مرح خفيف الظل تنعكس روحه الفنية والموسيقية على سلوكياته وتعامله مع محيطه من الأصدقاء والزملاء، صلب قوي الإرادة يملك نفساً طويلاً في وجه الصعاب، نفس استمده من البيئة البحرية وخوضه غمار ركوب البحر مع الكبار وهو ما زال صغيراً بالكاد يخطو خطواته الأولى في عالم الطفولة. قادم من فترة الخمسينات محملاً بموروث شعبي وأحداث تاريخية أثرت في بناء شخصيته وأثرت مخزونه الفني الذي خرج فيما بعد في ألحان يتغنى بها الكثيرون.
وهو عازف إيقاع من الدرجة الأولى، ومؤلف يلتقط كلماته من الأهازيج الشعبية والفلكلور، ثم ملحن مخضرم استطاع أن يترجم إيقاع الأغاني البحرية إلى ألحان ما زال الجمهور يستمتع بها، وإذا كان الفن قد أخذه إلى عوالمه الفاتنة فأبدع فيها ليشغل حيزاً مهماً في أرشيف الأغنية الإماراتية، إلا أن نشأته ومسيرته الحياتية والاجتماعية وعلاقته بمحيطه تعطي صورة مشرفة، ونموذجاً لواحد من الرجال الذين صنعتهم فترة الخمسينات بمعطياتها المختلفة.
معاً.. نقلب في دفاتر الملحن إبراهيم جمعة، ونلقي نظرة على بدايات النشأة في منطقة ديرة و«فريج الضغاية» بالتحديد ما بين منطقة عيال ناصر وشارع النخيل، سادت حركة غير عادية في عشة بين عشش سعف النخيل المتناثرة في الفريج، تجمعت النسوة بانتظار مولود بالكاد اكمل شهره السابع يستعجل خروجه للدنيا، لكنهم جاءوا ثلاثة توائم،
مات اثنان منهم، وظل ثالثهم في حضانة بدائية تحت «جدر» كبير ـ من أواني الطهي ـ ليكبر ابن السبعة شهور ويحمل اسم إبراهيم، وليملأ الفريج صخبه وشقاوته التي لا تنتهي أبداً، يلتصق بوالدته كثيراً بحكم غياب والده في رحلات الغوص والصيد، فكانت بالنسبة له الأم والأب في آن واحد، والمربية التي ترعى وتوجه وتتحمل الشق الأكبر من مسؤولية التربية.
كانت أول من انتبهت لذكائه وميوله الفنية فألحقته ليحفظ القرآن عند المطوعة عوشة، وعن هذه التجربة يقول إبراهيم جمعة: أرى أنني محظوظ بان عاصرت تلك الفترة، فهي على بساطتها وقسوة الظروف المعيشية إلا أنها كانت غنية بالعلاقات الاجتماعية بين أناس طيبين، لا يعرف الحقد قلوبهم، ويتكافلون بطريقة لا أرى لها مثيلاً الآن،
فإذا ذبح أحدهم دجاجة في بيته فهو يكثر من الماء حتى يوزع «المرق» على أكبر عدد من الجيران، أما تربية الصغار فهي مسؤولية جماعية لا تقتصر على الأب والأم، كنا اذا أخطأ احدنا فهو يتلقى العقاب من أي رجل كبير في الفريج، وينال كلمات الشكر من أهالينا على قيامه بالواجب.
ابن السادسة يقضي 6 أشهر في البحر
يركز إبراهيم جمعة على العلاقات الاجتماعية القوية التي كانت سائدة في تلك الفترة، يقول: كانت الحياة بسيطة وليس فيها ما يدعو للمشاحنات والصراعات، كما أن النوايا كانت سليمة وكل واحد يعرف ظروف جاره التي لا تختلف كثيراً عن ظروفه، ولكي ادلل على طيبة هؤلاء الناس لا أجد حرجاً في ذكر زواج أبي من امرأة أخرى أنجبت شقيقي عتيق جمعة،
وكم كانت علاقتنا طيبة للغاية ليس فيها حساسيات كالتي نراها اليوم، إضافة إلى أنني في عمر الخامسة ذهبت لأحفظ القرآن عند سيدة فاضلة كان لها فضل كبير في تعليمي السرد والإعراب في سن مبكرة، كانت المطوعة عوشة معلمة بالدرجة الأولى وأما حانية أفرزها مجتمع طيب متكاتف على فعل الخير، لقد كانت تعلمنا اللغة العربية بطريقة صحيحة حتى نستطيع قراءة وحفظ القرآن بشكل سليم، وكنا نجد في بيتها راحة نفسية وحلولاً لبكائنا الطفولي.
