طموحة لا ترضى بالقليل، وجريئة لا تقبل إلا باقتحام المواضيع الشائكة وتناقش المسكوت عنه في مجتمعاتنا العربية، اشتهرت بابتسامتها الرقيقة التي لا تفارقها أبداً، حسبناها ابتسامة تصطنعها على الشاشة فقط، لكننا وجدناها مرتسمة على وجهها،
قدمت العديد من البرامج التلفزيونية على شاشة تلفزيون mbc واتسعت رقعة شهرتها مع برنامج مساء الخير يا عرب، وهي الشهرة التي جاءت لتكمل مسيرة مذيعة ناجحة استطاعت بثقافتها واختياراتها ان تكسب احترام المشاهد من المحيط إلى الخليج، حوار صريح جداً، وبصراحة مع نشوى، وكلام نواعم وغيرها الكثير من البرامج التي توجتها ببرنامج «نشوى» الذي تقدمه على شاشة تلفزيون دبي هذه الأيام.
لنشوى الرويني فلسفتها الخاصة في اختيار مواضيع البرامج التي تقدمها، وترفض ما لا يتناسب مع طريقة تفكيرها وقناعاتها المستمدة من شخصيتها القوية وثقافتها، فهي خريجة آداب قسم انجليزي، وحاصلة على ماجستير في العلوم السياسية، ودكتوراه في الاعلام الإسلامي،
إضافة إلى كورسات ودورات في اعداد ميزانيات الشركات وادارة الأعمال وتطوير استراتيجيات الاعمال، دراسات مختلفة صاغت توجهات نشوى الرويني التي لعبت الصدفة دوراً كبيراً في حياتها المهنية، لكن الصدفة التي جعلتها من أشهر مذيعات الوطن العربي لم تكن ضربة حظ، وانما بلورة لثقافة وحنكة شخصية مهيأة للعمل التلفزيوني بجدارة، ولذلك كانت اختيارات نشوى قوية من البداية رغم ما تعرضه شركات الإنتاج والمعلن على الأجهزة الإعلامية بشكل عام بما يخدم مصالحها وزيادة العائد المادي.
ومن هذه النقطة بالتحديد نحاول إلقاء الضوء على ملمح خلفي في شخصية المذيعة نشوى الرويني، تلك هي التي تتعلق بعملها في مجال الانتاج من خلال منصب الرئيس التنفيذي لمؤسسة «براميديا»، ولانها جربت العمل تحت رحمة المنتجين وما يفرضونه من برامج، ثم تجربتها بعد ذلك في أن تكون صاحبة القرار في إجازة البرامج التي تعرض على الشركة،
فقد كان سؤالنا الأول متحموراً حول هذه المفارقة، وبثقة شديدة في نفسها تقول نشوى: «انا لا أقدم شيئاً على شاشة التلفزيون إلا بعد اقتناعي به تماماً، ولا أقبل أبداً ان يفرض عليّ شخص أو مؤسسة موضوعاً لا أراه مناسباً لي، فاحترام الإعلامي لنفسه أولاً بما يقدمه للمشاهد هو نقطة الوصول إلى قلوب الجماهير، والحمد لله انني لم أسع للظهور على شاشة التلفزيون وليس لدي هذا الهاجس الذي ينتاب الكثيرين في كيفية الاطلالة على المشاهدين بأي صورة ولو كان على حساب شخصيته.
