الحديث عن الماضي له خصوصية وطابع مختلف، حيث الحكمة والتجربة والحنين إلى كل ما هو أصيل. والسبر في غور الذكريات والتاريخ معا يكون له جمالية وفرصة مثالية قد لا تتكرر. وحديثنا مع سعد اسماعيل (68 عاما)، حديث عن البحر واللؤلؤ والشباب، هواياته ركوب البحر والغوص على اللؤلؤ..، والنوم على المسامير والزجاج وتكسير الحجر على الصدر.
فمنذ ولادته في مدينة «الدحيل» القطرية،أراد لنفسه أن يكون مختلفا عن الآخرين.في الرابعة عشرة من عمره درس القرآن الكريم واللغة العربية عن طريق «الكتاب»، ودخل البحر مع أهله، بوظيفة «التباب» خادما للسفينة. وكان يجلس في مقدمة السفينة ويرشد البحارة عن أحوال البحر و «الربطات الجاية»، ويحذرهم من قدوم القرقور «سمك القرش»
ويقول: كنت أنال نصيبي من المحار بعد أن يتم فتح المحصول، وهو من المحار الصغير «السحتيت»، فيقولون انه من نصيب التباب، وبعد البيع يقولون «للطواش» تاجر اللؤلؤ لا تنسوا التباب. ويشتري الذي معي.رحلته الأولى في البحر، استمرت لمدة أربعة أشهر، تعلم خلالها الغوص في أعماق البحر، وفي سن السادسة عشرة كان يغوص الى عمق 5 الى 7 أمتار .
بعد أن تعلم الغوص ذهب عام 1958 إلى السعودية وعمل هناك في شركة آرامكو، وتعلم السباحة في البركة والغطس على اللوح ورياضة كمال الأجسام، حتى أنه حصل على المركز الثاني على مدينة الظهران السعودية في رياضة كمال الأجسام، كما تعلم النوم على المسامير بمفرده ولاحقا تعلم النوم على الزجاج، بالإضافة إلى أنه كان يضع يديه تحت عجلات السيارة،مظهرا قوة تحمل غير عادية.
و في عام 1964 حصل على المركز الرابع في كمال الأجسام في قطر بعد عدة سنوات من العمل في السعودية عاد إسماعيل إلى قطر واستمر في مهنته في البحر والغوص على اللؤلؤ، وكذلك النوم على المسامير والزجاج وكمال الأجسام وغيرها من الهوايات. إسماعيل يؤكد أنه أول من تزلج على ماء البحر في قطر، ويعتبر أن البحر وكل ما يتعلق به هو رياضته ودواؤه.
تعلم العديد من اللغات دون أن يدرسها، فهو يتقن الإنجليزية ويتحدث بها بطلاقة، بالإضافة إلى تحدثه بعدد من اللغات منها مثل الأوردو، الفارسية، الإيطالية، والصومالية المحلية.الحديث عن الغوص معه مختلف، فهو مغرم بما يجود به البحر من كنوز. يقول: «كنت أغوص لفترة دون استخدام الأوكسجين الاصطناعي، لكن بعد توفره بدأت أغوص عبر «السكوب دايفن»،
وذلك بهدف قضاء أطول وقت ممكن تحت الماء، ولله الحمد خبرتي وقوة تحملي تجعلني أمكث في البحر لمدة أطول من الآخرين، فإذا ما نزل غواص محترف فإن الأوكسجين ينفد منه خلال ساعة إلا ربع، لكني أستطيع المحافظة على الأوكسجين لمدة أطول تصل إلى ساعة و10 دقائق،وحينما أشعر بالتعب تحت الماء اجلس في موقعي ماسكا بحجر وأقوم بأخذ نفس عميق وبعد أخذ قسط من الراحة،أكمل عملي تحت الماء».
ويقول إن البحر القطري يعتبر من أغنى المواقع الخاصة بالغوص «الهيرات»، زالكويتيون وغيرهم يأتون إلى الهيرات القطرية في السابق قبل أن تخرج مسميات المياه الإقليمية.ويذكر أنه في السابق كان اللؤلؤ وافرا في المحار، أما الآن فالأمر مختلف نوعا ما،وذلك بسبب شحة الأمطار التي تسقط على الخليج. ويوضح أن هناك علاقة بين المطر والمحار، فقطرات الماء تذوب مع مياه البحر، أما الذرات المصاحبة للمطر، فهي تنزل الى قاع البحر،
ودائما ما يكون المحار تحت الماء مفتوحا فتنزل هذه القطرات إلى داخل المحارة ومن هنا تبدأ عملية تشكيل اللؤلؤ. وبالنسبة الى أفضل أنواع اللؤلؤ، فيرى أنها: «الجيونية»، و تتخذ الشكل الدائري تماماً ومنها الدانة، لكنه يرى أن الجيونية هي الأفضل. «سعر التي بحجم «التيلة» ربما يصل الى مليون ريال قطري». ويضيف: أن قاع الخليج مليئ بها،،لكن من هو سعيد الحظ الذي يضع يده عليها، فالغوص مكلف هذه الأيام ويتطلب إمكانات.
وحول المخاطر التي تعرض لها في رحلته مع البحر، يقول: مرة واحدة فقط تعرضت فيها إلى الخطر وللموت المحدق، وكان ذلك قبل 7 سنوات تقريبا، حيث نزلت إلى البحر بمفردي، وعادة أرمي «البورة» تاركا نقطة إرشاد لي بعد العودة من البحر لمعرفة موقع الطراد أو المركب عبر حبل امسك به،
ولكن في تلك المرة فقدت الحبل وأنا تحت الماء، ولم استطع معرفة اتجاهي وموقع مركبي بالضبط، حيث فقدت السيطرة على تحديد الاتجاهات، كما أنني حينما نزلت إلى الماء لم يكن هناك تيار، ومعروف أن التيار تحت الماء أقل من التيار الذي على السطح، وبعد أن صعدت إلى سطح البحر، وجدت نفسي ابعد عن الطراد 10 أمتار تقريبا،لكن لشدة التيار لم استطع الوصول إليه، فكلما سبحت باتجاهه ذراع ارجع شبرا وهكذا،
وكدت أن أهلك ووصل الموت إلى حنجرتي، فرميت المحار الذي جمعته بعد عناء، وكذلك سلندر الأوكسجين، وبعد ذلك حاولت أن انزع لباس الغوص لكني لم استطع، وبعد صبر مكنني الله من الوصول إلى المركب، وما أن صعدت على ظهر المركب، حتى غرقت في نوم عميق، وبعد ساعة من الزمن استيقظت، ونسيت كل ما تعرضت له من خطورة، وغصت مجددا إلى البحر، ابحث عن المحار الذي فقدته، ولله الحمد وجدته، لكني لم أجد السلندر الى يومنا هذا.
إسماعيل يمر بحالة من الإحباط ، فهو على الرغم من التشجيع الذي يجده من الناس والجمهور الذي يشاهد هوايته،إلا أنه يريد تشجيعا واهتماما أكبر من قبل الدولة والمسؤولين للمحافظة على مهنة الغوص على اللؤلؤ. فيقول: «أنا آخر واحد في قطر مازال يزاول مهنة الغوص، ولا أريد لهذه المهنة أن تندثر».
راشد العيد
