الفنان الدكتور عبد الكريم السيد، يجوب الأمكنة حاملاً فلسطينه في الحل والترحال، يفتش عن عزاء في الأرض وهو يتأملها بعين معقودة على شجر الحنين، وقلب خافق بحب الأرض كلها، يتفيأ بظلال المدن التي يزورها، ويتنشق هواءها بصدر واسع، وشغف كبير بمكوناتها الجمالية والإنسانية هكذا يسرد السيد ذكرياته بحلوها ومرها، راسما جغرافيا الروح بحساسية عالية ومنقباً عن أرضه الضائعة برموش عينيه يقول: السفر حياة جديدة، مختلفة كلياً عن الحياة العادية فعندما أسافر أجد نفسي مختلفا،إيجابيا، حيويا.

زرت العديد من العواصم العربية والأجنبية،وتجولت في فلسطين، مصر، الإمارات، السعودية، لبنان، سوريا، الأردن، الكويت، الجزائر، موريتانيا، اليمن، البحرين، العراق ،ومن الدول الأجنبية تركيا، قبرص، اليونان، بلغاريا، بريطانيا، الهند، سلوفاكيا، النمسا، أوكرانيا استراليا ورومانيا، وأحمل العديد من الذكريات لكل بلد زرته، أكثر هذه الذكريات سعيدة، ولكن بعضها مؤلم لدرجة أنني أتألم حتى من استعادتها، لذا سأمر على بعض هذه الذكريات المؤلمة أولا ثم بعد ذلك سأروي الذكريات السعيدة.

عندما زرت احدى العواصم الغربية عام 1978 وكنت حينها أحمل وثيقة سفر فلسطينية وبعد أن ملأت نموذج الدخول الخاص ( وكان هذا قبل استعمال الحاسوب ) كتبت في خانة الجنسية فلسطيني ولكن موظف الجوازات شطبها وكتب بدلا منها «بدون» وعندما جادلته بكوني فلسطينيا أمرني بالسكوت أو أنه سيعيدني من حيث أتيت.

حادثة أخرى، عام 1997 وبعد اتفاقات أوسلو، وبعد غياب أكثر من ثلاثين عاما لم أر الوطن عملت واسطة كبيرة لأحصل على تصريح (إسرائيلي) لزيارة بلدي وكنت أتوقع أنني ذاهب لأرى بلدي بعد هذه الاتفاقية وكل شيء فيها فلسطيني،إلا أنني فوجئت عند نقطة الحدود بأن العلم الإسرائيلي هو الذي يرفرف عاليا في سماء بلدي ولا وجود للعلم الفلسطيني،فتعجبت وكانت تجلس بجانبي سيدة فلسطينية عجوز فأخبرتها متسائلا عن هذا فقالت: «أسكت يابني لحسن يرجعوك» وهناك بعض من المضايقات التي كنت أواجهها أحيانا حين أتقدم بطلب للحصول على إذن للدخول إلى بعض الدول العربية وأواجه ليس بالرفض فقط، بل بالسخرية أيضا من جرأتي في التقدم بهذا الطلب.

ذكريات جميلة

يعود السيد إلى السفر وذكرياته الجميلة والتي بدأها حينما كان طفلا يقول: ركبت الطائرة أول مرة مع الأسرة حين ذهبنا إلى الكويت لأول مرة والمرات التالية، حيث لم يكن هناك خط مباشر إلى القاهرة فكنا نتوقف في بيروت وكان الوالد رحمه الله، يأخذنا ليرينا ما يسمح له الوقت، ويتابع توقفنا عند لبنان وجبل لبنان، وعندما كنا نصل إلى القاهرة، كنا نقضي أياما هناك نرى معالمها التاريخية ونستمتع بجوها الجميل قبل أن نعود إلى غزة، وتكون رحلة العودة بعد انتهاء الإجازة الصيفية بالمثل. كان ذلك في نهاية الخمسينات من القرن المنصرم واستمر السفر بغرض الزيارة أو الاستجمام أو طلبا للعلم حتى وقتنا الراهن.

