجدناه مفردة مهملة تزخرف قواميس اللغة، وألسنة مجففة نياشين على صدور الطغاة، بحثنا عنه في أدراج مكاتب القياصرة فوجدناه رصاصة موجهة إلى الرؤوس مباشرة، أما زلت تسألين العدل يا أسماء؟ يا طفلتي، الله عدل، لكن ليس عدلاً أن تكوني ابنتي، القطة يا أسماء تعرف كيف تحمي صغارها، أما أنا، يا ابنتي، اخفضي عينيك عن عيني حتى أنتهي، واذكريني عند الله خاذلك وقاتلك، فأنا لم أكن يوماً أهلاً لأحميك.
عز الدين الأسواني
