في منزله الفخم في الشارقة يتنقل نور-الذي بلغ السابعة والسبعين من عمره من غرفة إلى غرفة ليُمسك بقطعة من تاريخ الإمارات قام بتوثيقها بنفسه على أحد الجدران توجد بورتريهات للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والمغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وبقية أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات.

فكل قطعة من الملايين الثلاثة التي التقطها تكشف عن المكانة التي كان يحظى بها ذلك الرجل الباكستاني الأصل لدى هؤلاء القادة بشكل خاص يميزه عن غيره من المصورين. يقول نور في هذا الصدد: «الشيخ زايد كان يصفني بأنني ابن هذا البلد، وعلى الرغم من أنني لم أحصل على الجنسية إلا بعد وقت طويل على وصولي، فأنا كنت دائما أشعر بأن هناك ما يربط بيني وبين هذا الوطن».

ويحمل نور بشكل رسمي لقب «المصور الملكي» لرئيس الإمارات وأعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات. يقول نور: «لدي كل الوثائق التي تثبت ذلك»®®. هكذا تحدث الرجل المهندم الذي تتدلى من عنقه الكاميرا والذي لا يحتاج إلى أن يبرز هويته لأي من مواطني الإمارات أو لأي ممن يقيمون فيها منذ سنوات طويلة.

فشهرته الواسعة لا تجعل الحراس الشخصيين للحكام يسألونه عن هويته، فالجميع يعرف ملامحه، إن لم يكن من مجرد اسمه. يقول نور: «حتى تلك الألفة التي أتمتع بها مع الشعب يعود الفضل فيها إلى المعاملة الحسنة والاحترام الكبير اللذين لطالما أولوني إياها الشيخ زايد والشيخ راشد ثم أولادهما بعد ذلك. وإذا حدث أن أوقفني الحراس في وجود الشيخ زايد فإنه يطلب منهم السماح لي بالدخول ويقول لهم: «إنه واحد منا».

وباعتبار أنه شاهد قادة الإمارات الحاليين في مقتبل أعمارهم، والتقط لهم صوراً في شبابهم وصباهم أثناء سفرياتهم وعطلاتهم، فإن نور لديه الكثير من القصص التي يمكن أن يحكيها في هذا الصدد، ولكنه حريص في كل ما يقوله عن ذكرياته معهم. يقول نور في هذا الصدد: «لا أريد أن يشعر الناس بالغيرة مني بسبب العلاقة الوثيقة التي كانت تربطني بقادتنا».

وبحكم قربه من الحكام والشيوخ فإنه كان يذهب معهم في رحلات الصيد وغيرها من وسائل تزجية الوقت. وبسبب أصوله الباكستانية فإن نور يحتفظ بعلاقات قوية وصور مع كبار الشخصيات الباكستانية مثل رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بنازير بوتو والرئيس الباكستاني الراحل محمد ضياء الحق وعدد كبير من حكام ومحافظي الولايات الباكستانية.

عند سؤاله عما إذا كان يفتقد باكستان، يصمت نور طويلا قبل أن يجيب بالقول: «بوسعي أن أعود إلى هناك وقتما أشاء. وأنا أشعر بقدر كبير من الفضل لمنحي الجنسية الإماراتية. وكما يفعل أي شخص فأنا أقوم بإرسال أموال إلى باكستان كي أساهم في تحسين الأوضاع هناك». ويضيف نور أن الميزة في أن تكون جزءاً من الإمارات هي أن تصبح في موقع يسمح لك بتكوين علاقات ممتازة مع الهنود أيضاً.

أكثر الذكريات قربا لقلب نور علي فيما يتعلق بالتعامل مع الشعب الهندي تدور حول التقائه رئيس الوزراء الهندي الأسبق راجيف غاندي لأول مرة في حياته. يقول نور، بينما أخذ يقبل صورة لغاندي التقطها له أثناء إحدى زياراته للإمارات: «أنا أحبه. فقبل أن يتم تقديمي إليه، نهض رجيف وتحرك صوبي وقال: «نور علي، كم أنا سعيد لرؤيتك!» لقد شعرت بالدهشة عندما علمت أن شخصا مثله يعرفني. وعندما سألته كيف عرفني، قال لي: «نور علي... كل الشعب الهندي يعرفك. نحن نشاهدك في كل مباريات الشارقة».

لم يمنع التقدم في السن نور من حضور مباراة الكريكيت التي جرت بين الهند وباكستان في أبوظبي هذا العام. وهو يقول: «كلهم أصدقائي». وهنا يقصد نور اللاعبين وسواهم من المشاهير. وسواء اختار المرء أن يصدقه أو لا فإن لدى نور الصور التي تُثبت كل ما يقوله.المشكلة الآن تكمن فيما حدث لكل الصور الفوتوغرافية الموجودة الآن عند نور في مسكنه، سواء في شقته الفخمة، أو في الشقة الأخرى الخاصة به والموجودة في البناية ذاتها.