من بغداد إلى دمشق

رحلتي الأولى منفردا كانت عام 1965 حيث قبلت في كلية الطب جامعة بغداد، وذهبت إلى العراق وقضيت هناك عشر سنين إذ أنني قد عملت هناك بعد تخرجي .كانت فترة إقامتي في العراق من أجمل أيام حياتي وذكرياتها مازالت تداعبني رغم مرور الزمن، فقد كانت الحركة الثقافية والفنية في قمتها،

فعرفت أصول الفن التشكيلي والمسرح والقصة ومهرجانات الشعر،عرفت جواد سليم وفائق حسن وخالد الجادر كما عرفت جبرا إبراهيم جبرا الذي أعتبره الأب الروحي لي حيث كان مرشدي في طريق الفن ومعلمي في أمور الثقافة عامة، وعن طريقه عرفت -إضافة إلى المعرفة التشكيلية - السياب والبياتي واطلعت على أعمالهما الشعرية، كما كنت أقرأ كل ما يكتب أو كتب جبرا مما ولد عندي كما لابأس به من الثقافة أعتز بها.

زرت كل العراق من بغداد إلى سامراء إلى الموصل وكركوك والسليمانية وأربيل وصلاح الدين وسرسنك شمالا إلى العمارة والبصرة والعشار وصفوان جنوبا، بغداد أيضا كان لها الجزء الأكبر حيث كانت مكان اقامتي، فكنت أتجول بين الكرخ والرصافة وأسير على «الجسر» ونجلس في شارع أبو نواس على نهر دجلة الذي كنا نعيش تحولاته من هدوء إلى صخب إلى عنفوان قد يصل إلى حد الثورة أحيانا، كنا نأكل السمك المسقوف ونشرب لبن أربيل أو نذهب إلى « حاجي زبالة» وهذا اسمه، لنشرب الشربت وهو عصير الرمان الذي لا يوجد مثله.

كانت بغداد في تلك الفترة غنية بالفنون فكل يوم معرض مختلف لفنانين كانوا في بداياتهم وأصبحوا الآن من العالميين،كما كانت التماثيل تزين الساحات كما جدارية جواد سليم وجدارية فائق حسن في الباب الشرجي،وتمثال الرصافي والسعدون وكهرمانة، فكان حتى السير في الشوارع يكسبنا متعة ويزيدنا معرفة.

لا نوم في بيروت

توالت سفراتي إلى الدول العربية، وكان للبنان نصيب مهم حيث كنا نذهب إلى الجبل في الصيف لننعم بالجو الجميل ونرى بيت الدين والمهرجانات الفنية التي تقام فيه كذلك بعلبك التي تحكي تاريخا طويلا، كذلك نذهب إلى مغارة جعيتا حيث الجمال المختلف والتحولات الطبيعية لا يسعنا إلا أن نقول «سبحان الله» حين يأخذنا القارب الصغير داخلها.

في الليل نذهب إلى شارع الحمراء حيث «الهورس شو» و «كافيه دو باريه» وهما اسمان لأشهر المقاهي التي كانت تضم النخبة من الأدباء والفنانين والسياسيين من مختلف الدول العربية ليستمر الحديث على فناجين القهوة حتى الصباح.بعدها نذهب إلى ساحة الشهداء لنفطر المناقيش ونشرب الشاي بالنعناع، وحيث أنه لا نوم في بيروت، كنا بعدها نذهب لرؤية معرض فني أو زيارة لمراسم الفنانين مثل وجيه نحلة أو بول غيراغوسيان أو رفيق شرف ليستمر الحديث الممتع والمتنوع حتى المساء لنعود بعدها من جديد.

