ستة وثلاثون دولة زارتها، وكم هائل من المدن المحببة إلى قلبها ذابت في شوارعها، وانصهرت مع الناس البسطاء والفقراء والمتسولين والمجانين أيضاً، تمقت الإقامة في الفنادق الفخمة وتعيش مع العامة، تأكل من طعامهم وتستمتع بحكاياتهم، هكذا هي، روح شفافة لم تلوثها المحيطات العصرية. لربما قفزت هذه الروح لتظهر جلية في بعض الصور المصاحبة، لكن يسعى النقاد إلى ما خلف الصورة من كلمات شارحة، مع الكاتبة الصحافية آمال بشيري نقلب ألبوماتها لنستعيد معها ذكريات وحكايات الصور والمدن والأمكنة.
منذ طفولتها وآمال بشيري مهووسة بالجمال، تبحث عنه في محيطها الصغير وتحاول اكتشافه في لوحات الطبيعة، لم تكن سياحتها الداخلية في بلدها الجزائر قد اكتملت بما فيه الكفاية، معترفة بأنها في حاجة ماسة لإعادة اكتشاف وطنها بعد أن حلّقت في بلدان ومدن كثيرة، سألتها في معرض الحوار عن البلدان التي تتمنى زيارتها بعد هذه الرحلة الطويلة، فأجابت بعفوية وصدق «الجزائر» صريحة هي ومتصالحة مع أفكارها وأفعالها.
تقول: عندما تفكر في ترجمة أحلامك فأنت بحاجة لمعلومات تضعك على حيز التنفيذ، وأحلامي كثيرة لكنها متاحة، فأنا لا أبني قصوراً في الخيال، كنت أحلم بزيارة المدن التي أقرأ عنها، أو تلك التي دارت فيها أحداث روايات لكبار الكتاب، أو حتى المدن التي عاش فيها الكُتّاب أنفسهم، كنت أحلم وما زلت بالتعامل عن قرب مع شعوب العالم، الفقيرة منها على وجه الخصوص، إنها متعة لا تضاهيها متعة أخرى وأنت تنصهر بشكل إنساني مع أناس في غاية البساطة، هؤلاء الناس يحبونك لشخصك لا لأي شيء آخر،
وأظن أنني كونت علاقات صداقة حقيقية مع عائلات تحت معدل الفقر في كل مدينة زرتها، هذا هو مفهوم السياحة عندي، ولا أخفيك سراً إذا قلت لك بأنني تمردت على المهنة عندما ذهبت إلى صربيا لتغطية أحداث الحرب التي كانت دائرة هناك، وانتهزت الفرصة لأنفلت من قيود المهمة، وذهبت لزيارة البلد لاكتشفها من بين الأنقاض، صربيا في تلك الأثناء سطرت صيغة من صيغ الحياة الهادئة.
روما مدينة المعمار
وعودة إلى أول بلد زارته آمال بشيري وفتح أمامها أفقاً جديداً في عالم السياحة تقول: كانت إيطاليا هي وجهتي الأولى وذهابي إليها يمثل الخروج الأول عن حدود الجزائر، وأعجبتني مدينة روما بمبانيها التاريخية العتيقة، فهي مدينة تنطق بفنون الهندسة المعمارية الراقية، كذلك الحال بالنسبة لمدينة فينيسيا التي يشعر زائرها بأنه يعيش حلماً لا يريد أن يصحو منه، وخرجت من زيارتي لإيطاليا بخلاصة مفادها أنك إذا أردت الذهاب إلى هذا البلد فعليك أن تصطحب معك رفقاء ليستمتعوا معك بجمال المدن، كنت أستكثر على نفسي الاستمتاع وحدي بالتحف الفنية المعمارية من دون أن يشاركني أحد أعرفه بالافتتان بذلك السحر.
