يعتبر الدكتور عمر عبدالعزيز واحداً ممن يتمتعون بثقافة رفيعة له رؤيته المسنودة بتعابير ومفردات مغايرة تكشف عن اطلاعاته الواسعة رغم تخصصه في الاقتصاد والنظرية النقدية أي المالية ومع ذلك له حضور ملفت في الساحة الثقافية والاهتمامات المختلفة لعبدالعزيز نبعت من مرحلة الطفولة في الصومال، فبالرغم من جنسيته اليمنية لكنه من أبناء الأسر المهاجرة،

حيث ولد في مقديشيو عام 1953 الواقعة آنذاك تحت الاحتلال الايطالي الذي تشبع من مناهجه التعليمية بثقافة الصورة والبصر التي أثرت على رؤيته للأماكن والبشر. لذلك في السفر لدى عمر عبدالعزيز يمثل استدعاءات النبتة الأولى لمخزونه من الوجدان البصري.

يرى عبدالعزيز أن السفر يتجاوز مفهوم الزمان والمكان عبر مقاربة إمكانية تلتصق بالمشهد والحركة وموصولة بالذاكرة والتحول والمرجعية الشعرية لمفهوم السفر عبر عنها بترديده أبيات للإمام الشافعي: اني رأيت وقوف الماء يفسد.. ان سال طاب وان لم يجر لم يطب.. والأسد لولا فراق الغاب ما احترست.. والسهم لولا فراق القوس لم يصب.. الشمس لو وقفت في الفلك دائمة.. لملها الناس من عجم ومن عرب.. والقبر كالترب ملقى في أماكنه.. والعود في الأرض نوع من الخشب.

لقد زار عمر عبدالعزيز بلادا كثيرة مثل لندن وباريس وغيرهما.. لكن ذاكرته باحت بالقليل. هناك في القاهرة سطر عبدالعزيز أولى علاقاته بالسفر، حين زارها عام 1973 لمدة شهر موفدا الى رومانيا للدراسة يومها، كما يقول كانت القاهرة موسومة بالمشهدية الشديدة حين الفراغات والمساحات المكانية المليئة ببحبوحة البصر.

والناس كانوا مترعين بالفرح وتفتق الروح عن مباهجها الإنسانية، أما الحياة الثقافية فهي غاية في الحيوية وخاصة لجهة العروض السينمائية التي تنعش العقل والفؤاد. ولكي يدلل على الصفاء الروحي فقد حدث أن تعرض لعثرة أثناء خروجه من أحد المطاعم، فهرولت إليه فتاة مصرية بشكل تلقائي كي تنقذه من السقوط، فانتابته الدهشة من هذه الروح الدافئة التي كانت تسري في عروق المصريين.. ولا يزال الموقف ماثلا أمام عينيه كأنه حديث الأمس أو اللحظة في حينها.

وفرة البهاء في رومانيا

ثم تأتي رومانيا التي قضى فيها خمس سنوات من 1973 - 1978ئ؟ للدراسة الجامعية ويراها زهرة أوروبية بامتياز فهي المسحورة بالمساحات المائية القادرة على ارواء البصر بالازرقاق الضارب في معاني النعيم.. أما الفصول الأربعة فهي تتسم بمعالمها الواضحة وحضورها شديد الواقع على من يعايشها.

وهناك يبدو الناس يرفلون في حسن المعشر وكل مقامات الطيبة وأوتارها السخية المعزوفة باقتدار لكل المتواجدين على أرضهم، لذلك يرى عبدالعزيز أن الوجود بعد الحرب العالمية الثانية قد تأنسن، وأكثر قدرة على تهامسه مع معنى البشر.. كانت رومانيا تتمتع باكتفاء ذاتي حقيقي، وكانت مثالب النظام بعيدة كل البعد عن الحياة اليومية للناس بكل جماليتها وزخمها الأخلاقي كانت المنحة المادية التي تلقاها عبدالعزيز تغطي كل تكاليفه بل وتفيض رغم قيمتها الزهيدة.

من هنا كان تأكيده على أن انهيار الكتلة الشرقية وانقلابها العاصف خلع الناس من سجاياهم الأولى وأحال الفقراء إلى دائرة الانسحاق والأغنياء في فجور السطو والاكتناز الخانق لحياة البسطاء.. هذا التحول المميت الذي عايشه عبدالعزيز بين عامي 1990 - 1994 يصفه بالمخاض العسير والمؤلم الذي أجهض رومانيا ومثيلاتها من وفرة البهاء.

ويسرد ضيفنا موقفا له في رومانيا تعلم من خلاله درسا بالغ الدلالة حين جرت العادة في مناقشة الدكتوراه أن يقوم أربعة من المتخصصين بمناقشة الطالب ثم يجتمعون في مكان مغلق لإجازة الرسالة من عدمها وقبل أن تبدأ مناقشته قال البروفيسور المشرف على رسالته للجنة الإجازة: هذه الرسالة كتبت باللغة الرومانية، ولم أتدخل فيها، اندهش أعضاء اللجنة من هذا الأجنبي الذي يكتب بلغتهم، وحينما تيقنوا من هذه الملاحظة منحوني الدكتوراه ومن دون اجتماعهم المعتاد. الدرس الذي استوعبه عبدالعزيز من وجوده في رومانيا أن الإنسان إذا عشق لغة وثقافة مكان ما يستطيع هضم لغته حتى النخاع.

