ثمة أناشيد ولدت حروفها في عرض البحر، في موجة حنين جارف إلى اليابسة، حين تتوغل المراكب في العمق، وتغيب مضارب الأحبة عن عيون البحارة. أناشيد نظمت على إيقاع الموج وتواشجت موسيقاها مع رنيم البر ووحشة الغياب. أناشيد تعطشنا إلى سماعها، علها تجلو أسرار البحر لنا،

وتقربه إلى أرواحنا ونحن نمد أبصارنا على السطح الأزرق الغامض الذي جابت أطرافه القصية، مراكب أجدادنا، في رحلة الكشف والمغامرة، حين كانت الجغرافيا هي خط الأفق آخر البحر. والبحر هو درب المعرفة الأول، وخارطة المجهول التي جابها أجدادنا بحثاً عن أرض أخرى يضمونها إلى مملكة الإنسان الكبرى. وهو زوادة السفر وزاد الشعر وثمار الحياة المتوارية تحت سماء الماء.

من هنا، نبحث عما يقرأ لنا البحر عبر خلاصة عمره الذي أمضاه هناك، ومن هنا التقينا ناصر بن حسن بن حميد الكاس آل علي أحد الذين جلبوا معهم البحر إلى اليابسة، كي نستمع منه في حديث ذكرياته، إلى دروسه الأولى التي تعلمها في عرض البحر، والكاس هو أول الذين جمعوا أدوات الصيد والغوص القديم، وأحد الذين ساهموا بتأسيس جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية والتجديف، منذ ان كان عضواً في فرقة آل علي للفنون الشعبية في السبعينات.

وقبل أن يتعرف الكاس على البحر،كانت الحياة في إمارة رأس الخيمة التي ولد بها، مرتبطة كلياً بالبحر، بطقوسها وفنونها واحتفالاتها التي تقام احتفالاً بعودة الذاهبين في رحلة البحث عن الرزق تحت الشمس الحارقة. هناك أبصر الحياة حوالي عام 1942 في بيت طيني متواضع في فريج آل علي، وهناك بدأت ذاكرته بالتقاط مكونات الحياة التي عاشها أسلافنا متنقلين بين البر والبحر في رحلات الصيد والغوص ومراكب التجارة التي تغادر ساحل رأس الخيمة، صوب البحرين وعدن وكينيا وزنجبار والهند. كان يتذكر أيام طفولته مع أقرانه وهم يلعبون على الشاطئ بانتظار عودة آبائهم من البحر ملوثاً بطين الشاطئ ومبتلاً بمياهه المالحة.

درس أول في عرض البحر

الدرس الأول الذي تعلمه في الحياة كان في عرض البحر، حين كان برفقة والده في رحلة للصيد ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة بعد. ذلك الدرس لا يعكس قسوة، إنما هو أسلوب في الحياة آنذاك، ونمط استطاع أسلافنا من خلاله أن يتغلبوا على قسوة الحياة وصعوبة العيش. حدث ذلك حين أخطأ الكاس مرتين متتاليتين في ربطة الشراع إلى السفينة، وحين تنبه إليه والده، حمله عالياً وقذف به إلى البحر، وكانت السفينة قد ابتعدت مسافة طويلة عن الشاطئ.

ولم يلتفت إليه والده إنما تابع سيره تاركاً ابنه يواجه مصيراً قاسياً ومجهولا بمفرده. و لم يكن أمام ناصر إلا أن يسبح باتجاه الشاطئ، وقد ساعدته مهارته في السباحة وخوفه من الغرق على الوصول آخر الأمر إلى بر الأمان بعد أن خارت قواه.

ويتابع الكاس سرد تلك الحكاية بابتسامة، يقول حين وصلت إلى المنزل، سألتني والدتي عن سبب عودتي وحيداً وسألتني عن والدي، وقد لاحظت أنني أخفي شيئاً وقد كنت خائفاً من إخبارها بما حدث، وحين أصرت على أن تعرف الأمر، أخبرتها بما جرى، فما كان منها إلا أن قادتني إلى منزل خالي وغادرت المنزل، ويضيف: حين عاد والدي ولم يجدنا في المنزل سأل الجيران عنا فأخبروه بأننا قد ذهبنا عند بيت خالي، حينها لحق بنا وجلب معه غانم بن حميدي وكان كبير العائلة آنذاك، ليصلح بينه وبين أمي.

لاشك بأن تلك الحادثة انحفرت عميقاً في ذاكرة الكاس، وجعلته يواجه الحياة وهو يشعر بأنه وحيد في ذلك. وبأن لامعين له سوى خبرته ودرايته وجلده.