وينتقل إبراهيم جمعة للحديث عن والده الذي يعتبره رجلا مكافحا زرع فيه قول الصدق والرجولة، يقول: ترك أبي دراسته وتفرغ للعمل حتى يستطيع أن يعولنا، كان كثير السفر في فصل الصيف بخروجه إلى رحلات الغوص على سفينة عيال البدور كنوخذة وغواص من الدرجة الأولى، وفي الشتاء كان يذهب إلى البحرين في رحلات الصيد،
غير أنه في أوقات فراغه القليلة كان يأخذني إلى ساحات الفنون الشعبية، فهو يعشق فن النوبان والنهمة بحكم مهنته كبحار، وربما أجد نفسي في حرج لان اعدد صفات والدي النبيلة، لكنني سأكتفي بما قاله عنه تجار دبي ومنهم المرحوم عبدالله بن عوقد والمرحومان أحمد ويوسف البدور،
فقد كانوا يتحدثون عن شجاعته وجرأته وأمانته، الأمر الذي جعلهم يثقون به ويجعلونه رباناً على سفينتهم. وجرأة والدي وشجاعته جعلته يأخذني في رحلة من رحلات الغوص الكبيرة وأنا في السادسة من عمري فقط، لقد رأيت بعيني ما يفعله الرجال على مدار ستة أشهر قضيتها معهم في البحر، ولمست حجم المعاناة والمشقة واشتياقهم أيضا لأرض الوطن، كل ذلك في سبيل لقمة العيش، وهكذا أراد والدي ان يضعني على محك مع الحياة وأنا صغير، لقد تعلمت الكثير من هذه الرحلة، وما زالت أحداثها مطبوعة في الذاكرة حتى الآن،
على الرغم من أنني كنت مجرد طفل يلهو هنا ويلعب هناك، لكن أن تتحمل البعد عن الفريج طوال هذه الفترة وأنت في البحر فهذا ليس بالسهل، كما أن أغاني البحر انطبعت في ذاكرتي بألحانها وأصواتها العذبة، تعلقت بفن التقصيرة واليامال والنهمة وفنون التجديف، كما أنني وجدت نفسي على تماس مع فنون الارتجال سواء في اللحن أو على مستوى الكلمة، وهذا الفن بالتحديد شكل ذائقتي الفنية منذ الصغر.
أفطر الصائمون قبل الأوان
طفولة إبراهيم جمعة عامرة بالأحداث، يذكر منها ممارسته مع الصبية للألعاب الشعبية مثل «اليوريد» ولعبة «حبيل حبال» و«قحفية» ولعبة «الكرابي» ويذكر أغنيتها القائلة «العب كرابي وأقول... واشرب من عين الحاقول» ـ وبحكم قرب البيوت من الشاطئ فقد اشتهرت الألعاب الشعبية بين الصغار فراحوا يتسابقون في السباحة ويمارسون لعبة «السخاعة» وسباق القوارب الصغيرة التي يصنعونها،
ولم تمنع طفولة إبراهيم أن يكون مشاكساً مع أولاد الفريج وأن يقوم بأعمال صبيانه تحمل المفارقة والطرفة، كان يوماً رمضانياً غائماً اختفت فيه الشمس، ولم يكن معظم الناس لديهم ساعات يعرفون بها الوقت، فصعدت إلى مئذنة المسجد ورفعت أذان المغرب ففطر نصف سكان الفريج على صوتي،
ولم يفطنوا إلى أنهم فطروا قبل الموعد بنصف ساعة عندما رفع الأذان مرة أخرى مؤذن المسجد ـ شقاوة طفولية كبرت مع إبراهيم جمعة ليشكل مجموعة من أولاد الفريج مهمتها حماية المنطقة من الغرباء، وأخذ على عاتقه قيادة المجموعة مع المرحوم الشهيد محمد كنارة، ولم تكن أفعالهم عبثية بقدر ما كانت تنم عن مكامن الرجولة في شخصياتهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية في وقت مبكر جداً، لقد كان من ضمن ألعابهم أثناء نزول المطر أن يضعوا الأواني لجمع أكبر كمية من الماء العذب، كان لهواً ومساعدة للأهل في الوقت نفسه.
