يتحدث علماء النفس عن الآثار الخطيرة التي تنجم عن الحروب في العالم، وتنعكس سلباً على مشاعر البشر تحت القتل والتدمير والمجاعة والأمراض والصدمات النفسية والموت، وبالتالي يصبحون سريعي العطب تجاه آثار الحرب والأسوأ في الحروب الحديثة معايشة تفاصيل المعارك والمواجهات عبر الفضائيات المتخصصة في نقل الخبر من موقع الحدث ومتابعته طازجاً.

من خلال هذا الاستطلاع نحاول الوصول إلى آراء متفرقة لنماذج متباينة من الأمة تتعايش مع الحدث عن بعد ولها صداقات متشعبة مع الجالية اللبنانية المقيمة في الدولة، وعينات لبنانية تعايش ويلات الاعتداء الإسرائيلي السافر على أهاليهم وذويهم، وكيف تتمكن هذه الفئة خاصة من التحكم في انفعالاتها أمام أهوال الكارثة، وهي بعيدة آلاف الكيلومترات، لا تملك إلا الدعاء والدموع التي كثيراً ما تنزل حارة بمقدار حرارة هذا الصيف الأسود على العرب والمسلمين.

من المحزن أن الصيف الماضي قدمت موضوع تحقيق حول أشهر وجهات السفر لمواطني دول مجلس التعاون والمقيمين. وأجمعت نسبة 70% على أن لبنان هو أكثر مكان في العالم يشعرك بالراحة والاطمئنان لتربعه على طبيعة ساحرة تجمع الجبال والسهول إلى جانب البحر والشواطئ، كل هذه العناصر مجتمعة جعلت منه ملاذاً جاذباً للسياح العرب والأجانب على حد السواء،

إضافة إلى كرم الضيافة الذي يمتاز به أهله، وتنوع المائدة اللبنانية التي أصبحت تشتهر بأكلات خاصة تقدم في أفخم المطاعم التي تمتد من الجنوب إلى الشمال وتتركز في وسط بيروت، تغلق أبوابها الساعات الأولى من الفجر، وتسكن بعض الساعات لتبدأ يوماً جديداً على صوت السيدة فيروز وهي تغني.. «نسم علينا الهوى». دخلك يا طير الوروار» وغيرها من الكلمات التي تبعث الأمل في القلوب وتزرع الإحساس بالجمال.

لكن تشاء الأقدار أن يأتي صيف لبنان مختلفاً، فبدل أن يستقبل ضيوفه بصوت فيروز.. «دروب الهوى»، تنقلب الأوضاع ليصرخ لبنان مستنجداً من تحت إنقاذ الدمار والخراب الذي حل بالبشر والشوارع والطرقات فيتزاحم أهله وضيوفه على الفرار من الفاجعة.

ابنتي تناديني

البداية كانت مع المواطن اللبناني عبدالواحد حسون صاحب شركة حيث يقول لقد خرجت من لبنان قبل بداية الاعتداء بأيام قليلة، للمشاركة في معرض بدولة الإمارات، وتركت لبنان آمناً يفتح ذراعيه للسياح العرب والأجانب ولم أتوقع لحظة أن وطني وشعبي وأسرتي على موعد مع القصف الهمجي،

ولا يمكن وصف حالتي لحظة إعلان إسرائيل الحرب على لبنان، فقد اضطربت مشاعري وأصبحت مثل المجنون خوفاً على أولادي الثلاثة وزوجتي والقلق على مصير وطني أمام عدو لا يرحم حجراً أو بشراً، لذلك تجدين كل اللبنانيين ملتحمين حول الوحدة الوطنية لمواجهة آلة الدمار.