زرت الأردن أكثر من مرة، ولكن أهم هذه الزيارات كانت بمناسبة إقامة معرض شخصي لي هناك بدعوة من أمانة عاصمة عمان، كان الجو شتاء وفي تلك الفترة نزل الثلج بغزارة مما أكسى عمان حلة بيضاء دامت فترة إقامتي كاملة، فكانت متعة كبيرة، وأذكر أننا ذهبنا في رحلة إلى البحر الميت وكنا نرتدي العديد من الملابس الثقيلة لنتقي درجة الحرارة المنخفضة، ففي الطريق بدأت درجة الحرارة في الارتفاع،

فأخذنا في التخفيف من الملابس وما وصلنا إلا ونحن نرتدي «التشيرت والجينز» فقط. رغم المتعة في هذه الرحلة إلا أنني شعرت بحسرة عميقة وأنا أرى الضفة الأخرى التي تشمل بلدي ولا أستطيع الذهاب إليها رغم أنها لا تتعدى بعض الأمتار.

كانت زيارتي للمملكة العربية السعودية ضمن بعثة الحج الرسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة لذلك كانت الرحلة تدوم شهراً نقضي نصفه في المدينة المنورة التي شعرت فيها بروحانية خاصة لم أشعر فيها في أي مكان آخر وخصوصا عندما زرت البقيع وصعدت على جبل أحد وخلال زياراتي المتواصلة للمسجد النبوي والصلاة في الروضة وزيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام،وأهلها الطيبين ومعاملتهم الكريمة التي لا يوجد لها مثيل.

في مكة شعرت بالرهبة الكبيرة لرؤيتي الكعبة المشرفة،رهبة لدرجة البكاء .بعد أداء المناسك ذهبت إلى جدة ،حيث الجو العام مختلف تماما والحياة المرفهة التي تختلف عن حياة التقشف التي يعيشها الحجاج، وذهبت إلى البحر الذي أعشقه، لأجد شارعا طويلا مليئا بالتماثيل الفنية الغنية لفنانين عالميين وعرب من أشهر فناني العالم.

بلد المليون شهيد ووطن المليون شاعر

كان لليمن دور مهم في تنقلي في البلاد العربية حيث ذهبت هناك محملا بالتاريخ لأستعيده في صنعاء القديمة بمبانيها المميزة وحوانيتها وأزقتها الضيقة التي تحوي سوق الملح وسوق العقيق والجمبينات

(الخناجر التراثية) وعرفت قيم هذه الخناجر المختلفة التي تأتي من قرن الحيوان الذي اختير ليكون مقبضا لهذا الخنجر أو ذاك، كذلك قيمة ما تحتويه من فضة وزينة تختلف من خنجر لآخر.لفت نظري في بيوت صنعاء ضرورة أن تحتوي كل نافذة على الزجاج المعشق الذي يختلف من بيت لآخر إلا أنه يجتمع في تعدد ألوانه التي يكسبها ضوء الشمس إشراقا فوق إشراق.

الجزائر بلد المليون شهيد ذهبت إليها مشتاقا فاحتضنني بحرها بحنو لم أعهده من قبل وزرت حي القصبة وما يحمله من تاريخ دام ،فكنت أرى المقاومة الجزائرية خلف كل جدار مما أجبر المحتل على الرحيل حاملا معه ذله الذي مازال يلازمه.أعجبني في الجزائر زي المرأة، فرغم الاستعمار ومحاولاته اليائسة لفرنستها،إلا أن المرأة الجزائرية - بمختلف أعمارها- مازالت محافظة على الزي الذي يغطي الرأس والوجه إضافة إلى الجسم، بلونه الأبيض وتراهم وهن يسرن كأنهن حمامات ذاهبات إلى الماء.

من الجزائر ذهبت إلى موريتانيا ورغم الاختلاف في الحضارة والتطور ،إلا أن لموريتانيا طابعها المميز كدولة إسلامية صحراوية، وتعتبر بلد المليون شاعر.تختلف الأزياء النسائية هنا عنها في الجزائر حيث تمتاز بالألوان المتعددة التي يغلب عليها الألوان المشرقة كالأحمر والأصفر والبرتقالي وهي واسعة وفضفاضة وتسمى «ملحفة» وعندما نذهب إلى السوق، وحيث يكون أغلب الباعة من النساء، نرى لوحة طبيعية مليئة بألوان الورود.

