كانت ظهيرة قائظة، ولم أكن بمزاج يسمح لي بالتجول في غرف وأقسام متحف عجمان الذي زرته لأول مرة منذ أيام. من الخارج لم يكن ثمة مايشير إلى الحيوات المختزنة في ردهات هذا المتحف الذي تم افتتاحه عام 1991م في قلعة الحصن والتي يعود تاريخها إلى عام 1775م.

والتي ساهم فريق من المختصين في تصميم المعروضات، وتفرد ابراهيم محمد صالح العوضي بتصميم العروض التراثية المختلفة وتوسيع أقسام السوق الشعبي وإحداث قسم الطب الشعبي. دفعت الباب الخشبي القديم ودلفت إلى إحدى الغرف التي لم أكن أعلم ما بداخلها، وسرعان ما أصابتني قشعريرة وذهول، لروعة المعروضات وجمالها وامتداد الزمن المختزن في أخاديدها وزخارفها.

كانت الغرفة تحتوي على مجموعة بديعة من القطع الفخارية ذات الأشكال المتعددة والأحجام المختلفة التي تعود إلى أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد، رحت أتأملها وأفحص أشكالها محاولاً قراءة الأنامل التي شكلتها. كان بعضها بيضاوي الشكل بعنق قصير وانحناءات مرهفة وقد نقش على سطحها زخرفة بسيطة، وبعضها متوسطة الحجم كانت تستخدم لطقوس جنائزية مرتبطة بعقيدة الحياة والموت لإنسان ذلك الوقت الذي آمن بالبعث والعودة للحياة.

وقد وجد في تلك الأواني هياكل عظمية لأطفال صغار. وتعود تلك المعروضات إلى منطقة المويهات التي تعرف بمدافن(أم النار). ومن ضمن تلك المعروضات مجموعة من العقود والأقراط التي تستخدم للزينة، وعقود جنائزية استخدمت لتزيين رقاب الموتى بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من الخرز والأصداف البحرية وأواني الحجارة الصابونية التي كانت منتشرة في المنطقة.

يوجد أيضاً مجموعة نادرة من المخطوطات المحلية القديمة، التي يعود بعضها إلى 590 هـ وهي نسخة مصورة من مصحف خط بيد ابن البواب ومجموعة من المخطوطات القرآنية التي نسخت في فترات مختلفة، بالإضافة إلى مجموعة من المخطوطات الأدبية التي ضمت قصائد لشعراء محليين مثل قصائد الشاعر راشد بن سالم الخضر.

السوق الشعبي

في غرفة اللقى والمخطوطات، تلك الغرفة الضيقة المغلقة العامرة بروعة الإنسان وقدرته العظيمة على الابتكار، كان ثمة كوة سرية ، حملتني إلى فجر التاريخ الإنساني، ووضعتني على مشارف تلك الحياة بمجاهيلها وأسرارها، حتى عدت من جديد من غيبوبتي وعثرت على خطاي التي تنبهت على إيقاعهما وهما تحملاني إلى معبر آخر للحياة وقسم جديد في متحف عجمان وهو السوق الشعبي،

ممر طويل بهواء مبرد ومحال متراصة على جانبيه، محال تروي مهن أيام زمان ودكاكين أيام زمان، ببساطتها وحميميتها والمجسمات التي نقلت بجدارة عالم ذلك الوقت ، قبل أن تغزونا مراكز التسوق الكبرى ويلتهمنا السيل الدافق من السلع الفائضة عن الحاجة.

السوق الشعبي حملني هو الآخر إلى بلدة صغيرة في شرق سوريا هي بلدة الميادين بسوقها المقبي ودكاكينها التي تفوح منها رائحة الخضار الطازجة . السوق الذي تعلوه أصوات الريفيات وهن يدللن على الحليب واللبن الذي يحملنه في أواني التوتياء و(البافون)، وصوت طلبات الشاي والنومي والقرفة وجلبة (البوش) في الصواني وكاسات الشاي العراقية.

فيما مضى كانت دكاكين عجمان مبنية من حجارة البحر المرجانية والجص وأخرى مبنية من جريد النخيل. وكانت تحتوي على أغلب المنتوجات التي تلبي حاجة الإنسان ومتطلباته البسيطة وضرورياته اليومية. والسوق الشعبي في المتحف صمم بطريقة تعكس نموذج الأسواق القديمة، وأشكال التجارة مثل البقالة، الأقمشة، العطارة، التنجيد ، بيع الفحم والحطب، الخياطة الحدادة، الصفارة.