ويضيف مهما حاولت التعبير عن الصورة القاتمة للوضع في لبنان والمأساة الإنسانية التي يعيشها الناس لا يمكن أن نصفها مثل الذين يعيشون رعب أصوات الطائرات وهطول الصواريخ، ومناظر أشلاء الموتى والجرحى، ولا أنسى أبداً مكالمة زوجتي في الساعات الأولى من الفجر وهي تصرخ وتخبرني عن قصف منطقة «عيون السمن» بجبل لبنان وهي قريبة من البيت،

وأصابتني حالة من الهلع بعد أن سمعت صوت ابنتي وهي تطلب مني إخراجها وإحضارها إلى الإمارات، لا يمكن لأحد تصور حالة القلق التي انتابتني في تلك اللحظات لكن الإيمان بالله والقضاء والقدر يخفف علينا ضغوطات الأخبار التي تأتي بحجم الدمار الذي لحق ببيوتنا وأهلنا.

وحول نفس المرارة التي تعيشها الجالية اللبنانية بعيدة عن الوطن المنكوب يقول سامي «موظف بإحدى البنوك في الدولة» على الرغم من كل الألم الذي نحسه نحن اللبنانيين لكن شعورنا بالعزة والكرامة والحق يزداد في مواجهة العدو وإن كنت أشعر بغضب كبير من الذين خذلونا ولم يتحركوا بما يمليه عليهم الدافع العروبي.

أصبحت متوتراً

«أسعد الديسيطي» شاب مصري مقيم بدبي ولديه أصدقاء كثر من لبنان يقول: «بصراحة الذي حصل لم يكن متوقعاً والعجيب أن قرار الحرب أصبح في زماننا يتخذ بين عشية وضحاها ولأسباب واهية، وكلنا نعرف أن مسألة الأسيرين ذريعة لتدمير البنى التحتية للبنان الشقيق وتشريد سكان الجنوب أمام أعين العالم والمنظمات الدولية التي سأمنا من كلامها حول حقوق الإنسان

وحق الشعوب في الحياة الكريمة، ورغم أني مثل غيري من الشباب الذين ينشغلون بتحصيل لقمة العيش وتحسين أوضاع المعيشة إلا أن هذا لا يمنعنا من متابعة كل ما يحدث في الساحة الدولية وتحديداً صراعنا مع اليهود. لقد جعلتني الأحداث متوتراً ولا أستمتع بأي برامج أو أفلام بسبب الخجل مما يحدث في لبنان.

توأم وطني

بنفس عبارات الألم يقول «عمار ياسر من سوريا»: منذ الدقيقة الأولى للعدوان على بلدنا الثاني والجميع في سوريا يتوجع كثيراً لأن لبنان ليس جاراً فقط وإنما هو البلد التوأم لسوريا، ورغم كل الخلافات التي تعصف ببعض صناع القرار في البلدين لكن هذا لا يمنع أننا شعبان منصهران، تجمعنا روابط عائلية ومصيرنا مشترك وتاريخنا واحد.

وكلها مقومات قوية لا يمكن إزالتها بقرارات التواطؤ الدولي، وللأسف هذه الحقيقة غائبة عن حسابات الغرب وعندما خرج آلاف المتظاهرين في مدن سوريا من جنوبها إلى شمالها للتعبير عن حالة الغضب، لم يكن انفعالياً وإنما شعور بالمسؤولية تجاه أهلنا في لبنان.

لقد مررت في الأيام الأولى من الاعتداء بظروف صعبة أذكر أنني كنت ممزقاً بين نشرات الأخبار والاتصال بسوريا لمعرفة أخبار الأهل في لبنان، إنه إحساس فظيع بالمرارة والألم والعجز أمام صور الدمار التي أكلت اليابس والأخضر، ورغم كل هذا كانت المقاومة الباسلة في الجنوب تثلج صدورنها بصمودها.