أما رحلتي إلى الهند، فقد كانت نتيجة افتتاني بشاعرها العظيم طاغور، وبطريق التوابل والأسطورة، وقد زرتها مراراً وشدني أناسها البسطاء الذين تشعر معهم وكأن كل واحد منهم يمتلك حكمة خاصة، وقررت في النهاية أن أعيش فيها، وقد حدث بالفعل أن أقمت في الهند لمدة عام وبضعة أشهر، وأكثر ما كان يشدني في مدن الهند أولئك المجانين والمتسولون الذين ينتشرون في كل مكان، كنت أجلس معهم طويلاً وأستمع إليهم بكل اهتمام، إلى أن قررت السير على الأقدام من «بوتا» القريبة من مومباي إلى دلهي، لكي أصاحب المجانين والمتسولين، وطوال مدة إقامتي في الهند كنت أسكن في بيت مع إحدى العائلات الفقيرة جداً، وتعلمت منهم أشياء كثيرة.
هافانا مدينة الفنانين
في رحلة سياحية جديدة حزمت آمال بشيري حقائبها، هذه المرة إلى رومانيا ودافعها الوحيد زيارة قصر دراكولا، ومع انها مكثت في القصر يوماً كاملاً متنقلة بين جنباته إلا أنها لم تشعر بالخوف أو الرهبة كما كان متوقعاً، وأصيبت بخيبة أمل كبيرة، لكنها عوّضت هذه الخيبة بالقيام برحلة مع الفجر في منطقة «بريشكا». أما رحلتها إلى «هافانا» فهي التي تركت آثارها الجميلة في نفسها، تقول: في «هافانا» القديمة تتجلى صور الحياة المفعمة بكل شيء جميل، وهي المكان الذي أتمنى العيش فيه بقية سنوات عمري، فهي من حيث الطبيعة لوحة جمالية يندر وجودها في مكان آخر،
وهي أيضاً تاريخ وفن وثقافة، فأنت تسير في شارع «برادو» مثلاً فتشعر أنك في بينالي مفتوح على مدار ساعات اليوم وأشهر السنة، الفنانون التشكيليون موجودون في كل زاوية من زوايا الشارع، يرسمون ويستلهمون أفكارهم مما حولهم من لوحات طبيعية خلاقة، وأنت أيضاً لا تحتاج في هذه المدينة لأن تشتري أشرطة كاسيت أو جهاز تسجيل لتسمع الموسيقى، لأن الموسيقى والرقص يعتبران من طقوس الناس هناك، والكوبيون معروفون بولعهم للفنون وخصوصاً الموسيقى،
وبالتالي فإن الحياة في تلك المدينة حياة صاخبة من دون مكبرات صوت، وأعترف بأن رحلتي إلى كوبا كانت الحلم الذي لم أصدق أنه تحقق، لقد كان حلمي أن أذهب لزيارة مدينة «سانتياغو ديل فويغو» مسقط رأس الرئيس فيديل كاسترو، وعلى الرغم من عناء السفر والطيران أربعاً وعشرين ساعة، إلا أنني لم أشعر بالضجر أو التعب، وفور وصولي إلى هافانا فجراً، قررت في الصباح الباكر أن أمضي وحيدة «كعادتي» وأبحث عن مقهى «هيمنغواي» وفي اليوم التالي قررت السفر إلى «سانتياغو» ومنها إلى «غوانتانامو»،
قلت ربما أستطيع مشاهدة الأسرى هناك، لكن المذهل في هذه المدينة هو انقطاع الماء والكهرباء عنها لأوقات طويلة تصل إلى أيام عدة في بعض الأحيان، ومع ذلك فأناسها يمارسون طقوسهم اليومية وكأن شيئاً لا يحدث، وحالفني الحظ أن أحضر احتفالات «غوانتانميرا» وهي احتفالات سنوية تُقام بانتظام، والعجيب في مدينة «غوانتانامو» هو ارتفاعها عن سطح الأرض،
الأمر الذي يجعل الناس يتصايحون في المساءات المتأخرة رافعين أيديهم وكأنهم يريدون التقاط النجوم، ولم أنس في هذه الرحلة الجميلة أن أذهب إلى مدينة «باراكوا» لألقي نظرة على بقايا سفينة «لاكرانما» التي دخل بها مجموعة من الثوار إلى خليج الخنازير لإسقاط نظام حكم «باتسيستا»، أما الشيء المهم في رحلتي إلى كوبا ومدنها الجميلة هو اكتشافي لنفسي من جديد، فقد انتبهت إلى إنني فتاة أجيد الرقص، مع إنني لم أمارسه أبداً من قبل.