مصر لها معزة خاصة عند كل العرب وأحمل لها ذكريات جميلة عزيزة على قلبي وكلما زرتها أكثر زاد حبي لها وتعلقي بها ،فهي ليست تاريخا وحضارة ونيلا فقط، بل هي أيضا ثقافة وعلم وفن، ليس الأهرام وأبو الهول فقط بل أيضا برج الجزيرة ودار الأوبرا ومتحف الفن الحديث ومتحف مختار، في الاسكندرية أيضا ليست البحر والقلعة والمنارة فقط ولكن متحف محمود سعيد ومتحف الأخوان وانلي ومكتبة الإسكندرية. بور سعيد والإسماعيلية وأكلة البوري وتحلية الشمام، شمس أسوان في الشتاء ومعبد أبو سمبل.عزيزة هي مصر وغنية بكل شيء.

توغل في التاريخ

بداية رحلاتي إلى الدول الغربية كانت رحلة جميلة إلى تركيا وبلغاريا بدعوة من اتحاد الطلبة العالمي حيث تمت استضافة عدد من الطلبة من جنسيات مختلفة من ذوي الموهبة الفنية لفترة شهر يقضونه في نشاط ثقافي فني، وكانت أول تجربة حقيقية لي لأتعرف على عالم مختلف عما تعودت عليه ،ورؤية أماكن جديدة والاطلاع على ثقافات مختلفة،

فكانت تركيا بالنسبة لي وكما رأيتها في تلك الفترة من نهاية الستينات من القرن الماضي، تعيش انقساما خطيرا بين حضارة اسلامية عميقة وبين تمرد علماني يحاول التغلغل داخل المجتمع التركي المحافظ، كذلك بحكم موقعها في أوروبا واسيا مما أثر على الحياة بصورة عامة والثقافة خصوصا.

كانت قبرص محطة أخرى لي حيث زرتها في فترة كانت هي البلد الوحيد- تقريبا- الذي أستطيع الدخول اليه بدون تأشيرة دخول،ولكنها كانت رحلة جميلة ،فقبرص عبارة عن أقاليم أو ولايات تختلف كل واحدة عن الأخرى من ناحية المناخ والطبيعة وحتى عادات ناسها.تأثرت كثيرا حين زرت الجزء التركي من الجزيرة حيث الفقر المدقع والبنيان المهدم والشوارع الضيقة الترابية بعكس الجزء اليوناني الذي يضاهي بتطوره المدن الأوروبية.

رحلة اليونان كانت من الرحلات التي تحمل عبق الماضي والتاريخ إضافة إلى جمال الطبيعة وتنوعها،الآثار اليونانية تأسر من يراها وتملكه وتفرض عليه أن يعيد قراءة التاريخ مرة أخرى، ليس فقط الأكروبولس ومعبد « أثينا» التي سميت العاصمة على اسمها، ولكن أيضا كل الجزر اليونانية التي تحكي كل واحدة منها قصة مختلفة، جبل الأولمب أيضا وصراع الآلهة، جليفادا وشاطئها العامر بالمقاهي والمطاعم التي تضم معظم السواح العرب من مختلف الأمصار. زيارة اليونان هي أوديسة لمن يريد أن يتعلم قراءة التارخ من جديد.

رحلة لندن الأولى كانت عام 1978 ،واضافة لانبهاري بما شاهدت هناك من بيج بين وتاور بريدج ومدام توسو وترفلغار وبيكاديلي سيركس وأماكن أخرى عديدة، كانت نقطة تحول بالنسبة لتاريخي الفني،فكانت أول مرة أرى أعمالا فنية حقيقية ومن مختلف المدارس الفنية من خلال زيارتي للمتحف الوطني، كنت أقف مشدوها أمام أعمال الفنانين الذين سمعت وقرأت عنهم وطالعت أعمالهم من خلال الصور أحيانا،

