إنها حياتنا تلك التي نحاول أن نتمسك بها، وأرواحنا تلك التي نحاول إعادة الاعتبار إليها، بعد أن ألمت بنا الهزيمة، من كل حدب وصوب، بعد أن نزحنا خارج الحياة الفاعلة، نقتات ما يتركه الآخر، ونستهلك ما ينتجه.

الآخر الذي حول أرضنا إلى منفى، وخلايانا، إلى أنسجة تالفة، وعقولنا إلى خزانات يقطر بها نظرياته الباذخة عن المجتمعات العادلة، والأحلام الكبيرة التي أنتشت في القرية الصغيرة التي شيدها معماريو الغرب بعد أن ترجلوا من صهوات خيولهم المعدنية.

تقسيم للأرواح، تقسيم للجغرافيا، نظريات لاستبدال محيي الدين ابن عربي، بالماركيز دوساد، وأبراج بابل، بناطحات السحاب، وحسن نصر الله بأولمرت. وما نراه اليوم في النقل الحي والمنظم للجريمة وقصف المدن والقرى والأرواح، هو ما حدث لنا لأرواحنا وعقولنا من قبل، حين نخرتنا الخيبة والمرارة والهزيمة، وغامرنا بكل ما نملك. فضاع البصر والبصيرة، وأفلتت الخطى والدروب.. إنه شتاتنا.

فهل ثمة حصن أو معقل أخير، نصنع فيه خبزنا ونشحذ دواتنا أمام ما يحدث، دون أن نوصد البوابة، أمام جنون آرثر رامبو، وثرثرة هنري ميلر الرصينة، وفحش جان جينيه. أسئلة مشرعة، وسياقات مفتوحة أمام رؤية المثقف ونقديته الممزوجة بالمرارة والأمل.

أسئلة لا تبحث عن إجابة خارج جوهر التجربة ويقين الحياة وحرارة الدمع، أثرناها مع بعض الشخصيات التي باحت بمراراتها وأمنياتها وقراءاتها على اختلاف وجهاتها عن ما يسمى بالغزو الثقافي إن كان ثمة ما يسمى بالغزو الثقافي، وإن كان الغزو مقتصراً على معناه الثقافي.

محمد الجزائري: الأمة تذبح من البحر الى البحر، هذا الواقع يحتاج إلى الشرطي أكثر من حاجته إلى المثقف، هذا الواقع يحتاج إلى (الميليشياتي) أكثر من حاجته إلى العاشق، إلى الصيرفي أكثر من الشاعر، والسمسار أكثر من البتول. إنها أسئلة الحاضر..

مرة أسست كتابي «احتلال العقل» ـ لندن 1986 على مقولة: احتلال العقل أشق من احتلال الأرض بمراحل! «وخلال بحثي لوسائل «التطبيع» من اتفاقية رودس 1949 إلى إعلان كوبنهاغن 1996، اعتبرت التطويق عبر مراكز البحوث كمراكز للتجسس والمعلوماتية، وعبر الإعلام المهيمن عبر الوكالات الكبرى والتدفق العمودي، وعبر الاختراق (من الجامعة الأميركية، إلى نجيب محفوظ وجائزة نوبل)

الحال الذي دفع اتحاد الكتاب العرب بطرد «أدونيس» ولأنه بارك «غرناطة» وحضرها، وسقوط لطفي الخولي بعد كوبنهاغن وكان اللعب الأكبر في معادلة السقوط الأكبر باتجاه التطبيع مع العدو الصهيوني، وهو ديفيد كيمحي عراب العمليات القذرة، حيث بدأ من القاهرة حتى متحف لويزيانا، ومابعد.. عن ذلك نتج عبيد جدد، كأن مقولة «وليم غولدنغ» تتجلى حين قال مرة: «سيكون هناك عبيد دائماً على الرغم من أن الاسم تغير».

سؤال الحاضر، ربما، أسئلته،.. ترادف على هذا النحو:

ـ هل تم تقويض هويتنا الثقافية؟

ـ هل نحن الآن بلا هوية؟

ـ هل العولمة في السوق انتقلت إلى عولمة في جسم الكتابة وروح الفكر؟

ـ هل تفككت البنى أكثر

ـ هل تعيد «الإنسانوية» بعض ملامح العروبية، أم تذوبها

ـ من اشتغل على من؟

ـ وهل مازلنا نحتفظ بذاكرة تاريخية؟ لأي مدى، ولأي جيل؟

هذه أسئلة عسيرة تبحث عن إجابات لاتقل عسراً، لأنها تلد من حقائق بلا ألم، أو من تداخلات بلا تناص، أو مثاقفات بلا هدف..؟ كي نفهم مسارها ونقف عند مساقها، لابد أن نفهم حالنا نفهم فسيفساء اختلافاتنا ووحدة تنوعها في آن، أو : الوحدة في تنوعها!