عاصمة القردة
وجهة أخرى ورحلة جديدة لآمال بشيري هذه المرة إلى شرق آسيا، وكانت رحلة تقليدية لاكتشاف معالم تايلاند، لكنها كانت في الوقت نفسه ممتعة وموفقة، فعلى حد تعبيرها يتوقف الزمن في «بتابا» وتشعر بروحك تحلِّق في فضاءات مفعمة بسحر الحضارة القديمة، أما الذي لفت نظرها فهو مشهد القردة التي تتعامل مع البشر بذكاء يفوق في بعض الأحيان ذكاء البشر، أما فرنسا فقد زارتها مرات عدة، وفي كل مرة كانت تستكشف جانباً من جوانب مدينة باريس الرائعة، تقول: أعتبر زياراتي لفرنسا عادية جداً لإجادتي اللغة الفرنسية واطلاعي على ثقافتها وتاريخها منذ صغري، لدرجة أنني كتبت إبداعاتي الأولى باللغة الفرنسية ونشرتها هناك أيضاً،
ولم تفاجئني باريس بشيء لا أعرفه، ومع ذلك يظل الاكتشاف عن قرب مختلفاً بعض الشيء عن محصلة القراءة، لكنني في آخر زيارة لباريس كنت قد عقدت العزم على التسجيل في جامعة «السوربون»، هو حلم يراودني منذ زمن، لكن شاءت الأقدار أن تتغلب رغبتي في زيارة المدن الفرنسية فرحت أتنقل بينها حتى نفد جميع ما لدي من نقود،
واكتفيت في النهاية بشراء قميص يحمل شعار الجامعة، وكلما عاودني الحنين للالتحاق بجامعة السوربون ارتدي القميص لأخفف على نفسي حيث أشعر بالفعل بأنني طالبة فيها، أما رحلتي إلى تركيا فقد كانت قصيرة واستغرقت أربعة أيام فقط، وأعجبني مشهد «البوسفور» وسوق الفجر، كذلك أعجبتني مدينة «اسطنبول» بزخارف مبانيها.
تلك محطات من رحلات آمال بشيري إلى بعض دول أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية، وتبقى محطات أخرى إلى دول عربية بدأتها بزيارة إلى العراق، تقول: كانت زيارتي إلى العراق غير معدة سلفا، وكان العراق وقتها يعيش محنة الحصار في عام 1999، وصلت إلى البصرة وهالني حجم الدمار الذي ألم بالمدينة الجميلة،أما في بغداد فقد كان الحزن هو أحد المعالم التي تخيم على المدينة، وبدت بغداد تحتاج لمن يواسيها، وصعقت من مشهد نهر دجلة وشارع أبي نواس الذي امتلأ بالجرذان والأطفال المتسولين،
وشعرت حينها أن الموت أهون بكثير من العيش بهذه الطريقة وفي هذه الظروف، كذلك قمت بزيارة النجف وبابل وكربلاء، وهناك فقط، أدركت عظمة التاريخ وعرفت معنى مقاومة الموت والفناء، أما زيارتي للبنان فقد كانت قصيرة أيضاً، وفي مدينة بيروت شعرت بالحنين للجزائر ولا أعرف سبباً لذلك الشعور، وتبقى الحقيقة الوحيدة التي خرجت منها من هذه المدينة العظيمة،
هي أننا لا نعرف فن السياحة بقدر ما تعرفه هذه المدينة الصغيرة، فهي بضع كيلو مترات على الواجهة البحرية، لكنها ثرية بأناسها وشوارعها وطريقة العيش فيها، يكفي انها تثير فيك الرغبة في ممارسة حسن الآداب والخلق، والتخلي عنها «الهيبز» الذي يسري في الدماء.