ولا أنسى حالي عندما شاهدت لوحة فان جوخ «عباد الشمس» أمامي كدت أطير وانتابني شعور هو خليط من السعادة والتعجب بل والجنون أيضا، فلم أكن أصدق بأنني أقف أمام اللوحة التي كانت أكثر شهرة من غيرها في تلك الفترة، أكاد ألمسها بل أشمها وأرى ضربات الريشة الشهيرة التي تعطيها ملمسها المميز، ولم أشعر الا والحارس ينبهني بأن وقت الزيارة قد انتهى وعلى المغادرة، وفي اليوم التالي أعود من جديد لأقف في أول الطابور. كذلك التيت جاليري وما يحتويه أيضا من كنوز فنية وقد قضيت بقية فترة زيارتي متنقلا بين المتحفين.

زيارة الهند كانت رسمية ،فقد كنت ضمن الوفد المرافق للمعرض التشكيلي لدولة الإمارات هناك لذا كان الاهتمام بنا كبيرا وكان قد أعد لنا برنامج حافل لزيارات متعددة لأماكن تاريخية وأماكن فنية متعددة في مدن متعددة من الهند مما أتاح لنا الفرصة للتعرف على العديد من الحضارات التاريخية من هندوسية ومغولية واسلامية وبوذية، وطبعا كان ضمن البرنامج زيارة تاج محل الذي يحكي قصة الوفاء والحب واطلعنا على فن العمارة الهائل.

النمسا بلد الموسيقى والموسيقيين قضيت فيها عاما كاملا أثناء فترة تخصصي هناك وكانت فرصة لي لأرى أوبرا فيينا التي تعتبر من أرقى دور الأوبرا في العالم إذا لم تكن أرقاها ويؤمها العديد من الرؤساء والزعماء والشخصيات المهمة من جميع أنحاء العالم.عند زيارة فيينا ترى الموسيقى في كل شيء، حتى الحدائق، فزهورها منسقة على شكل نوتات موسيقية تحيط بتماثيل الموسيقيين المشهورين مثل شتراوس وموزارت وبرامز وباخ ..

ليست الموسيقى فقط في فيينا بل هناك أيضا المعمار التاريخي المميز وهناك شارع لا تدخله السيارات، وهو عبارة عن مقاه تزينها الورود ومحلات تبيع الشوكولاته والآيس كريم وهو من المعالم المهمة هناك مثله مثل «الشانبرون» وهو قصر امبراطور النمسا، أيضا ضفاف الدانوب بشجرها الوارف وهدوئها الاستثنائي،الغابات وأشجار الكروم التي تراها أينما ذهبت.

لابد من زيارة إلى سالسبورج أثناء الرحلة إلى فيينا فهي تبعد حوالي 300كم وتمتاز بالجبال الشاهقة المكسوة بالثلج طول أيام السنة وهي مكان خاص للتزلج حيث يصعد المتزلجون بالتلفريك مسافات عالية ليصلوا إلى قمة الجبل لينزلوا على الثلج.هناك أيضا بيت موزارت الذي تحول إلى متحف يؤمه العشاق من جميع أنحاء العالم.

شيء طريف في سالسبرج هو قصر ضخم بناه الامبراطور خصيصا ليكون قصرا صيفيا يستضيف فيه من يحب، وقد تم تزويده بالمقالب التي تعتمد على الماء والتي كان يستغلها في الضحك على ضيوفه، فمثلا غرفة الطعام كأي غرفة طعام فخمة أخرى، ولكن ما أن يجلس الجميع حتى تندفع المياه من أسفلهم حتى تغرقهم وهكذا حتى عندما تسير في الحديقة الضخمة لا تعرف من أين تندفع إليك المياه.

الكنغر والكوالا

استراليا رغم أنها قارة الا أنها مازالت مستعمرة بريطانية تحمل العلم والنقود وحتى طوابع البريد البريطانية. كونها قارة ضخمة فلم أتمكن من رؤيتها كاملة واكتفيت بسيدني وما حولها،فهي من المدن الضخمة والمرتبة والنظيفة جدا، ولقد اندهشت من كثرة الجنسيات التي توطنتها وأخذت خيراتها الكثيرة ونسيت ابن البلد الأصلي ( الأبروجنيز ) دون أي شيء تقريبا والذي كنت أراه يعيش على هامش الحياة.

