صالحة غابش امرأة مسكونة بالابداع وحب المعرفة، ورغم انها قضت اكثر من خمس عشرة سنة في مجال التعليم والتربية.. الا انها استطاعت ان توازن بين التزامها الوظيفي وبين الانتاج الابداعي في مجال الشعر والكتابة وهذا التحدي جعلها شخصية متوازنة وقوية تتكيف مع كل مستجدات الحياة التي تفاجئ الانسان اثناء رحلة العمر.

رغم التحاق صالحة غابش بالتعليم في سن مبكرة.. واصبحت مربية للاجيال.. وحرصت على توظيف حسها الابداعي في اسلوب تقديم المنهج الدراسي للتلاميذ وتقول في هذا الصدد اذكر انني في احدى السنوات حولت نصوص النحو والقواعد العربية والقواعد الاملائية الى مادة مغناة في شريط مسجل يسهل على الطلبة استيعاب الدروس وحفظها.. واذكر انني حصلت على تشجيع كبير من طرف مديرة المدرسة وكانت تحرص على تشجيع المبادرات.. ولكن للاسف لم احصل على تشجيع كاف من قبل وزارة التربية.. رغم كثرة الطلبات على الشريط.

أمينة عماري

وتضيف غابش «هذا الموقف جعلني افكر بشكل جدي في هجر التدريس والتوجه الي مكان يتيح لي وضع بصمات ابداعية لاني اكتشفت في تلك الفترة ان مادة اللغة العربية تقدم للطلبة بشكل تقليدي ممل يفتقر للتشويق عكس ما نجده في اساليب تعليم الانجليزية التي تعتمد غالبا على الالوان والصور والتمثيل واقصد توظيف الجانب الفني لخدمة المادة التعليمية.

ورغم مرور سنوات طويلة على انفصالها عن التربية والتحاقها بالعمل النسائي والاجتماعي وتقلدها منصب امين عام المجلس الاعلى للاسرة ما زالت صالحة غابش ترجع كل انجازاتها الابداعية والوظيفية اثر فترة عملها مدرسة وعشقها للغة العربية الذي فتح لها أبواب الشعر وكتابة المقالة الصحافية.

تبدأ ذكريات صالحة من .. مدرسة ام عمارة بالكويت وهي مرحلة السنوات الاولى للتعليم.. فهي مازالت تتذكر مدرسة اللغة العربية «الابلة» سعاد التي رسمت ملامح شخصيتها الابداعية ضمن مجموعة من بنات جيلها بتشجيعهن على نظم القصيدة وتحليل القضايا الاجتماعية في مقالات اسبوعية تنشر في احدى المطبوعات الكويتية.

الابتسامة الدائمة على وجه صالحة غابش

لا يمنع أنها مثقلة بهم المرأة المبدعة في الإمارات، وترى أن التجربة الشعرية للمرأة الإماراتية تم إغفالها من قبل النقاد ونادراً ما يدرج اسم الشاعرات في المحافل الخارجية لتمثيل الحركة الثقافية الإماراتية، ويتم الاكتفاء بإيفاد فرق الرقص الشعبي والشعر الشعبي، في حين الشعر الفصيح لم يأخذ حقه.

وتنشغل صالحة هذه الأيام بوضع اللمسات الأخيرة على روايتها «رائحة الزنجبيل» بعد أن أنهت كتابة نص سيتحول إلى عمل تلفزيوني بعنوان «نساء الغربة»، وعلى مدى سنوات الصبا شكل والد صالحة محوراً رئيسياً بحكم عمله في الكويت لفترة طويلة واختلاطه بجنسيات متنوعة عربية وأجنبية، مما دفعه إلى الإيمان بدور المرأة في وقت مبكر، انعكس ذلك في تشجيعه لموهبتها ووقوفه إلى جانبها منذ الابداعات الأولى لها.

وترى «حصة المدفع» رئيسة لجنة شؤون الأسرة في المجلس الاستشاري بالشارقة أن صالحة غابش مبدعة بالفطرة. وقالت: تعود علاقتي بصالحة لفترة الثمانينات عندما كنت مشرفة على المدارس في المنطقة التعليمية بالشارقة، وبدأت أسمع بصالحة غابش في مجال النشاطات الطلابية والابداع قبل أن نلتقي معاً بشكل شخصي. وأذكر جيداً أنها كانت حاضرة في جميع النشاطات الفنية كالأوبريت، المسرح، الشعر، من خلال إشرافها المباشر على معظم النشاطات المدرسية.

ويشهد الجميع في تلك الفترة بالبصة المشرفة التي تركتها صالحة في ابداعات المدارس، ودورها الكبير في تفعيل النشاطات المدرسية. وتضيف: «الجميل عند صالحة صدقها وروحها السمحة واجتهادها في العمل من أجل الإبداع نفسه وليس من أجل المكاسب والمناصب، كما أن صالحة من السيدات الملتزمات جداً بدينها، وهذا يمنحها قوة مُضاعفة للعمل والإبداع والتميز، وتعتبر نموذجاً مشرفاً للفتاة الإماراتية الملتزمة تجاه مجتمعها.

تعتبر موضى الشامسي الصديقة الصدوقة لصالحة وتعود علاقتهما إلى سنوات الدراسة في مرحلة الثانوية بمدرسة الزهراء بالشارقة، وتقول «تعرفت عليها بمقاعد الدراسة بالصف الأول ثانوي، وتجاذبت أفكارنا وتقاربت أحلامنا، لأننا نلتقي في حب الكتابة، وهي مدمنة على الكتابة منذ أيام الدراسة، ورغم أننا افترقنا في مرحلة الجامعة،

تخصصت في علم النفس ودرست صالحة اللغة العربية وآدابها، لكن رغم ذلك حرصت على أن أتابع كل أعمالها وكتاباتها التي تُنشر في الجرائد، وما زالت قارئة وفية لها، لأنني أجد نفسي في كل ما تكتب، وأعتقد ان هذا إحساس كل بنات جيلنا، لأنها تعبر بصدق عنا، ورغم أني اختلف معها في نظم الشعر العمودي، لكن لديها حس مرهف في بناء الشعر الحديث».