وكانت محلات البقالة في ذلك الوقت تعتمد على بيع الأرز والطحين والسكر والقمح والشعير إلى جانب المواد الغذائية والأدوات الشعبية ومواد الصيد، وكان التمر يشكل الوجبة الغذائية اليومية في الماضي، كما كانت سفن الغوص تتزود بكمية كبيرة منه ، وكان باعة التمور يصنعون في أرضية الدكان أخاديد تصب في فوهة جرة فخارية مدفونة في زاوية الدكان تسمى (المدبسة).

بالإضافة إلى محلات الخبازين وصناع الحلوى، ومن أبرز أنواع الخبز التي كانوا يقومون بخبزها: الخمير(مع البيض أو المشاوا) الوقافي. فيما يتم تحضير الحلوى من النشا والماء والسمن البقري والزعفران والهيل، وتسمى الصينية التي توضع فيها الحلوى (الدست).

أما مهنة العطارة فقد كانت تمثل البديل النموذجي للصيدلية، وإلى جانب مهنة العطار بوصف الأعشاب ، كان الناس يبتاعون منه معظم احتياجاتهم المنزلية والمهنية مثل الكيروسين والحبال والمسامير وأعواد الثقاب ومختلف أنواع الزيوت بالإضافة إلى العطور ومشتقات الأعشاب والأدوية التي تجلب من الهند ودول الساحل الإفريقي واليمن والجزر الأندونيسية.

كما أن مهنة الحلاق فهي من المهن الهامة في ذلك الوقت حيث كان الحلاق يقوم بختان الأطفال في بيوتهم، ويمارس الحجامة والعلاج بالكي، وفي موسم الغوص، كان معظم الحلاقين يغلقون محلاتهم ويلتحقون بسفن الغوص.

وهناك العديد من المهن التي عبرت عنها مجسمات السوق الشعبي كالمقهى الشعبي الذي يعتبر ظهوره حديثا نسبياً في أوائل الأربعينات، وكان المقهى يقدم لرواده الشاي والقدو (الشيشة الفخارية) وبعض المشروبات الغازية، ثم صارت المقاهي تقتني آلة الجرامفون لتسلية وجذب الناس من خلال الاستماع إلى الأغاني والبرامج التي تبثها. ومازال هناك بعض الأسواق الشعبية في دولة الإمارات والتي تحمل نكهة أيام زمان إلا أن العديد من السلع وقوائم المنتوجات قد أثقلت بساطته وغيرت شكله.

الأزياء الشعبية

ركن آخر في متحف عجمان قدم صورة شاملة ورائعة عن الأزياء الشعبية للرجال والنساء. فالأزياء النسائية واسعة فضفاضة مصنوعة من القطن أو الحرير وتتكون من الثوب والكندورة والسروال والبرقع. أما أزياء الرجال فتتميز بالبساطة والخفة، وتعتبر «الكندورة» القطنية لباس الرجل الرسمي يلبس تحتها الإزار، ويضع الرجل على رأسه القحفية والغترة، ويتم تثبيتها بالعقال، وإذا كانت الغترة صوفية لفصل الشتاء سميت«دسمال» ويلبس الرجل عند اشتداد القيظ قميصاً شفافاً يسمى «المقصر». ويعتبر البشت«عباءة الرجل» أكثر الملابس أهمية لعلية القوم ويلبس فوق الكندورة وأفضل أنواعه مصنوع من الوبر الخفيف.

الطب الشعبي

ركن آخر في المتحف يمثل الطب الشعبي الذي يعتبر من الموروث الثقافي الذي يلخص تصورات الناس وخبرتهم في العلاج وفلسفتهم حول الصحة والمرض. ويحتوي ركن الطب الشعبي على قسمين هما: الطب الشعبي عند النساء، والطب الشعبي عند الرجال ، عبر مجسمات تمثل العديد من حالات العلاج التي تعتمد على الأعشاب الطبية، الكي، الحجامة، التدليك التجبيرـ الاستشفاء بالقرآن وغيرها من الأساليب التقليدية. وأحد أساليب الاستشفاء بالقرآن الكريم ، كان يتم بتلاوة آيات من القرآن الكريم على صحن أو كوب من الماء ، يعمد المريض إلى شربه بعد ذلك، حتى يكتب الله له الشفاء والعافية.

الألعاب الشعبية

في ركن الألعاب الشعبية، مرة أخرى هبطت أدراج الطفولة على شاطئ نهر الفرات وفي حارة الطين القديمة ووجدت تشابهاً في الألعاب من صناعات جسمات السفن، إلى ألعاب الدراجة الحديدية، ونماذج ومجسمات الألعاب الشعبية في المتحف رصدت تفاصيل الألعاب على مختلف أنواعها، فألعاب الصبية كانوا يصنعونها بأنفسهم من أغصان النخيل وصفائح القصدير وعظام الطيور وقطع الزجاج الملونة، في حين أن ألعاب البنات تنوعت بين ألعاب الصقلة، وين خالك، وين دخل الزين، وعرس اللي يناوي ليكم.