في تلك الأيام لم يتلق الكاس تعليماً في المدارس، حيث لم يكن ثمة مدارس. لكنه حفظ القرآن الكريم على يد (موزه) مطوعة الفريج وهي امرأة خمسينية، ثم أصبح بعد ذلك يرافق والده في رحلات الصيد وطلعات البحر، وفي حراسة الصيد منذ الصباح وحتى المساء، حيث كان مع مجموعة من الصبية، يمشون مسافة11 كم مرتين يومياً، من رأس الخيمة حتى الرمس، مزودين بحفنة من التمر وقليل من الماء، كي يمضوا نهارهم هناك في حراسة الصيد من الطيور، بعد أن يفرده الصيادون بغية تجفيفه، وبعد أن يتم تجفيفه، يتم نقله إلى مراكز التخزين.

بعد ذلك تبدأ مرحلة صيد اللؤلؤ حيث أن لكل إمارة (هيارة) خاصة بها، ومواقع محددة لاستخراج اللؤلؤ، ويقول أن أغلب مراكب الغوص في مختلف الإمارات كانت تتجمع في دبي للتزود بالمؤن اللازمة، ثم تتوجه صوب هيارات ابوظبي مثل (أم الشيف، الفهرات) التي يكثر يها المحار واللؤلؤ. ويرى الكاس بأن أبو ظبي كانت مباركة منذ ذلك الوقت لاحتوائها على العديد من المغاصات الغنية، وأنها مصدر خير لدولة الإمارات قديماً في لؤلؤها وحديثاً في النفط الذي جعله الله عز وجل نعمة للناس.

ويتحدث الكاس عن طاقم سفن الغوص الذي يتألف من 40 غواصا و40 سيبا من الذين يمسكون بحبال الغوص و20 من الجلاس الذين يقومون بفلق المحار بالإضافة إلى النوخذة والمجدمي والنهام (المنشد). ويقول بعد عودتهم من رحلة الغوص الكبير أو غوص الصيف، حوالي 4 شهور يعودون مرة أخرى إلى البحر في (ردات) صغيرة تستغرق كل ردة 15 يوماً، حتى يحل الشتاء، آنذاك يتقلص عدد (الغيص) من 40 غواصاً إلى 10 غواصين وكذلك السيب، وكان تسمى (تبّات) الغوص تلك بالمثناة، وفي حين تقلصها إلى خمسة غواصين كانت تسمى مثلوثة.

بعد ذلك يتذكر الكاس مرحلة ذهابه إلى الكويت وعمله هناك في مجال المراكب وانتسابه لمدرسة المرقاب المسائية، وتعرفه على برنامج التراث الذي كان يبث كل يوم اثنين وقتها استمع إلى عبد الله الطائي وهو يتحدث عن تاريخ الإمارات وتراثها ومنطقة جلفار وغيرها، ثم تركه للمدرسة لكثرة انشغالاته ومسؤولياته.

يعود الكاس إلى رحلات الغوص الأولى التي رافق فيها والده وهو في عمر 15 سنة تقريباً، آنذاك تعرف على عالم الغوص القاسي، وشهد الغواصين وهم يغوصون في الأعماق بحثاً عن اللؤلؤ، منذ مطلع الفجر حتى المغيب، وكان الكاس قد عمل في فلق المحار مع طاقم الجلاس، بعد ذلك يتذكر رحلته مع والده للعمل في البحرين حين أمضى هناك عاماً كاملاً في صيد السمك، عاد بعدها إلى رأس الخيمة بمنطقة المعيريض، حيث استمر هناك عدة شهور أمضاها في صيد السمك أيضاً. بعد ذلك يذهب الكاس في رحلته الأولى إلى الكويت حيث عمل في العديد من المهن عاد بعدها طلباً للزواج الذي كلفه وقت ذاك ما يعادل 3000 روبية.

وحين بلغ الكاس عامه الثاني والعشرين توفي والده وعاش مع أمه وشقيقه وأخواته الثلاث، في بيت مبني من الحجر والجص بسقف مبني من خشب الجندل، ومزود بالمزاريب التي تمنع تجمع المياه، وفي فترات القيظ كان الناس ينتقلون إلى أماكن النخيل بواسطة قوارب تعبر الخور، وكان الحصول على مياه الشرب يتم عن طريق شرائه من السقا الذي كان يجوب البيوت منادياً «هلوى.. هلوى».