وتضيف الشامي وبهذا انفصالنا لفترة طويلة ثم عدنا إلى العمل في مكان واحد وهو المجلس الأعلى للأسرة بالشارقة، وهكذا توطدت علاقتي بها مجدداً وأصبحت أكثر عمقاً، وكثيراً ما أتوجه إلى مكتبها للاستمتاع بالجلوس معها ومناقشة بعض المواضيع الاجتماعية والأدبية،

خاصة أنها مسكونة بالهم الاجتماعي وشؤون الأسرة والمرأة، وتضيف رغم عبء وظيفتها في المجلس الأعلى للأسرة إلا أنها تجد الوقت الكافي لطبع قضايا حيوية وتناقش ظواهر اجتماعية من خلال عامودها الصحافي الأسبوعي «مرافئ»، وغالباً ما تجمع أفكارها على قصاصات أثناء جلساتنا الصباحية أو المسائية، لذلك أقول انها مبدعة بالفطرة، ولم تستطع الوظيفة ابعادها عن الأسبوع، عكس الكثيرين.

ولدى صالحة شخصية هادئة لكنها في حالة حركة دائمة، وثورة تحرك قلمها الإبداعي. أسماء الزرعوني تقول: بدأت صداقتي بصالحة سنة 1989 منذ حوالي خمس عشرة سنة على طريق الإبداع والكتابة الإنسانية التي تعكس اهتمام كبير بقضايا المجتمع والأسرة. وساهمنا معاً في اعمال تطوعية وهي رابطة الأدبيات

حيث تجددت الروابط التي تجمعنا والتي ترتكز على الإبداع والكتابة.. ورغم إنني مقلة في الكتابة بحكم عملي والإعلام التربوي في وزارة التربية إلا انني افرح بقلم صالحة ومواصلتها للإبداع رغم كل الظروف لان المبدع عندنا يعاني من الجمود الفكري بسبب التزامه بالوظيفة والدوام..

وتعامله مع الإبداع بشكل متقطع.. ورغم مرور سنوات عديدة انشغلت كل منا بحياتها الأسرية وعملها الوظيفي تظل صالحة غابش الصديقة المخلصة والمحبة والتي لا تتهاون في تقديم النصيحة الصادقة وتحرص على الالتقاء بي في أماكن هادئة من اجل التشاور في مواضيع الكتابة ومناقشة القضايا المطروحة على الساحة، لذلك أعتبرها صديقة الفكر والإبداع في عمري.

الدكتور يوسف عيدابي من الشخصيات العربية التي عاصرت حركة التطور الثقافي والإبداعي في دولة الإمارات ولديه المام كامل بتطورها بحكم معرفته بكل الأسماء الأدبية التي أثرت المنطقة يقول ان صالحة غابش من الأسماء المؤثرة منذ صباها الباكر..

واستطاعت ان تسيطر على قواعد كتابة القصة ونظم الشعر وهي من الرائدات في طرح قصة تعلم المرأة الريفية عندما كانت طالبة في الجامعة وبالتالي شاركت بشكل مؤثر في الحراك الأدبي كما تطورت بشكل كبير في مجال الشعر من التفعيلة إلى الحديث وتعاملت مع موهبتها بشكل واع ومتوارث

خاصة أنها شخصية عامة وتتفاعل مع قضايا المجتمع من خلال منصبها في المجلس الأعلى للأسرة ولديها جدية في حب التعلم وتطوير موهبتها تمتلك صالحة جرأة في الطرح الفكري للنصوص التي تكتبها والقضايا التي تعالجها وبالرغم من انشغالها بالوظيفة ولديها تجربة ثقافية غنية في اتحاد الكتاب ورابطة الأدبيات.. صقلت موهبتها ومنذ معرفتي بها..

أراها صورة هادئة ولديها انفعالات محسوبة تعكس فطنة وكياسة عالية.. منحتها ثقة في الطرح ورسمت ملامح شخصيتها في المشهد الثقافي والاجتماعي. والشاعر إبراهيم محمد إبراهيم يشيد بأسلوب صالحة في التعامل مع الجميع ويقول «صالحة أخت عزيزة وشهادتي فيها مجروحة.. ورغم ان الساحة الإبداعية كبيرة لكن أشخاصاً قليلين يشكلون دائرة معارفك، ترتاح لهم وتشكل معهم روابط إنسانية.. وصالحة من هؤلاء.. وأنا اعتز بعلاقتي بها..

وتعود معرفتي بها منذ أوائل الثمانينات وكنت من أشد المعجبين والمتابعين لما تكتبه سواء كان شعراً أو نثراً وعندما نذكر الشاعرات في الإمارات تأتي صالحة على رأس القائمة والجميل أنها تكتب ما تريد باستقلالية كاملة ولا تكتب ما يريده الآخرون وهنا يكمن عمق وصدق المشاهد التي تنقلها.. ومعظم الذي قرأته لصالحة يعكس روحها الشفافة بوجود تقارب كبير بينها كشاعرة وكإنسانة. ويضيف الجميل عند صالحة هو الحياء الذي تتحلى به وهي تلقي الشعر رغم ان مواضيعه فيها نوع من الجرأة المدروسة.