لكن أن تكون مستقلة، أو هل هي كذلك حقاً؟!

(كان) الثقافي يشتبك بالسياسي بالفدائي!.. الآن فك الارتباط! وصارت الأسئلة فقط هي اليقين..هل هي كذلك؟!

ربما.. ليست هذه أسئلة شك تبحث عن يقين، لكنها مسألة مرحلة متأزمة تبحث عن إجابة أو إجابات للغد، لأننا (هناك)

من الصعب عندئذ أن نسأل: من نحن؟ من نكون؟

لأننا قد نكون جزءاً ضالاً في القطيع أو شجرة في المشهد أو ربما لاهذا ولاذاك!

من نكون إذاً في الغد، إن لم نعرف من نحن في الحاضر: أمة أم جماعات؟! ماذا يدفعنا إلى التفاؤل بغدنا؟ وماذا يدفعنا إلى التشاؤم؟ الثروات التي في ضياع؟ البشر الذين في منفى؟ هل الحنجرة لم تعد تغني: «أمجاد يا عرب أمجاد»؟

والنشيد الأممي هل نسيه الرفاق؟

لانقدر على استعارة «الآخر» لأننا، بعد، لم نفهم اختلافاتنا، ولم نحترم، اختلافاتنا.. ما العمل؟

أنوقظ «ابن زريق البغدادي» من خدر التاريخ؟! أم نوقظ ابن خلدون من غفوة الحضارة؟! لا وقت.. لا متسع..!

فالمصالح تركض أسرع من المبادئ، لتقطف الثمار. إنها أسئلة الحيرة، لأننا في مفترقها تماماً، تعصف بنا، بعد، «عاصفة» الأوحد المهيمن!

أحترم الذين ما زالوا يبحثون عن أنظمة «منطق» في «منطق» أنظمة، فالبحث عنوان العقل، والعقل يبني أو يهدم، حسب المهاد، وحسب المساف الذي فيه يسير، أو ربما على حافة الوحي، يسير، أو ربما.. على حافة الوحي يمضي!

هل نجدد النهضة باكتشاف الذات ونقدها؟ ولم لا نخلق السبيل إلى نهضة مستقبلية؟

ما الأهم: الحفر في عقل الماضي وتراثه، أم الحفر في درب القادم الخطير من المتغيرات؟ هل نبحث عن وجود النص أو نص الوجود؟ ماذا نفعل إزاء المغلق إذا كان المفتوح وهماً، وفي أحسن الأحوال محض حدوس؟

هل نبقي المثقف سيد الوضوح، أو من حيث هو واهب آمال وأمنيات، فحسب؟

ماذا تبقى من مسار الطوباوية، هل ظل ثمة تصور لحالة مثالية للإنسانية؟ هل نستعيد طفولة أرض وبكر اشتراكية؟ كيف نصوغ سبيكة التضارب، التضادات؟ أي مسار يجري في دم القادم من (الكائنات)؟ هل نبحث بين جسر بين الغفاري والكندي، بين الجاحظ والمأمون والاعتزال؟ بين المعري وجحيمنا ومحبسيه؟ بين المتنبي والجواهري؟

أم نكتفي باعتبار «الإنسان المغترب» نزعة إنسانية في المطلق؟ في عالم يندر فيه الوضوح، وضوح الخير والشر «المطلقين»، كما يندر فيه «مطلق» تمييز بين الأفضل والأسوأ. تاريخ قرننا هذا مختل، كما كان سابقه (الاستعماري)، وسيقذف بعجائب تلك المخاتلة إلى نهاية الألفية الثالثة! والمثقفون الذين نذروا أنفسهم روحاً وجسداً، فيما مضى إلى حتق أفكارهم ومبادئهم، ذهبوا..

ذهبوا الآن في غيب الأنظمة، أو متاهات العزلة، أو ملاذات الندم، أو محاولة ترميم الذات، والبدء ثانية، من شيخوخة القلب:علّ وعسى! ورحل الذين رحلوا مع أحلامهم، أحلام الصفاء السعيد، الوحدة، على أية ضفة كانوا، والتقدم، لأنهم لم يتشبثوا بجوهرها.. طردتهم صعقة العجالة، أو تلك الردة السوداء مع سقوط جدار برلين، فتحاربت القبائل ضد بعضها، ثم الأفخاذ داخل القبيلة الواحدة، ثم الأسر فالأفراد..

