نادرا ما يلتقي عالم المال والأدب في إنسان لأن الثقافة والمال ضدان لا يجتمعان في كثير من الأحيان، رجل الأعمال محمد وضاح حاج مراد يقضي وقت فراغه في مكتبته الضخمة التي ازدحم بها مكتبه وبيته، وهو لا يعرف حقا عدد الكتب الموجود لديه، كل ما يعرفه أنه يجب أن يقرأ ساعتين يوميا من أمهات الكتب العربية والتراثية القديمة، ومن خلال كلامه تقفز جملة لطه حسين أو بيت شعر للمعري أو حكمة عربية قديمة.

نشأ حاج مراد في أسرة حلبية محافظة ورباه والده على طلب العلم أسوة بعائلات سورية كثيرة، ومن يعرف حلب عاصمة الشمال السوري يدرك أن هذه المدينة جبلت بعالم المال والموسيقى، وصدرت للعالم أفضل أنواع الأصوات والأقمشة والتصاميم المناسبة لكل الأعمار، كيف؟ لا احد يعلم السر في هذا.

حلب بطبيعة الحال ما زالت مستمرة في هذا حتى الآن، ويحكي حاج مراد: «كان هناك ما يدفعني لان ابدأ طريقي عبر عالم الأقمشة، كانت الألوان والتصاميم مثار اهتمامي ونادرا ما مرت قماشة دون أن أعرف نسبة القطن الموجودة فيها، أو مصدرها أو قيمتها، يشبه ما كان في داخلي ذاك السر الذي يولد مع طفل موسيقي أو رسام أو شاعر».

جاء إلى دبي قبل خمسة وعشرين عاما حاملاً في جعبته الكثير من الأحلام والطموحات بأن ينطلق منها ولم يكن لديه إلا بعض من خبرة اكتسبها في صناعة الأقمشة، وحدها فقط رافقته في مشواره. «حلب هي المحطة الأولى التي انطلقت منها، هي الوطن والعش الصغير الذي احتضنني باكرا وقدم لي رحلة الطموح نحو الأمام، حتى الآن عندما أزور أهلي في حلب ألف الأمكنة التي كنت ألعب فيها وأنا طفل وأدخل في الأزقة العتيقة التي شهدت طفولتي. وشهدت حبي للعالم. علاقتي مع هذه المدينة هي علاقتي مع طفولتي الحميمة التي عشتها بكل حالات شغبها »

ظلت حلب الحلم الجميل الذي لا تستطيع أن تعود إليه حتى لا ينكسر كحلم، وبالتالي كنت بعيدا عنها جسدا طوال الوقت، ومنذ أن غادرتها تأسست لي أعمال كثيرة في الخارج وكانت حاجتي للانتشار كحاجتي للاستقرار الأمر الذي قادني إلى القاهرة ومن ثم إلى دبي حيث لم أبرح هذه المدينة العظيمة وانتقلت كل تجارتي إليها على الرغم من أنني انتشرت وعرفت خليجيا ولكن ظلت دبي المنطقة الأقرب إلى قلبي.

لم يدعمني أحد، وأحمد الله في كل لحظة على أنه يسر من أمري وساعدني للبدء برحلة الألف ميل وحيدا، كونت نفسي بنفسي وأنا فخور بأنني لم احتج أحدا ولم يغيرني المال. نشأت مبكراً أتابع عالم الموضة، وأتابع بشغف شديد كل نوع جديد من القماش في السوق وعندما صار عمري ثمانية عشر عاما سافرت إلى القاهرة وبدأت رحلتي العملية مع الأقمشة،

وهي المهنة الوحيدة التي مارستها منذ الصغر، وبحكم الخبرة التي اكتسبتها من هذا العمل استطعت أن أعرف كل تفاصيل اللعبة وبدأت أحب هذه المهنة، ولأنني أختار ملابسي بعناية واهتمام، صرت أتعامل مع الأقمشة على أنها يجب أن تلقى اهتمام الجميع وأن يكون صاحب الطلب ذواقا وعلى دراية بنوع القماش وبلونه، وهكذا عرف اسمي بالسوق وعرف عني اهتمامي الشديد باللون والتشكيل البصري للباس لمختلف الشرائح والأعمار، اهتمام يشبه إلى حد كبير اهتمام الفنان بلوحته وألوانه وحركة الظل والنور.

وفي اعتقادي يجب أن يكون التاجر أو صاحب العمل على علم ودراية بالموضة وأن يبدأ من نفسه أولا حتى يقنع الآخرين بما يحبون. تخيل أن يأتيني زبون يريد شراء بضاعة ما ويراني غير متناسق الألوان أو لباسي قديم فهل سأقنعه حتما بما يريد، ؟ لا أظن، ومن هنا نشأت قاعدة الربح في هذا المجال أي ابدأ الموضة من نفسك حتى تقنع الآخرين بها، وأنا بطبعي أميل للألوان الهادئة والسماوية التي تعكس هدوء الإنسان.

بدأت أعمل في الإمارات منذ العام 1983 حيث أسست بالشراكة مع قريبي مجموعة «باريس غروب» المعروفة جيدا من قبل التجار والمستهلكين، واستقدمنا للإمارات عددا من الوكالات الدولية للألبسة الجاهزة والحمد لله كانت شراكتنا موفقة وانتشر اسم المجموعة في كل مكان.

حققت ما كنت أسعى إليه ولكن الطموح يبدأ ولا ينتهي لأنه دائم التجدد وأعتقد لو أنني كنت في مكان آخر غير دبي لما أتيح لي أن أنتشر، أو أن أحقق ما وصلت إليه، وهذا طبعا بفضل القوانين الناظمة للعمل والتجارة في البلد والتي تشجع على الاستثمار وعلى العكس من دول أخرى تجد ان القوانين فيها وجدت لتعرقل كل أشكال التجارة الحرة.