أنواع الصيد

لم يحترف الكاس مهنة الغوص أو السيب، إنما احترف مهنة الصيد التي تعلمها منذ نعومة أظفاره، وهي المهنة التي تأتي بعد مهنة الغوص أهمية في المجتمع الإماراتي القديم، وللصيد عدة طرائق وأساليب أتقنها الصيادون وأجادوا صناعة أدواتها بمختلف أشكالها، ومن أنواع الصيد: الصيد بالضغوة، الذي يعتبر من الأساليب التقليديه التي مارسها أباؤنا بمهارة عالية حيث يصطاد بواسطتها بعض أنواع السمك مثل القباب والخباط والعومة والتبان والكنعد، ويتم الصيد بالضغوة طيلة فترة الشتاء، ويتم الاصطياد برمي الشباك بواسطة سفينة واحدة أو سفينتين.

وهنالك الصيد بالليخ، وهو نوع من الشباك التي ترمى في عرض البحر، وهناك الصيد بالقراقير التي كانت تصنع من سعف النخيل وبعضها من الأسلاك المعدنية، ثم الصيد باللفح وهي طريقة الصيد بالخيط الذي يربط في طرفه بسنارة يوضع فيها الطعم. وهناك العديد من أنواع الصيد التي ذكرها الكاس والتي كان إتقانها من الأوليات التي يجب تعلمها في ذلك الوقت.

جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية

تحدث الكاس عن جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية معتبراً إياها البيت الثاني الذي يقضي معظم أوقاته فيها باعتبارها تمثل هاجسه الأكبر بعد ترجله من البحر واقتنائه لمجموعة كبيرة من عدد الصيد وأدوات الغوص التي جمعها في رحلة عمره والتي تشكل أم مقتنيات الجمعية، ويرى الكاس أن الجمعية قامت بدور كبير بتعريف الأجيال الناشئة على موروث أبائهم وأجدادهم من خلال اهتمامها بالفنون الشعبية والتجديف

ومن خلال إحياء التراث وتدريب المواهب الشابة على أداء رقصات وطقوس وجمع التراث الشعبي الغنائي، وتوثيقه، وقد قامت الجمعية التي يرأسها الكاس بتنظيم ممارسة هذه الفنون وتقديم الأهازيج وسباقات السفن وإقامة المعارض التراثية وإنشاء المتحف التراثي الدائم التي حرصت الجمعية على إنشائه وتطويره وإغنائه بالعديد من المقتنيات والكتب النادرة،

وهي تضم العديد من الفنانين الذي يقدمون اللوحات الغنائية والرقصات الشعبية والاستعراضية والذين قدموا أهازيج البر والبحر سواء كانت جماعية أو فردية، كفنون العيالة والمالد والعرضة، بالإضافة إلى الرقصات الشعبية كرقصة الليوا وفن الرواح والندبة واللقيا، وكل هذه الفنون التي أسهمت الجمعية في التعريف بها من خلال مشاركاتها في مختلف الأنشطة داخل وخارج الدولة، وتعتبر من المكونات الأساسية للمجتمع الإماراتي الذي عكست فنونه أصالة القيم التي امتلكها وعبرت عن روحه الإبداعية المتماهية مع طبيعة الحياة التي عاشوها برخائها وشظفها.

الاستماع إلى ذاكرة الحنين، وروح الأيام الغابرة والحاضرة في الوقت نفسه، كانت تجري على لسان الكاس بانسياب وسلاسة وصدق لا تملك إلا الإنصات إليه بكامل حواسك، وكأنك انتقلت عبر الزمن عبر الذاكرة الحية لرجل عاش حياته بكامل تفاصيله ببساطة وقوة تحمل وروح مغامرة تشكلت ملامحها في مغامرته الأولى حين علمه والده درسه الأول في عرض البحر وهو لم يتجاوز الثانية عشرة بعد. وكي تكتمل الحكاية وتتندى الحروف بماء الكلام، أنشد الكاس بعضاً من أناشيد البر والبحر التي كان يحفظها عن ظهر قلب:

ذاكرة الشعر

بي هم وبي علاتي بي وزا من صاحب العينه

غيرهن ماشي لذاتي يشفن الأمراض في حينه

هات تين وهات ميواتي وهات رمان ببساتينه

آه وازات عزاتي يرحوا قلبي بسكينه

ما على الفايت نداماتي طير باتي وطير ماباتي

وطير خفق في السموات يشتكي فرق المحبينا

دقني في النوم وعاني قلت يا هلا من وين هلييه

قال ييتك بوصف أعاني صاحبي لك في حشى بغيه

لو تبسم ضحك راواني بو ثنايا يا حصب جيه

هو نور الصبح لين باني والثغر زاهي بمريه

يوم رق الليل واسودي ياهموم بت أجاسيها

بت أعاذل صافي الخد دمعتي م الموق جاريها

كيف لي عطشان مايشرب كيف لي رويان تسقونه

مركب الحمال بايقرب والبدن غبات تودونه

إسماعيل الرفاعي