الطرب الشعبي

قد احتوى هذا الركن على نماذج من أدوات الطرب المستعملة في الفنون الشعبية كفن العيالة والأهلة والرزيف والغناء البحري، والليوا والهبان والنوبان، وقد اعتمدت هذه الفنون على الطبلة بشكل أساسي، فالكبير منها يسمى «الراس» والصغير يسمى «التخامير» والدفوف «الطيران» والصاجات «الطوس» والسيوف والبنادق، إضافة إلى العصي لخلق الإيحاءات والحركات المطلوبة.

ركن الغوص

مجسمات ونماذج تصور حياة الغوص التي ارتبطت ارتباطاً جذريا بأبناء الإمارات منذ بداية القرن الثالث الميلادي، حتى منتصف القرن العشرين حيث عرضت نماذج لسفن الغوص وأدواته الخاصة وأشكال المحار واللؤلؤ، وتعتبر مهنة الغوص موسمية تبدأ من شهر إبريل حتى أغسطس، وتنقسم إلى ثلاث رحلات خلال موسم الصيف، الأولى تسمى الغوص الصغير تستغرق حوالي شهرا، تليها الرحلة الرئيسية وهي الغوص الكبير وتستغرق ثلاثة أشهر، ثم رحلة الردة وتستغرق عشرين يوماً.

وهناك الطواش أو تاجر اللؤلؤ وهم في الغالب من ممولي السفن ، وعملية الطواشة أو بيع اللؤلؤ كانت تتم إما في البحر مباشرة مع ربان السفينة«النوخذة» أو على البر بعد انتهاء الموسم. وتقوم عملية البيع على غربلة اللؤلؤ ومعرفة الجيد والكبير منه بواسطة مناخل صغيرة وطوس بفتحات متباينة، يمرر اللؤلؤ من خلالها، كما يتم وزن كبير الحجم منها بميزان خاص .

الصيد البحري

ومن الأقسام التي تمثل امتداداً لحياة البحر هو الركن الذي تمثل مجسماته وأدواته ارتباط الإنسان بالبيئة البحرية والمهن التي زاولها. وقد اعتمد أبناء الإمارات وعجمان على مهنة الصيد وبرعوا فيها وابتكروا طرقاً حديثة ووسائل شتى، فهناك الصيد بواسطة الأقفاص المصنوعة من سعف النخيل أو الجريد(الجراجير) والصيد بواسطة الصنارة والشباك المتعددة، واستخدموا أيضاً الحربة«المصياد» في أنواع قريبة من الشاطئ.

ومهنة الصيد تداخلت مع نسيج الحياة الاجتماعية في دولة الإمارات من حيث فنونها وعاداتها وتقاليدها. وهناك العديد من الأقسام التي مثلت مختلف الحياة في الإمارات، كالأقسام التي رصدت الحياة الصحراوية بمختلف أدواتها وسماتها التي عبرت عن حياة القبائل البدوية التي عاشت في عمق الصحراء وأطرافها، حيث اعتمد البدو على الإبل والأغنام والماعز في تأمين احتياجاتهم اليومية، كما أن الصيد بالصقور من الأمور الهامة في حياة البدوي.

بالإضافة إلى وجود نماذج تدل على مدارس الكتاتيب والمطاوعة التي مثلت المدارس التقليدية في دولة الإمارات والتي كانت تقوم بتعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن ومبادئ الحساب. ولا ننسى غرفة الشيخ راشد وهي إحدى غرف الحصن التي شغلها المرحوم الشيخ راشد بن حميد النعيمي سكناً له، وتضم ممتلكاته الخاصة والهدايا والوثائق الرسمية،

إضافة إلى الملابس الشخصية والأسلحة النارية التي كان يستخدمها. وفي المتحف أيضاً ركن للآثار وبيوت الجريد والسفن والأسلحة المستخدمة آنذاك وركن لإذاعة عجمان التي أنشأها راشد عبد الله علي بن حمضة عام 1961 ، وهي أول إذاعة شعبية في الإمارات كانت برامجها تقتصر على آيات من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر والمنوعات الغنائية.

وقد استمرت هذه الإذاعة حتى عام 1965. جولة واحدة في متحف عجمان بالتأكيد لا تكفي، وقراءة عابرة لايمكن لها أن تسبر تلك الأيام وتنقل نكهتها ورائحتها ونبضها، لكنها محاولة للوقوف على بعض المكونات التي يشدنا إليها حنين يزداد يوما إثر يوم.

إسماعيل الرفاعي