من معالمها العظيمة- إضافة إلى متاحف التاريخ الطبيعي والمتاحف التراثية والفنية - دار الأوبرا التي تشكل قبلة للسياح من جميع الجنسيات كذلك برج سيدني الذي يعتبر ثاني أعلى برج في العالم. وهناك رأيت الكنغر والكوالا وهما حيوانان لا يعيشان سوى في استراليا الأول قمة الحركة والنشاط والثاني قمة الكسل والهدوء .

في أوكرانيا التي زرتها بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وجدت التناقض بين الاشتراكية والرأسمالية على أوضح صوره وكيف يريد الجميع أن يصبحوا من أصحاب الملايين في أسرع وقت.مازالت كييف العاصمة تحتوي على الفن الذي يمثل الواقعية الاشتراكية من خلال التماثيل والمنحوتات الضخمة والتي تعظم الانسان والعامل بصورة خاصة بشكل فني راق لا بد أن تقف أمامه مشدوها وتقول الله.ضمن رحلتي هناك زرت مرسم الفنان الأوكراني العظيم «شيفشنكو» الذي تحول إلى متحف بعد وفاته ويضم معظم أعماله الفنية ،

ولكن الطريف في الأمر، ان المرسم - المتحف - موجود على قمة جبل عال جدا وطريق الوصول اليه تتطلب مشقة كبيرة ولا يستطيع الوصول اليه الا ذو اللياقة العالية، ومع هذا وجدته مكتظا بالمشاهدين.اشتركت أيضا في رحلة نهرية تستمر ثلاثة أيام وتنتقل الباخرة من مكان لآخر لتتوقف كل فترة في ميناء صغير ويطلب منا النزول لزيارة متاحف التاريخ الطبيعي والإنساني لكل منطقة من مناطق الرحلة فكانت متعة جديدة بالنسبة لي لم أشاهدها في أي بلد آخر.

في رومانيا لم ابق في العاصمة بوخارست الا فترة قصيرة وقضيت بقية الوقت في مدينة على البحر الأسود هي كونستانزا التي فوجئت بجمالها وهدوئها ،كما فوجئت بوجود الآثار الإسلامية والمساجد العديدة هناك وتحسرت على أيامنا الأولى وما وصلنا اليه لدرجة الوصول إلى أبعد الأماكن وقارنته بحالنا الآن والى ما وصلنا اليه نتيجة ضعفنا وانقسامنا.

ولقد وجدت الآثار الإسلامية أيضا في مدينة براتسلافا في سلوفاكيا في متحف المدينة على شكل نقود معدنية كتب عليها بالخط الكوفي القديم «محمد رسول الله» وعلى الوجه الآخر اسم الخليفة في ذلك الوقت. براتسلافا كانت جزءا من تشيكوسلوفاكيا وبعد الانقسام أصبحت عاصمة لسلوفاكيا، وهي مدينة جميلة على ضفة نهر الدانوب مقابل فيينا من الناحية الأخرى،ومن الممكن أن تصل إليها في مركب صغير لا يستغرق سوى خمس دقائق في عدم وجود القوانين الدولية.

من هذه المدينة ركبت القطار لمنطقة تسمى «تترا» وتقع على الحدود مع بولندا.الطريف في هذه المنطقة أنها جبلية ولقد استغلت لتحتل موقعا سياحيا متميزا لما تحويه من مناظر طبيعية غنية بالتنوع فهناك الجبال والسهول والبحيرات وقد مدت بكل وسائل الراحة والمتعة. هناك صعدنا بواسطة التلفريك إلى قمة جبل عال جدا لدرجة أن الغيوم أصبحت أسفلنا ونحن نصعد، وعندما وصلنا القمة وجدنا بحيرة ضخمة يغطيها الضباب أو الغيم، وهناك القوارب الصغيرة التي تستخدم لصيد السمك فيها.

إسماعيل الرفاعي