وتقسمت المذاهب إلى ملل ونحل وشيع تناصرات، داخل الوحدة الواحدة، صارت وحدات تتقاطع تتقاتل ولا تتفاهم! لا أحد، بمستطاعه أن يتخفى من الموت، أو من العري في متاهة تتابع الآن! نحتاج إلى زمن نعيد فيه للمتنبي شباب أفكاره الأولى، وللبحتري ألق المعنى وللعامرية والعامري عذرية العشق وللانترنت أن نكونه في رسالتنا، لا أن يكونه في رسالتنا!

والأخطر.. اننا نتحدث عن (ديمقراطيات)، في غرب تبناها منذ قرنين، وداسها في عقر دارها بالعقب الحديد، منذ قرنين ولا يزال! نتحدث عن اثنيات في شرق ممزق، يختبئ مرة خلف برق نقسه ولا يظهر سوى عينين لامعتين!.. أو باحثتين، عن لماع روح وجسد! إذاً.. من هم الذين اختاروا عبودية جديدة مزيجة بإعلانات «البيبسي كولا» من الصين إلى الأهوار؟

في أية توايتارية ذات أقنعة وضعنا أنفسنا؟

هل نقبل هذه الاختيار الإرادي للعبودية؟

لاغرابة!

(إنهم) يريدوننا أن ننغمر بالصعوبات لا أن نعالج الصعوبات! أن ننسى تواً الشارع الذي نسير وسط نهره حتى تدهسنا ماكينة «العولمة» بأسنانها البراقة! ولاحاجة أبداً لأسنانها الذرية، فلقد تم غزونا وأسلمنا مفاتيح دارنا الكبيرة، بعد أن شب فيها الحريق وتدلت من نوافذها «عناقيد الغضب».

سنعيش، إذا حتى غد موتنا، موتنا الجميل، ونعلق على هوائيات بيوتنا راية داكنة كانت بيضاء من غير سوء!! لأننا تماماً أضعنا جنة عدن ألف ليلة وليلة، ولم نعول على غائب سيقلب الموائد والأشياء، بل على حاضر انقلب على نفسه، فهل يصلح العطار ما أفسد التانغو الأميركي الأخير؟!

ألم يبق سوى العسس الأكثر تنوراً، الآن هو الأكثر امتحاناً، نزعته في نزاعه، وتميزه في وهج تفاؤل يعاند، ربما هو القلب، هل يموت الغد؟! ذلك محال.. لأن عيون الذاكرة الحية لا تزال يقظة ومركبة، مهما بدت رمداء! إذا لا يمكن أن نزيد السواد بقعاً سوداً..لا جدوى!

صحيح ان السفالة تستأنس بالسفالة! حتى شيخوخة السياسة! وأن الشر يركن إلى الشر.. ولكن إلى أي مدى؟

والمطر قد لا يمحو الذاكرة، لكنه قد يغسل الأرض ويخفف من رمادها، رمادها البارد، وملحها الذي قرح العيون والمدامع!

ولأن عين الحقيقة يفترض ألا تنام.. ولكن ما هي الحقيقة، وأين (الحقيقة) ومن يعرف (الحقيقة)؟ من يمسك بعنانها، كيف توظف، لخدمة من، وضد من؟

مرات ومرات الحقيقة توظف ضد الحقيقة، تقاتلها، تقتتل ضدها.. ومرات تخجل من عذريتها، فتغطي جسدها بكف مرتعشة، ومع ذلك تنسى عورتها، ناصعة تحت الشمس، مثل فاكهة ناضجة ومباحة، إنه خراب العقول والعيون والأنوار معاً!

نعيد السؤال: هل يصلح العطار ما أفسد التانجو الأميركي الصهيوني الأخير؟

إذاً تلك «العبودية» هي برلمان الأمة، هي عنوان العريض في صحيفة جبينها الندي! لا جدوى من وقفة مسرحية، ممسرحة على أشلاء جبل «أبو غنيم» كي نحتج شفاهاً.. إننا بذلك لا نحرج أحداً، لأن أحدا لا يخجل من فعلته الأشنع. ولا حاجة إلى اقتراع! أو وقفة في بحر غزة، فالأمة تحترق من بحر صور حتى شط العرب! وتذبح من البحر إلى البحر!