في عام 1956 فتحت المدارس النظامية أبوابها، والتحق إبراهيم جمعية بمدرسة الأحمدية في منطقة الراس مع مجموعة بينهم جمعة غريب وبلال خميس والمنصوري والمرحوم محسن بركات وأحمد سعيد الغيث، ومن الأحمدية كانت الانطلاقة القوية لإبراهيم جمعة حيث يقول عنها: عندما التحقت بمدرسة الأحمدية وجدت الفرصة للتعبير عن مواهبي، وكان ناظر المدرسة آنذاك هو الاستاذ عبدالرحيم قدورة، هذا الرجل فتح أمامنا أبواب المعسكرات الكشفية التي أخرجت مواهبنا بصورة مذهلة، وكشفت عن انتماءاتنا الوطنية والقومية،
فقد شهد عامنا الدراسي الأول مشاركتنا في مظاهرة ضد الاحتلال البريطاني وعدوانه على مصر في عام 1956، وخرجنا إلى الشوارع منددين بالاحتلال وممارساته. ولموهبتي الكبيرة في عمل الكشافة اختارني الأستاذ عبدالرحيم قدورة للانضمام إلى الفرقة الموسيقية للكشافة وعلمني فن العزف على الآلات الإيقاعية.
من النادي الأهلي إلى فضاء العالم
كانت الدراسة في المرحلة الابتدائية تسير بصورة عادية، وفي موازاتها كانت المعسكرات الكشفية هي التي تشهد انطلاق مواهبنا ومشاكساتنا وأحلامنا أيضاً، إلى أن تعرفت على الصديق عبدالله بالخير في أحد المعسكرات، كنت في المرحلة المتوسطة آنذاك، وشكلنا ثنائياً من ذلك الوقت ولم نفترق حتى الآن وعندما انهيت مرحلة التعليم المتوسط التحقت بالثانوية التجارية وكانت تابعة لمجلس الإمارات المتصالح،
واستمريت في دراسة المحاسبة باللغة العربية والانجليزية حتى السنة الثالثة، وكان من المفترض أن ألتحق بإحدى الجامعات على حساب مجلس الإمارات بعد أن أنهي السنة الرابعة، لكن الذي حدث أنني تطوعت للمشاركة في حرب 1967، وذهبت إلى معسكر التدريب في بغداد دون علم أسرتي، كنا مجموعة تؤمن بالبعد القومي العروبي الذي تربينا عليه، وبعد عودتي وجدت رسالة فصلي من المدرسة، كان الناظر يدعى ميجر تايلور من بريطانيا، ولا أعرف حتى الآن سبب طردي من المدرسة، هل هو بسبب التطوع أم للتغيب؟
شهدت الأعوام الأخيرة من فترة الستينات نشاطاً غير عادي لإبراهيم جمعة، وفي صندقة خشبية في بيت جمعة غريب كان يجتمع مع المرحوم غانم غباش ومحمد بن سلوم وأحمد بن سلوم والمرحوم علي البدور ومحمد مطر، مجموعة لديها من الوعي الثقافي ما يؤهلها لأن تضع بذوراً لفكرة إنشاء نادي الشباب «النادي الأهلي حالياً» ليكون النادي بمثابة الفضاء الذي يستوعب أنشطتهم الفنية والرياضية والاجتماعية،
ونجحوا في ذلك إلى ان تدخلت شخصيات كبيرة ودمجت نادي الشباب ونادي الوحدة تحت اسم النادي الأهلي وترأسه آنذاك ناصر بن عبدالله لوتاه، هذه الفترة أيضاً شهدت مشاركة الثنائي إبراهيم جمعة وعبدالله بالخير في حفلات لصالح المجهود الحربي،
ومن ثم تم تشكيل فرقة موسيقية ضمت محمد سعيد الملا عازفاً على الأورغ، وسالم سيف الحوذ على الإيقاع إضافة الى مجموعة من الأصدقاء، وتم تسجيل ثماني أغنيات من كلمات وألحان إبراهيم جمعة وغناء عبدالله بالخير، وكانت جميعها من التراث والفلكلور الإماراتي، واستمرت التجربة إلى أن تخرج عبدالله بالخير من الثانوية والتحق بمعهد الموسيقى العالي بالقاهرة، وهناك سجل أول كلمات أغنية لإبراهيم وهي أغنية «معلاية» مع فرقة أحمد فؤاد حسن، ومن هذه اللحظة أخذ العمل الفني يأخذ شكلاً جديداً عند إبراهيم جمعة من حيث الانتشار.
