الركض من أول النهار إلى آخره، ومن أول الشهر إلى آخره ومن أول العام إلى آخره، يصب دائما في جيب مالك البناية الذي لا يغادر مكتبه المبرد، وهو يحصي أنفاس المستأجرين ولعناتهم وعرق جبينهم وساعات عملهم التي يقدمونها في صرة واحدة وينزفونها دفعة واحدة على طاولته الأنيقة.
والمشكلة ليست في الارتفاع الجنوني للإيجار ولا في القفزات الخيالية التي حققها خلال ثلاثة أعوام وبالتأكيد ليست في حالات الأرق والقلق التي تنتابني عند موعد السداد والتي لا تعنيه بالمطلق بقدر ما تشعره بالغبطة وتكرس عنده إحساس السيادة والسعادة.
المشكلة بالتحديد في المئتي درهم التي يقتطعها زيادة على ثمن الشيك في حال تأخيره. المشكلة هي تحديداً في هذه الضريبة غير المشروعة التي يجتبيها، إذا شرّعنا أصلاً زيادة الإيجار وقبلنا بقانون العرض والطلب، وحكمة السوق، وسلم الرواتب المخلوع.
والمئتا درهم التي لا تسمح له صرامته أن يتغاضى عنها لأنها على حد تعبيره ستفتح عليه باباً لا يمكن إغلاقه، فالمستأجرون كلهم، يتأخرون في الشيك ولا سبيل لمحاسبتهم إلا بهذه الطريقة، والطريقة لائقة بالتأكيد، وهي بالتأكيد أرحم من تسليم الشيكات المتأخرة إلى أقرب مخفر للشرطة، والشرطة بالتأكيد لا يمكن لها أن تخرج عن قانون السوق، وإعطاء كل مالِك مالَك، وكل ذي حق حقك.
وما يشعرني بالخيبة، ويأكل في قلبي، هو اضطراري فعلاً لدفع المئتي درهم لعناية المالك، بعد أن أقنعني بجدل طويل هادئ، مع نظرة رفعة، وزمّةٍ في الفم الرقيق والبسمة الناعمة تحت الشاربين.
والحقيقة أن منطق الأمور يوجب الدفع.. والمئتا درهم يا أخي ما قيمتها أمام رزمة الآلاف التي تدفعها كل شهرين، والأمور محلولة.. والتعويض ممكن، وانخفاض الأسعار احتمال قابل للتحقيق، والعائلة يمكن تسفيرها، والمغترب يمكن عودته، والمكتئب يمكن تهدئته، وازدحام السير يمكن اعتياده، والانهيار يمكن مداواته، والأعمار بيد الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأي شيء تريده وأي شيء لا تريده، وشئت أو لم تشأ، فالمئتا درهم ستدفعها، وستدفع المئتي درهم في الشيكات المقبلة.