الإبداع ليس سلعة
وتؤكد نشوى الرويني أن الإبداع بشكل عام لا يمكن ان يعامل كسلعة في الأسواق، ولا أظن ان هناك مبدعاً حقيقياً يجيد التسويق لنفسه، اللهم الا قلة قليلة تخدمهم الظروف، وبالنسبة لي فأنا مسؤولة تماماً عما قدمته وما أقدمه من برامج وباستطاعتي الدفاع عنه بالحجة والمنطق، خصوصاً وانني رفضت تقديم الكثير من البرامج التي رأيتها لا تتناسب مع شخصيتي وقناعاتي،
ولم أجد نفسي يوماً مضطرة لقبول أية عروض تحت ضغوط حب الظهور، ومع ذلك فأنا لست ضد كل ما يقدم من برامج ترفيهية وهي مطلوبة لاشك، شريطة أن تكون في حدود المعقول سواء من حيث المضمون أو في كيفية التقديم، مهم جداً أن يكون لكل برنامج أهدافه، وأن يكون لكل مقدم برامج رؤية خاصة يضيف من خلالها شيئاً لرصيده الإعلامي، اما أن تكون البرامج مجانية تماماً فهذا أمر غير منطقي، ولا أعتقد أن هذه النوعية من البرامج تستطيع أن تحقق شيئاً يذكر في أذهان المشاهدين، فهي مثل فقاعات الصابون سريعاً ما تتلاشى وينساها الناس.
وعلى وجهة النظر هذه تتبنى نشوى الرويني موقفاً من البرامج والأفكار التي تقدم إلى شركتها الإنتاجية، فالأفكار تمر على لجنة مختصة تقيّم فكرة البرنامج المطروحة، تقول: الموافقة على برنامج جديد تتطلب وقتاً ودراسة من جميع النواحي، ولا توجد عندنا في الشركة آراء فردية تتحكم فيها الامزجة أو الأهواء وانما الرأي النهائي يكون جماعياً مما يخدم مصالح الجمهور والشركة والتلفزيون الذي يعرض المادة، وتنتج الشركة افلاماً وبرامج وثائقية وتراثية،
ولا يقتصر عملها على التلفزيون وبرامجه فقط، وكل هذه المواد تخضع للتقييم عن إتاحة مساحة حرية استطيع أن أصفها بالحرية المطلقة، ولكن ليس بمعنى ان تهاجم وتشتم وتجرح في الآخرين لتصنع بطولة وهمية تحت شعار الحرية، انما هو الاتزان في طرح القضايا بموضوعية تامة، ولأنني عملت تحت اطار مؤسسات انتاجية وقدمت برامج محترمة أرضت جميع الأطراف وحققت اهدافها، فالشيء بالشيء يذكر، انا أشجع الأفكار الجديدة والجريئة وأوافق عليها دون تعقيد أو مماطلة،
ومن البرامج التي أنتجناها وحققت نجاحاً كبيراً برنامج من سيربح المليون وبرنامج على ورق، وبرنامج يالا شباب، كذلك قمنا بإنتاج فيلم الفرعون الصغير، إنتاج بريطاني فرنسي مشترك، ونحن نعمل حالياً على إنتاج مشروع توثيقي مع هيئة التراث الإماراتية، ولدينا الكثير من المشاريع المستقبلية تحت الدراسة.
المنتج المبدع
ما طرحته نشوى الرويني في مجال الإنتاج وكيفية إدارة الأعمال، دفعنا لأن نتساءل عن إمكانية الممازجة بين حرية الإبداع وحركة الأموال في عقلية واحدة، مع أن هذا ليس جديداً وقد مارسه بعض الأشخاص والمؤسسات في فترة الستينات والسبعينات،
لكن حالة الفوضى الإنتاجية التي تسود حالياً على حساب كل ما هو جيد ومفيد هي التي جعلتنا نطرح التساؤل، فالمعادلة صعبة بدون شك، فالمنتج ليس لديه استعداد أن يصرف أمواله دون أن يحقق العائد المناسب، وكذلك الأمر بالنسبة للمبدع الذي يريد تقديم إبداعه بشكل محترم، وأعتقد أن المعادلة يمكن أن تتحقق إذا استطعت أن تقف في المنتصف لتخلق موازنة بين المادة ومضمونها وتكلفة إنتاجها والعائد الذي ستحققه، وأنا قدمت الكثير من الأعمال،