ونعود مع إبراهيم جمعة إلى ما بعد طرده من المدرسة وإلى أية وجهة أخذته قدماه؟ يقول: عندما أصر ناظر المدرسة على عدم عودتي للدراسة التحقت بالعمل في مطار دبي كمسؤول شحن، كان معي سلطان الجوكر ونصيب سعيد وكانا يشجعاني على إرسال القصائد التي أكتبها الى الكويت، فربما تلاقي حظها من الاهتمام، ومكثت في عملي حتى اختارني الدكتور عبدالله عمران للعمل في وزارة التربية والتعليم وكان وزيراً آنذاك، وهو رجل بالمناسبة كان يقدر المواهب ويشجعها كثيراً،
وتسلمت وظيفة أمين مخزن الكشافة والموسيقى وبدأت رحلاتي الكشفية الى الدول الخليجية والعربية، وفي أحد المعسكرات رأني عبدالله النويس ، وكان وكيل وزارة الإعلام في ذلك الوقت، وضمني لوزارة الإعلام بدرجة موسيقي ممتاز، كان ذلك في عام 1974، وعملت في الوزارة على مع أخوة أكن لهم الاحترام وعلى رأسهم عيدالفرج ومحمد أحمد وسالم عثمان وأحمد يوسف وإبراهيم ياقوت وسالم سيف الحوذ وهيثم صلاح الدين وعبدالله حارب، لقد شكلنا فرقة محلية تابعة للوزارة بقيادة عيد الفرج، ومثلنا الدولة في مناسبات ثقافية ومهرجانات عدة في الدول العربية واليابان وفرنسا،
وبعد استقالة عيد الفرج تم تعييني رئيساً للفرقة، ومكثت في وزارة الإعلام حتى استقلت في عام 1988، لكني لم انتظر طويلاً لتسند لي مهمة الإشراف على المنوعات في تلفزيون دبي بأمر من سمو الشيخ حشر بن مكتوم، إلى أن تقاعدت العام الماضي لأتفرغ لألحاني وأعمالي الخاصة.
مسيرة إبراهيم جمعة الفنية معلومة للجميع، لكن ملامح شخصيته تحمل أبعاداً أخرى نحاول تسليط الضوء عليها بدءاً من عشقه للنادي الأهلي، فهو متعصب للغاية لدرجة انه لا يطيق محادثة أحد أثناء مشاهدته للمباريات، وبقدر عشقه للكرة فإن نصيبه من الممارسة ظل مرهوناً بملاعب الفريج، كان لاعباً ماهراً يحسب له ألف حساب، ومع ذلك فإن مقعد الاحتياطي هو حليفه في النادي الأهلي مع الفريق الثاني، أما ان يلعب للفريق الأول فقد كان شيئاً لم يفكر فيه بشكل جدي، ربما لأن الموسيقى قد استحوذت على وقته وعقله، أما الرحلات فهي عشقه الثاني سواء الرحلات الداخلية أو السياحة الخارجية.
كان الخروج من الفريج مع أكثر من عائلة إلى مناطق الخوانيج والعوير بعد نزول المطر أمرا اعتياديا، يركض مع الصغار ليجمعوا «الحميض»، كذلك زيارة الأماكن السياحية في رأس الخيمة وخصوصاً عين خت، يكره الكذب والمكر والفن الرديء، ويفتخر بأنه ملحن لم يؤجر له مطرب، أي أنه يلحن الكلمات التي تعجبه، ملتزم بالفن الأصيل ويروق له التعامل مع كلمات عارف الخاجة وعلي الخوار وأنور المشيري وأحمد المري وحمد الكتبي. أما الشيء الآخر الذي يفتخر به فهو اختيار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم له كعضو في مجلس دبي الثقافي.