للعبودية مسارها ومسراها، ولحياة المثقفين، بعد موتهم، مساحة للتأبين! نحن لم نغرس أرواحنا في اللجة، لامعنى إذاً للآخر البعيد الذي سيجيء حتماً لأننا بعد لم نكتشف أنفسنا، لم نكتشف الأمكنة بالتتابع، لأننا لم نسع إلى تثبيت «المخيلة»!

دائماً تفر تلك الطيور الجميلة من فضاءات رغباتنا، إلى فضاءات الموت.! يفترض أن نطلقها كي تقترف التحليق عنوة، مثل نوارس الجنوب، إلى أفضية النور والشهادة تذهب، وهكذا تموت، «شعرية» تودوروف تزفتان البلغاري المتغرب، فقط لأنه لم يدرك تماماً، ما هو عقائدي في نصوص ماركس، وما هو سوسيولوجي وتاريخي؟ أبداً، إنه يدرك ذلك ويميزه ولكنه لا يقوله! بعد 15 سنة من الرحيل صفق له الغرب طويلاً، وحين عاد بلاده سائحاً قال له صحبه : إنك لم تتغير! وتلك فاجعته : إنه لم يتغير!

لكنه لم يدرك بصيرة صحبه ولم يدرك ذلك النقد الجميل، فعاد للغياب في الشعرية ثم في الإنسانية.

إذاً.. هل نغترب في(الغزو) أم نتجوهر في الغربة؟!

الآن حين تصب الأنهار كلها في بحيرة طبرية من المحيط إلى الخليج! طغيان(المصلحة) لا يصبح عاهة!.. ذلك مانتمنى، حيث جاء مع الغزو مع العولمة، ما جعل الفردي(المصلحي) ينتصر على الجمعي التضحوي! والتطبيع ليس غيمة عابرة، ولا جثة ننظر إليها عن كثب! أو نلقيها في البئر لتسمم المياه.. إنه (نشيد إنشاد) الحاضر! والجوقة شبه جماعية، حتى جاء الموت لبعلبك صوت فيروز، وغابة الأرز وأعمدة الشمس وبحث جلجامش! هل نستفتي من أجل غد موتنا، أو عبودية صارت برلماناً؟! يا للفجيعة!

باسمة يونس:

الكبار يرفضون المقاومة ويدمرون المقاوم

في البداية يمكن أن أبدأ بتوقيع اعتراضي على كلمة أو تعريف الثقافة الجديدة بالغزو الثقافي لان كلمة غزو تشيع جوا من العدائية وتضفي على فكرة أو مفهوم الانفتاح الذي نعيشه حاليا شعورا بعدم الارتياح ورغبة من المتلقي برفض الفكرة من أساسها فيؤدي إلى بناء حواجز مرتفعة يمكنها أن تصد النظر عن حقيقة الأمر ومميزاته. وربما يجب علينا النظر أولا في المسميات وفي كيفية طرح المواضيع جذبا للاهتمام والانتباه خصوصا حينما تكون مواضيع حاسمة ومعاصرة وتحتاج إلى نظرة واعية وتدقيق من قبل المثقفين والكتاب أنفسهم.

ما يحدث حاليا هو أننا وصلنا شئنا أم أبينا إلى عصر لغة التكنولوجيا التي فتحت الأبواب على مصارعها وباغتت الناس بمفاهيم ومتغيرات لم يعهدوها من قبل. وبدأت كالعادة مقاومة التغيير من قبل الأفراد الذين عاشوا عصرا وتعودوا على ما فيه وفهموه وهي المقاومة ذاتها التي حدثت في السابق لكل تغيير وتحدث دائما وستظل تحدث طالما شعر الإنسان بأن هناك جديدا يمكن أن يقلق راحته وسكونه واعتياده على ما يدور حوله وطالما هناك أجيال جديدة تتفتح وتعي الجديد وتفتش عنه رغبة منها في إخراج نفسها من قولبة الماضي وأهله.

ومن هذا المنطلق بدأت الأجيال السابقة تحاول إصابة الجديد بمقتل من خلال مواجهته وإلقاء اللوم عليه بأنه يحسر ثقافتنا ويطعننا في أهم ما نملك كالقومية والوطنية وغيرها من العبارات الانفعالية والعاطفية التي دأبنا على سماعها ولم تعد تصلح لزمان أصبح كل ما فيه بحاجة إلى تبديل وتوافق وتوائم.