لا يوجد اختلاف بالأذواق بشكل كامل بل يوجد خلاف بالخيارات، على سبيل المثال اللون الأسود والكحلي والرمادي المعروف أنها ألوان السلطة والعرب يحبون هذه الألوان كثيرا أي أنهم نادرا ما يغامرون بخيارات أخرى، على العكس من الغربيين الذي لا يتلكأون في ارتداء ألوان شبابية وفي أعمار كبيرة ولا يجدون مشكلة في أن يكون الجينز هو سيد اللباس عندهم، أو عقد تمازج فريد بين مجموعة ألوان ربما تجدها غير متوافقة مع بعضها البعض عندنا أو في مفاهيمنا.

أنا وحدي اختار اللباس الخاص بي وهذه عادة قديمة من قبل الزواج، أعتقد إلى حد كبير أن اللون يعبر عن مزاج الإنسان وتركيبته الداخلية، إلى حد كبير، وأعتقد أن الأديب الكبير طه حسين كان نبه إلى هذا الأمر في إحدى مقالاته حينما قال أعرف عقل الرجل من ألوان لباسه فرد عليه أحد الجالسين ولكنك أعمى يا شيخنا فقال له أسأل يا أحمق وبعدها أستفيض، ؟ ومن أجل هذا نجد أماكن التماس والافتراق بين الإنسان ولباسه وألوانه.

إذا توفر وقت الفراغ فالقراءة أولى، وذلك بأن أقضي بعض اللحظات الممتعة بين دفتي الكتاب، وعلى العموم لأصحابي نصيب في هذا الوقت الذي أنظمه وفقا لساعات العمل التي قد تمتد إلى خمسة عشر ساعة أحيانا كما أحرص على أن أمنح نفسي إجازة كل فترة حتى أستطيع مواظبة عملي بكل أريحية وحب، والحمد لله أسيطر على وقتي تماما.

رجل الأعمال الناجح عليه أن يعرف كل تفاصيل وقته قبل أن يبدأ يومه حتى يبقى متوازناً وقادراً على الإلمام بتفاصيل اليوم. استيقظ في السابعة لأنني أؤمن أن الأرزاق تبدأ مع سطوع الشمس وكلما تأخر المرء في الاستيقاظ كلما طارت الأرزاق من بين يديه، هكذا تربيت وهذا الكلام هو جزء من حديث الأقدمين الذي أعتز به وأدرك أهميته في هذه الحياة، وبعد الاستيقاظ أقوم ببعض التمارين الصباحية وأتوجه إلى عملي لأكون في التاسعة على علم بكل ما يجب أن افعله،

وأخطط بعدها ماذا يجب أن أفعل وكيف يجب ان أتابع أعمالي في المحال المنتشرة في الإمارات؟ وفي الليل ألتقي بعائلتي الصغيرة وبعدها إما أن انهمك في القراءة او أن أزور أصحابي ولكني حريص تماما على أن أقضي وقتا جيدا من النهار مع عائلتي، ولعطلة نهاية الأسبوع مكانها المحبب على قلبي لأني أقضي كل الوقت بين أطفالي وزوجتي.

أولادي مازالوا صغاراً أي أنهم ما زالوا في المرحلة الابتدائية وأنا حريص على أن يدرسوا أولا ويتابعوا تحصيلهم العلمي العالي، ومن ثم إذا أحبوا أن ينخرطوا في مجال العمل فأنا ما أفعله لأجلهم ولهم، وأتمنى أن يأخذوا موقعي ومكاني في المستقبل، لكن هذه إرادة رب العالمين ولا أدري ربما لم يعجبهم عملي على الرغم من أنهم الآن حريصون على الإجابة بحسهم الطفولي البريء على أنهم يرغبون بالعمل مع والدهم.

تستهويني الكتابات الإسلامية ومعظم الكتب التراثية لأني أتذوق الكلمة المكتوبة في أمهات الكتب وأشعر أنها هندسة معمارية قائمة بذاتها، وتضم مكتبتي عناوين كثيرة لمواضيع كثيرة، لا أعرف ما لدي من كتب ولكن أتذكرها كلها.

تنبأت مبكراً أن لدبي مكانة عالمية في المستقبل، وانتقلت إليها بعد أن مكثت في أبوظبي ثلاث سنوات ولمست فيها الرقي والحضارة ووجود القوانين التي تحمي التاجر والمستهلك على حد سواء. صنعت أول مليون داخل الإمارات في السنة الأولى التي جئت فيها ،أي عام 1983، الحمد لله المال لم يغير بي شيئا، علما أنني من خلال متابعاتي في الحياة وجدت ان المال يغير في طباع الإنسان إيجابا وسلبا، فإذا كان المرء كريما سيصبح أكرم، وإذا كان بخيلا سيصبح أبخل، وإن كان لا مباليا سيصبح أكثر استهتارا أي إن المال يزيد في نسبة الطبع الموجود في الإنسان وعلى العموم من شب على شيء شاب عليه.

أعترف بأنني لا أحب السفر كثيرا، فهو يربكني، ونادرا ما أسافر إلا لم يكن من أجل العمل اعتدت على قضاء معظم وقتي هنا في الإمارات وعندما أسافر إلى أوروبا فهذا بقصد العمل بالدرجة الأولى. أطمح إلى أن أحقق ركناً مستقلاً في عالم مملكة الأزياء. لو أن دبي فتاة جميلة في مقتبل العمر لاخترت لها لون الورد بلا تردد.

جمال آدم