كذلك أنتجت برامج أخرى ولم يحدث أن تعرضنا لخسائر كبيرة، فأنت تستطيع أن تقدم أعمالاً محترمة وتربح منها في نفس الوقت، لكن عودة لمضمون السؤال نعم هناك برامج انتجناها وخسرنا فيها، وكنت أنا من تحمل مسؤوليتها، لقد أحببت مضمونها الجيد وتحمست لها كثيراً، وعندما خسرت لم أندم أبداً، لأنني مقتنعة تماماً بما أفعل، وقياساً على ذلك هناك منتجون جادون دخلوا في تجربة تقديم أعمال جيدة للغاية وحازت على رضا النقاد،
لكنها فشلت جماهيرياً ولم تحقق العائد المادي أو حتى تكلفتها، لكن ليست هذه نهاية الإبداع أو نهاية المنتج، وفي هذا المقام سأذكر لك تجربة أقدمت عليها وتحمست لها، وهي تجربة تسويق الفنانين العرب في أوروبا، الجميع كان ينظر لهذه التجربة باستهجان كبير، ويتساءل البعض عن مدى قدرة نشوى الرويني على أن تقدم فرص عمل للفنانين لدى الغرب، وقد كنت أتكفل بجميع نفقات التنقل والإقامة وترتيب المواعيد وعمل الدعاية للفنانين العرب،
وأعتقد أن الفنان غسان مسعود سيعوض ما صرفته في هذا المجال بعد أن نجح في اقتحام عالم الفن في أوروبا، وأظن أننا قدمنا خدمة لفنانينا واستفدنا نحن مادياً أيضاً، رغم علمنا بمدى خطورة المجازفة.
ونحن نتحدث عن الإنتاج وعالم المال سألت نشوى عن مدى حبها للمال وماذا يعني لها وهي المثقفة الواعية؟ ضحكت كثيراً ثم قالت: أليس المثقف والمبدع إنساناً يحتاج للمال مثل غيره من الناس، إذا كنت تقصد أن المبدع دائماً ما يكون بسيطاً فهذا صحيح، لكن إذا جاءته الفرصة لأن يبدع ويعمل ويصبح ميسور الحال فلماذا لا، وسأقول لك بصراحة، أنا مسرفة بدرجة امتياز،
ولا تستقر النقود في حقيبتي أبداً، ومع أنني منتجة وأعمل في هذا المجال إلا أنني لا أنظر للمادة إلا كونها وسيلة للعيش، ولن تصدقني إذا قلت لك إنني عندما كنت أعمل بأموال الآخرين كنت مقترة للغاية وأحسب حساب كل شيء، لكنني عندما بدأت العمل بأموالي بسطت يدي ولم أعد أدقق في المصروفات الجانبية، وفي كل الأحوال الحمد لله على كل شيء.
نشوى الرويني تعمل على إصدار مجلة تحمل اسمها، إضافة إلى تأسيس مؤسسة للأعمال الخيرية، أما المجلة فدليل على سعي نشوى لاقتحام أي مجال تقدم من خلاله عملاً إبداعياً يعود عليها بالربح، وأما المؤسسة الخيرية فهي دليل على نظرة نشوى للمال وأين يوجه جزء منه ليصل إلى المحتاجين، وكلا الحالتين توضحان ملمحاً حيوياً على شخصية نشوى الرويني، هذه المذيعة التي يعرفها جمهور التلفزيون في الوطن العربي، أما حياتها الخاصة فهي عادية جداً،
كانت تمارس رياضة التنس كلاعبة ممتازة لا يشق لها غبار، لكنها لم تفكر في الاحتراف لأسباب دراسية واجتماعية، غير أنها لم تنقطع عن ممارسة هذه الرياضة إلا منذ فترة وجيزة، وذلك عندما تعرضت لتمزق في العضلات أجبرها على الابتعاد عن الملاعب، كذلك هي قارئة نهمة تهتم بالإصدارات الجديدة وتتابع الإبداعات المختلفة، تحزن كثيراً عندما تشعر بالخديعة، وتفقد ثقتها في الأشخاص الذين ينقضون العهد ويلعبون على الحبال.
عز الدين الاسواني :