لا تنسى أن العالم الآن بدأ ينصهر في قالب يحاول أن يبدو متجانسا وبأن المحاولات الجادة من الدول الكبرى في جر الدول الصغيرة واستقطابها إلى مغناطيسها لن تتوقف كي تساند طموحاتها وكي تأمن على نفسها من المقاومة الصغيرة المزعجة وكل مقاومة من طرف هذه الدول الصغرى سوف تتحول إلى تدمير للمقاوم نفسه.

والآن وبعد أن اكتشفنا ضرورة التغيير ولزوم تقبل الآخر تغير المفهوم أمامنا وأصبح علينا بدلا من المقاومة البدء في تحوير هذا التغيير لصالحنا وبلورته بحيث يتحول من فكرة «غزو» إلى مصطلح «تغيير» أي انفتاح ومعرفة وتوسع فكري وثقافي. المسألة ليست سهلة ولكنها ممكنة وتتوقف كلها عند ضرورة البدء وعدم التوقف عند الأحلام والخيالات لأنها لن تحقق شيئا.

صحيح أن ثقافة الأقوى هي التي تسود دائما وهذا ما كان يحدث في عصور قديمة وسيبقى وضعا طبيعيا مادام الأقوى هو المتمكن وهو المسيطر ولكن الصغير بإمكانه دائما قلقلة الأساسات والأنظمة والدخول عبر الثغرات الضئيلة التي لم يرها الكبير أو ربما لم يكن بإمكانه رؤيتها وتجاوزها لأنه مشغول بالأعظم والأكبر حجما.

ومن هنا يمكننا التحرك. لماذا لا نبدأ في ملء الفراغات التي أهملها القوي ونحاول قدر الإمكان الحفاظ من خلالها على ثقافتنا ووجودنا وهويتنا؟ وكي لا يبدو كلامي غامضا أعني بهذا لماذا لا نأخذ من الثقافة الجديدة إمكانياتها المتطورة وجديدها ونسبغه على ثقافتنا وأعمالنا؟

وبحكم أنني كاتبة قصة ومسرح فأنا يمكنني ضرب مثل من خلال عملي فأنا أستطيع الاطلاع على التجارب الجديدة في المسرح والقصة في الدول الأخرى واستغلال التطور الحاصل فيها لهذين الجنسين الأدبيين لكن لا أتنازل عن الكتابة بلغتي العربية ولا أتوقف عن الكتابة في محيط بيئتي العربية. ومن واجبي كذلك تعلم اللغات الأجنبية وإتقانها ولكن في الوقت نفسه لا أنبذ لغتي ولا أستهين بها.

وبحكم كوني امرأة فيمكنني كذلك تطوير منزلي وسلوكيات ومتطلبات أسرتي وأناقتي وثيابي ولكن مع الحرص على أن يظل التطوير في حدود الحشمة والعرف وفي ظل التقاليد المناسبة لفكري وتقبلي لها ولكن بدون التزام مني بالتشبث بالبالي منها أو محاولة نبذ الجديد لأن جدتي كانت تفعل شيئا لا يتقبله منطق أو عقل متغير ومعاصر.

ولا أعتقد ان الاندماج مع ثقافة الآخر للحصول من خلالها على كل جديد وتطوير الفكر والرأي والمنتج والمجتمع بأكمله يمكن أن يعد غزوا، كما لا أظن ان مشروعنا الحضاري يجب أن يبدأ بمعزل عن الآخر لأننا لا نستطيع العيش في كوكب منفرد ولا يمكننا بالأساس التحرك في حدود دائرة واحدة مغلقة.

يجب أن نبدأ منذ الآن بإشاعة مفهوم تقبل الثقافة الجديدة بالتوازي مع مشروعنا في مواءمة الثقافة الجديدة مع بيئتنا وعقائدنا بحيث لا نبقى منعزلين وجامدين خلف جدران عصبيتنا القبلية أو آرائنا المتصلبة وفي الوقت نفسه نتطور ونتقابل مع الآخر كما نريد وبإمكانياتنا وبدون اضطرارنا للتنازل أو الرضوخ لعلاقة قسرية ستفرض علينا أولا وأخيرا وتجعلنا نخرج من جلودنا أو نتحول إلى هجين غير واضح المعالم.