مروج تونس ومعمارها

وفي عام 1983 وخلال مشاركته في مؤتمر الإذاعات العربية بوصفه مدير إذاعة اليمن الجنوبي، سافر عبدالعزيز إلى تونس حيث بهرته المروج الخضراء والمباني ناصعة البياض وجامعة القيروان بصوتها المبثوث في حيطانها بحكايا التاريخ وشموخ الزمن،

أما المناطق القديمة في تونس فقد داعبت ذاكرته بتدفق الهوية من الماء إلى الماء حيث تدثرت هذه المباني برداء العروبة والأحاسيس القومية المضفور من معمار اليمن ودمشق الأموية والقاهرة الفاطمية والمملوكية، ورغم بعض مظاهر التشاطيء مع ثقافة البحر المتوسط إلا ان الحذر التاريخي لثقافة العرب لا يزال ينبض في العمران والموسيقى والأسواق الشعبية وأسئلة الوجود المترعة بانكسارات التاريخ وغياب التواصل الحضاري.

الاتحاد السوفييتي العملاق

وعند التحدث عن زيارته للاتحاد السوفييتي عام 1982 باتت ميول عمر عبدالعزيز للاشتراكية وتوغل حنينه لهذه التجربة حيث يقول: لقد رأيت الاتحاد السوفييتي في أوج عملقته، فأنت أمام بلد مهيب يتسم بعمارة تاريخية موشاة باشتغالات فنية غير مألوفة في أوروبا بكاملها، وبنية تحتية خارقة للعادة يكفي أن تعرف أن الاتحاد السوفييتي أول بلد في العالم يصدر مطبوعاته عبر الأقمار الصناعية..

كذلك وجدت في جمهورية صغيرة حظيرة تعج بمئات الطائرات المدنية التابعة لشركة «ايرفلوت» وهذا جزء من كل لهذه الدولة الضخمة التي وقعت في مصيدة الرأسمالية بأحلامها المزيفة.. ويرى عبدالعزيز ان الفرق بين الاتحاد السوفييتي والصين ان الأخيرة اتكأت على حكمة مفادها: الحفاظ على الماضي والانطلاق صوب المستقبل وهي معادلة فرط فيها الروس كثيراً برهاناتهم الوهمية.

اليابان بلد بلا ريف

وبالنسبة لليابان التي سافر إليها عام 1997 لاحظ عبدالعزيز بأنها بلد يعيش على المستقبل وللمستقبل، حيث رأى بعينيه السيارات الذكية التي يتفاخر بها الأوروبيون الآن، حتى في عالم اللهو واللعب تستعيد اليابان الماضي بقوة حاضرة خارقة في أدائها الصناعي، حيث شاهد عبدالعزيز مدينة طوكيو ديزني لاند بعالمها الافتراضي وهي تقدم الواقع بأبعاده الثلاثة،

حيث تبدو الحيوانات والغابات والبيئة البحرية وكل ما غاب في بطن التاريخ في هيئته الحقيقية التي تكاد تقترب من نبض الواقع. لكن رغم كل هذه الذخيرة الصناعية الرهيبة اكتشف عبدالعزيز أن اليابان تفتقد إلى الريف بفطرته البيئية المتاخمة لمعنى الطبيعة الجميلة، حتى ان المرء يعتقد أن مفردات الريف محبوسة في أقفاص بعيدة عن أعين الناس.

وتأتي مدينة عدن اليمنية بكل خصوصيتها القابعة بين ضلوع عمر عبدالعزيز حيث يراها مدينة موصولة بالماضي والحاضر والمستقبل، حيث تواشج الثقافات وقدرتها على تذويب مساوئ العصبوية والقبلية. فهي مدينة مشرعة على كل أنساق الوجود وإدماجها في الهوية العربية باختصار شديد، وكما يقول ضيفنا، مدينة تبحر برشاقة ضد كل تيارات التحديدات الصارمة للإنسان وهوياته الاثنية، فهي المنفتحة دائماً على ثقافات الهند وافريقيا.

هكذا رأينا كيف استطاع الدكتور عمر عبدالعزيز أن يشحذ ثقافته المعرفية والبصرية ليرسم لنا لوحات شفاهية تنأى بنفسها عن زخرف الكلام ونمنمات المبالغة. ولا أدل على ذلك من الرسومات التي ينكب عليها الرجل من حين إلى آخر متنكباً روح الأمكنة وحفريات الرؤية والرؤى، حتى انه لم يتحدث عن لندن وباريس لأنه سعى في حديثه واثرى عقله ووجدانه حقاً.

مجدي أبوزيد