فهذا هو الشغل الشاغل لنور، الذي يقول في هذا الصدد: «منذ سنوات قليلة تعرضت الفيللا التي أضع فيها تلك الصور وأغراضاً أخرى للسطو. غير أن اللصوص لم يسرقوا أيا من تلك الصور. فلم يسرقوا سوى ساعات ومجوهرات ثمينة، لكنهم في غمار بحثهم عما يريدون أتلفوا أكثر من مئة صورة».وحتى بعد أن دخلنا العصر الرقمي، فإن نور لا يزال يفضل التعامل مع الصور المطبوعة ولديه تشكيلة من الكاميرات تساعده على ممارسة مهنته.

يقول نور: «الكاميرات الألمانية قوية للغاية، غير أن الكاميرات اليابانية هي الأفضل فيما يتعلق بعمل العدسات. وما زلت استخدم الأفلام التقليدية في التصوير لأنه مهما كانت قدرات ومواصفات الكاميرات الرقمية، فإن صور الكاميرات التقليدية تظل هي الأفضل وأنا أثق بها بشكل أكبر. باستخدام الكاميرات الرقمية يشعر المصور بأنه بحاجه إلى التحقق مما صوره بعد التقاط كل صورة. وأثناء البحث عن الأفضل في تلك الحالة فإنك تفقد بعض اللحظات الثمينة».

وفيما نعود ثانية للحديث عن مستقبل صوره الوثائقية، يقول نور إن لديه الآن عددا من العروض بشأن تنظيم تلك الصور وأرشفتها واقتسامها مع المجتمع من خلال عروض عامة. ولكنه لم يصل بعد إلى قرار نهائي بشأن ما سيفعله في هذا الصدد في المستقبل.فمن ناحية، أخذت إحدى بناته ـ لديه ثلاثة أولاد وثلاث بنات ـ مبادرة حماية صور أبيها بشراء ماسحة ضوئية (سكانر) لتنظيم صور أبيها ووضعها في كتالوجات.

يقول نور: «لقد قامت باستقدام شخصين لهذا الغرض، ولكن المشكلة في هذا الصدد تكمن في أنني مضطر إلى الجلوس معهما لأخبرهما بتفاصيل كل صورة». وهذا أمر بالطبع نادر الحدوث مع نور في ضوء ولعه الشديد لالتقاط الصور، وهو ولع لا يخبو بريقه أبدا.

هناك أمر واحد فقط يبدو نور متأكدا منه في هذا الصدد، وهو أن عائلته ينبغي لها أن تواصل الاستفادة منه طوال حياته ومن طاقته في التقاط الصور. يقول نور: «أولادي يعيشون بشكل جيد الآن، ما شاء الله. ولكنني أود التأكد من أن لديهم ما يدخرونه لوقت الشدة. وحتى إن لم يكونوا يحتاجونه، فإنه يمكننا إنفاقه في أغراض خيرية».

ويضيف: «لن أترك لأولادي أي شيء في صورة أصول مادية. فصوري هي تركتي وأتمنى أن تخدمهم تلك الصور في وقت لاحق». ويضيف: «عندما يكون الناس أحياءً فإنه يوجد من يحبهم ويتذكرهم. ولذا فإن التحدي الحقيقي يكمن في أن يكون هناك من يتذكر المرء بعد رحيله. فلننظر إلى المهاتما غاندي. لقد نسيته الهند».

وعلى الرغم من أنه لا يقولها صراحة، إلا أنه من الواضح أن نور علي أيضاً يتملكه الخوف من ألا يتذكره الناس بعد رحيله لأنه كان مصوراً فحسب.وخلال مسيرته الطويلة التي انتقل فيها من مجرد مصور شاب طموح قادم من غوادار إلى مصور محترف ساهم بأعماله في عدد كبير من الكتب التي تملأ المقاهي والمحال، فإن نور علي تطور أيضاً في ملبسه وهيئته العامة حيث ولّت تلك الأيام التي كان يرتدي فيها بزته الأوروبية، أو يُرى حالياً بالزي الوطني الذي يفخر بارتدائه.

غير أنه قلق من أن يتعرض تاريخ بلده، عندما يُقدم أحدهم على كتابته، إلى التشويه أو يتم تناوله من منظور ضيق. يقول نور في هذا الشأن: «يجب أن يكون هناك توثيق كامل وشامل لتاريخ الإمارات العربية المتحدة. لقد رأينا صورا كثيرة توضح التغيرات التي حدثت للمنظر العام للبلاد.

هناك بعض الكتب التي تُبرز الصبغة الغربية للمجتمع الإماراتي في الخمسينات، لكنها في الوقت ذاته تُهمل وجود الشعب الآسيوي. ما آمل أن أراه في سنوات عمري هو كتاب شامل عن الأرض وتطورها في الإمارات العربية المتحدة». سيكون نور بالتأكيد سعيدا للغاية إذا انخرط في عملية تأليف في جمع مواد كتاب كهذا، وفي الوقت ذاته فإنه يبحث عن كاتب ليكتب سيرة حياته. فهو بالتأكيد لديه قصة حافلة ليرويها.

حاتم حسين