والثقافة بمفهومها الكبير والواسع تجمعت خيوطها الآن في هذا الزمن بين أيدي وسائل الإعلام، ويمكن للإعلام بكافة وسائله وإمكانياته أن يطرح المفاهيم الجديدة والمتوازنة معنا كعرب راغبين بالانفتاح من خلال ما يعرضه وما يسربه للناس. والإعلام بالنسبة لي هو صاحب المسؤولية الكبرى والعظمى في إنجاح أو في إفساد هذا التوازن ويمكنه بسهولة أن يدمر أو يبني بحسب توجهاته وبالكيفية التي يدار بها.

أسامة مرة:

هل ثمة مثقف حقيقي؟

صعب جداً أن نعرف «المثقف» خاصة مع اختلاط «الثقافي» علماً أن كليهما يجب أن يتمتع بما يمكن تسميته جانب «موسوعاتي» أي أن يكون ملماً بالكثير من الموضوعات العلمية والأدبية والفنية.. الخ، حتى يندرج ضمن مجموعة تقوم بدور ريادي على الصعيد المجتمعي،

من حيث تشكيل الرأي العام وتنويره وتحديد آفاقه واتجاهاته. وصعوبة تعريف «المثقف» تنطبق أيضاً على ما يسمى ب«الغزو الثقافي» أو الفكري وحتى أكون متصالحاً مع ذاتي لنتفق أولاً إن كان لدينا «مثقفون» أم أن هناك أشخاصا لهم علاقة بالمسرح، التشكيل، الفنون، السينما، القصة القصيرة.. الخ

لدينا نماذج قليلة من المثقفين الذين يمتلكون مشروعهم الثقافي الخاص أمثال محمود درويش، أدونيس، وهناك مشروع نهضوي للثقافة العربية يقوده صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، فهو فنان، مسرحي،روائي، مؤرخ، مهندس لديه رؤية موسوعية في مجال الآثار والتراث، ويعمل بكل إمكاناته لترجمة مشروعه على الصعيد المحلي والعربي والإسلامي،

ودون ذلك تفتقد النظم السياسية إلى رؤية متكاملة حول «الثقافة»، باختصار، ليس لدينا رؤية ثقافية إعلامية لبناء مواطن سوي، وبما أننا من الدول التي تعجز عن تحقيق أمنها الغذائي، فمن الصعوبة أن نحمي ذاتنا من الغزو الثقافي، فمن يملأ معدتنا عليه أن يملأ عقولنا. السؤال هو الآتي ألا يفاخر المثقفون بأنهم يقرأون لسارتر ويستمعون إلى السمفونيات ويقتنون مستنسخات بيكاسو، ألا يعتبر ذلك تناقضاً بين ما نقوم به من محاكاة الغرب وبين ما ندعوه ب«التصدي للغزو الثقافي».

محطات تلفزيونية تنمو كالفطر، التقليد أفقدنا المناعة بما يمكن تسميته غزواً ثقافياً. المطلوب بناء شخصية مواطنية حقيقية والاطلاع عربيا على أنماط ما يقدم من إبداع والتعرف على ثرواتنا الحضارية السابقة وتقديم ذاتنا بطريقة سوية، للآخر، باختصار نحتاج إلى إعادة تشكيل للعقل العربي وبذلك نكفل حواراً حضارياً مجدياً.

عائشة مصبح:

لا بد من نزع الأقنعة

في هذه الظروف الحالكة والمحنة التي اشتدت أوزارها على البطون حسرة، واغتيلت فيها البراءة علنا وبشاعة،لا بد أن ننزع الأقنعة، ونعلنها بكل صراحة نحن من اخترنا هذا الدور الهزيل، نحن من اخترنا أن نكون مغزوين بالفكر قبل الرصاص خوفا وجبنا، لم نرغم على فتح نوافذنا واستسقاء ماعندهم بل واستبدال ما عندنا بالوهم،

مبررين أنه التبادل والتحاور والتلاقح وشيء من جنون اعترانا حين اعتقدنا أن المعرفة التبادلية تنهض فينا الهمم وتقوي فينا العزائم وتجعلنا نبدو أجمل وبأبهى الحلل، متناسين بل متجاهلين أننا قد ضيعنا منذ زمن بعيد مفاتيح أصالتنا، وما عادت ترساناتنا تقبل هذا التبادل فمضاداتنا حجم الفراغات فيها كحجم الهوة بيننا وهويتنا، ايجابيات التعرف على ما عندهم من ثقافات وبمنطق عصري متطور تقني عالم فسيح يتيح للمخيلة أن تسبح فيه بكل الحمائم والورد وجماليات التكوين والفراغات والحلم والتخيل.

إسماعيل الرفاعي