الإقامة خارج الفنادق
إلى المغرب هذه المرة اتجهت آمال بشيري، لا لشيء سوى أن تلتقي بالروائي محمد شكري وقد قرأت جميع أعماله وأعجبت بها، أما رحلتها إلى القاهرة فقد جاءت صدفة وبديلاً لرحلة كانت مقررة إلى كوبا، وعن تجربتها في القاهرة تقول آمال: الحياة في مدينة القاهرة تأخذ منحى آخر أجدني عاجزة عن وصفه، فهي مدينة لا تنام، تحتاج لأكثر من أربعة وعشرين ساعة في اليوم حتى تنهي برنامجك، وبغض النظر عن التسكع في خان الخليلي والتردد على المقاهي الثقافية،
فأنت بحاجة إلى ساعات إضافية لترتاد المسارح والمناطق الشعبية أو أن تستمتع برحلة نيلية، وأنا مغرمة بالاكتشافات الجديدة، وحدث أن كنت واقفة مع أحد الأصدقاء وهو يصافح صديقاً له من الفرافرة، وعندما سمعت اسم الفرافرة تحمست للانطلاق إليها وهي في عمق الواحات وتبعد عن القاهرة مسافة طويلة،
وقضيت في الفرافرة بضعة أيام وسط الصحراء الذكية، هذه الصحراء التي أذهلتني وجعلتني أشعر بأنها صحراء الوحي، فهي عبارة عن متحف طبيعي من الصخور الطبيعية التي تشكلت بما يمكن أن نطلق عليه أعمالاً فنية، وعموماً فإن القاهرة مدينة أفكر بالاستقرار فيها بشكل دائم، وأنا دائماً أردد بأنني لو كنت مصرية لما فكرت بالخروج منها تحت أي ظرف من الظروف.
تلك محطات سياحية انطبعت اختامها على صفحات جواز سفر آمال بشيري، لكن يبقى شعورها الغامض وهي تدخل في كل مرة إلى مطار وتخرج من آخر، انه شعور المقبل على حياة جديدة سيعيشها لأول مرة، وهي تشعر أيضاً السكينة بسعيها للحصول على ذكريات وصور وصداقات جديدة لا تباع ولا تشترى ولا تقدر بمال، وفي جميع سفراتها وكما اسلفنا تحرص على الإقامة مع عامة الناس باستئجار حجرة أو بيت منهم،
وهي حريصة أيضاً على التعامل مع البشر للتعرف على ثقافتهم وميولهم، وفلسفتها في رحلاتها انها تسافر للإنسان وليس المكان، ولذلك فهي تنخرط في تعاملاتها بشكل كامل يصل إلى تناول الطعام من محلات صغيرة في الشوارع، وتضحك وهي تجزم بأنها أحياناً تأكل أشياء لا تعرفها، لكنها تستمتع بمذاقها الطيب، غير مستبعدة أن تصاب بالتسمم في أي وقت من الأوقات ولكن لا بأس، فهي لا ترتاح في المطاعم الفخمة وتشعر بانقباض في نفسها وان الترف هو أردأ وجه للحياة.
اختيارات آمال بشيري للمدن التي تزورها خاضع لقراءاتها واطلاعها، تحمل حقيبتها التي تحوي ملابسها ولا شيء سوى ذلك، وإذا كانت رحلتها إلى بلد فقير فهي تعود من دون ملابسها، إذ تهديها لأناس فقراء صادقتهم وقضت معهم فترات جميلة، لكنها تعود بذكريات وصور وبعض الهدايا التذكارية،
فهي لا تجيد فن التسوق ولا تغريها صيحات الموضة مهما كانت، ولأن السفر على حد قولها أعاد صياغة شخصيتها وتربيتها ومنحها الوعي بفكرة تقبل الآخر مهما كان، فإن مشاريعها السياحية ما زالت تنتظرها، تقول: «أنا لا أتحمل فكرة أن أعيش من دون أحلام بالسفر، ففي كل رحلة أقوم بها أشعر بسعادة لا تُوصف، وان الحياة أرحب بكثير مما نعتقد، أما الدول التي ما زالت على قائمة السياحة،
فتأتي كولومبيا في المرتبة الأولى، فقط من أجل زيارة الروائي ماركيز في بيت والديه بمدينة «سوكري»، أيضاً أتمنى زيارة فيتنام لأتعرف على شعب مقاوم سطر اسمه في التاريخ بحروف من ذهب، أما أسباب سفري الكثير فلأنني ببساطة أحاول أن أتحدى اتفاقية «سايكس بيكو» التي قسمت العالم ووضعت الحدود لتقف حائلاً بين تواصل الإنسانية بين جميع أنحاء العالم».
عز الدين الأسواني