صداقة شخصية وفنية
شكل إبراهيم جمعة ثنائيا مع المطرب عبدالله بالخير من الوقت الذي التقيا فيه لأول مرة في فترة الستينات، ونشأت بينهما علاقة صداقة شخصية وفنية مستمرة حتى الآن، وفي شهادته يقول بالخير: إبراهيم جمعة فنان بالدرجة الأولى يستحق كل احترام وتقدير، ويجب على الدولة أن تكرمه بصورة لائقة لأنه قدم الكثير للساحة الغنائية الإماراتية سواء على مستوى الكلمة أو اللحن، وما يربطني بإبراهيم ليس مجرد صداقة، بل إنني اعتبره توأم روحي.
وهو إنسان مرح بطبيعته لا يحب التجهم، وعندما يجمعنا مجلس واحد فإن الآخرين لا يتوقفون عن الضحك من وراء القفشات التي نتبادلها سوياً، وإذا جلس إبراهيم صامتاً فإن شيئاً ما يكون ناقصاً في الجلسة، ومعروف عن إبراهيم انه يستخدم العقال في مزاحه دائماً، والجميع يتقبل هذا المزاح بصدر رحب.
أما عن طريقته في اختيار الكلمات التي يلحنها فهو دقيق في هذا الجانب، لا يقبل المساومة على فنه الذي يقدمه، وقناعته في ذلك انه يتمسك بتقديم فن يظل يحمل اسمه وليس تقديم أغنيات ضعيفة فقط لمواكبة الموجة، والوسط الفني يعرف هذا عن إبراهيم، أما عن شخصيته بشكل عام فهو إلى جانب عشقه للمرح فهو محب للسفر أيضاً، ولا أظن أن الاستمتاع بالسفر يمكن أن يكتمل بدونه، فهو له طقوسه التي يستهلها ونحن في طريقنا إلى المطار، ولا يتورع أحيانا من الإمساك بعقاله ويركض خلفنا في صالة المطار وفي الطائرة، وباختصار هو شخصية معجونة بالفكاهة وحب الآخرين.
وفي سياق الفرح والمرح يؤكد محمد كاجور مدير فرع روتانا في دبي على أجواء الضحك التي يخلقها وجود إبراهيم جمعة في أي مجلس، يقول: صداقتي لإبراهيم قديمة جداً، فقد تعرفت عليه من خلال صداقته لأشقائي، وتوطدت صداقتي معه بعد أن استلمت منصب مدير فرع روتانا في دبي وتعاملنا سوياً في تقديم أغنيات لمطربين كثر، والحق ان التعامل مع إبراهيم سلس للغاية إذا ما عرفت ميوله ومبادئه، فهو يعشق الفن واللحن الأصيل،
وغير مستعد لأن يتنازل عن ذلك أبداً، أما عن المستوى الشخصي والإنساني فهو إنسان يعشق التحليق في أجواء المرح والفكاهة، وجميع الأصدقاء عرفوه على هذا النحو، ولو غير من شخصيته هذه فلن يكون إبراهيم جمعة، ولهذا فإن إبراهيم لا يتحسس من وجودنا مثلاً في الأماكن العامة فيبدو رزيناً وهادئاً،
بل انه يطلق العنان لفكاهاته في أي زمان ومكان، وأذكر اننا كنا نتجول في سوق الذهب مع أحد المطربين الخليجيين، ومازحناه قليلاً فأمسك بعقاله وراح يركض خلفنا أمام دهشة الحاضرين وضحكاتهم. وبالنسبة لي فإن اليوم الذي لا يأتي لزيارتي يمر ثقيلاً للغاية، وأشعر ان شيئاً ما ينقصني، أما إذا جاء وجلس دون أن يمسك بعقاله ويلوح به فإنني أشعر بأن هذا الجالس أمامي ليس إبراهيم جمعة، فهو صديق للجميع يعرف معنى الواجب ويتعامل مع الآخرين على سجيته،
يكره النفاق والكذب ولا يحب أبداً أن يأمره أحد أو أن يفرض عليه شيئاً لا يريده، فهو حساس جداً ويملك مشاعر مرهفة تعكس دواخله الفنية، يعتز بأنه عاصر فترة الفن الجميل، وهو من عشاق أم كلثوم وعبدالوهاب، ومغرم أيضاً بالفلكلور الإماراتي وأغانيه الشعبية، وأخيراً أنا أعتبر إبراهيم جمعة بمثابة الأخ الكبير وأستفيد من خبراته في الحياة.
عز الدين الأسواني