رائحة الموت تتربص بالجميع

ويرى مظفر جعدان سوري مقيم في الدولة: «إن الظلم الذي يقع على الشعوب العربية ومناظر الدم والخراب التي تصنعها إسرائيل وحليفتها أميركا يبعث بداخلنا شحنة من الغضب والسخط تدفعنا للنزول إلى الشوارع والتظاهر من أجل تحريك الرأي العام العالمي الميّت، وحرمة أراضيها،

وعلى ذلك أجد أن التظاهر في الوقت الحالي غير كافٍ ، وغير مجدٍ ولا أحد يلتفت إليه وأعتبره طاقة مهدورة. لذلك نحتاج قيادات شعبية حكيمة لديها تصور كامل لتاريخ الصراع كشعوب عربية، تبحث عن صيغة أكثر فعالية لمواجهة هذا العدو وتجاوزاته.«سلوى لونيس» جزائرية مقيمة تقول:«الأحداث المؤلمة في لبنان وصور الدم في كل مكان والموت الجماعي للمدنيين وتحديداً الأطفال والنساء أعادني إلى الماضي،

حيث الظروف التي عصفت بنا جرّاء الإرهاب والرعب والدمار في بلدنا، واستطيع أن أصف لك الحالة القاتمة التي يعيشها المدنيون في القرى الجنوبية وشوارع من الجنوب «رائحة الموت تنتشر في كل مكان تتربص بالأطفال الرضّع والأمهات الآمنات داخل البيوت، هي ليست بالحرب، بل زرع الرعب في القلوب، وتدمير الحالة النفسية للمدنيين وإدخالهم في دوامة الإحباط. هذا ما تمارسه إسرائيل على شعب أعزل يسكن البيوت والملاجئ.

نحن جسد واحد

ويقول: «السيد محمد عمر» مواطن: «لقد أدميت قلوبنا بسبب المجازر الوحشية التي ارتكبت بحق الشعب اللبناني، الذي هو جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، وفي الإمارات نعيش تفاصيل الحرب بشكل يومي ونحرص على العمل لتقديم المساعدات لإخواننا في لبنان الجريح، ونجلس لساعات طويلة أمام الفضائيات لمعرفة آخر التطورات،

والوقوف عند حجم المصيبة التي ألمّت بالأمة، فنحن مثل الجسد الواحد إذا مرض أحد أعضائه تداعى له باقي الأعضاء بالسهر والحمى، هذه حقيقة لا يمكن تجاوزها، فكل الشارع العربي يعيش هذا الألم والقلق، لذلك فكرّت في إنشاء موقع إلكتروني مع مجموعة من الشباب المتطوع يتحدث عن الأوضاع في لبنان وكيفية تقديم المساعدة، وما هي أشكال التضامن الذي يحتاجه لبنان لتجاوز المحنة.

كابوس أصابني بالكارثة

«كوثر خلفان بن سليم» فتاة مواطنة في مقتبل العمر تقول: «بعد العدوان على لبنان تغيّرت حياتي بشكل نهائي وأصبحت قليلة الفرح وأحسّ بكآبة داخلية، أبدأ يومي بمتابعة التطورات وأخبار العدوان الغاشم على الشعب اللبناني الشقيق، وأحرص على تغيير القنوات المتخصصة في الأخبار بمعدل كل دقيقتين،

وكأني أبحث عن خبر يعلن توقف كابوس الدمار على أطفال ونساء وشيوخ لبنان، لكن للأسف أكثر من أسبوعين ولا حياة لمن تنادي، لقد أصبحت قليلة النوم بسبب الأحلام المزعجة من مشاهد الدمار وصراخ الأطفال الملطخة وجوههم بالدماء، وبالمناسبة حالتي تنطبق على الكثير من صديقاتي.

أصبح معظم كلامنا عن الاضطراب النفسي الذي يتبع مشاهدتنا لصور الموت، أصبحت أتساءل دائماً بأي ذنب يقتل الأطفال وتقطّع أجسادهم الغضة لترمى في الطرقات، ومن سيتحمل دمهم، ولماذا نعيش في زمن اللا عدل، أسئلة كثيرة تتزاحم على عقلي، لكن بدون جواب شاف.

أمينة عماري