بما أن الإبداع جزء من الثقافة، فبمقدورنا القول إن للمثقف وجهين، أحدهما إبداعي ينفتح على عوالم الكتابة وطقوسها السرية وفضائها المسحور بخصوصيته، والآخر ثقافي يوغل في علانيته المعرفية واشتباكه مع أقرانه عبر أمكنة تؤرخ لهذا التواصل أو ذاك التطاحن، لكن يبقى الأمر في نهاية المطاف مؤطراً في شكل بؤر تجسّد حيوية المثقف بخلافه واختلافاته وصوته المتأرجح بين الصراخ والهمس. وهذه البؤر المليئة بعدة المثقف وعتاده تتخذ مسميات عدة، منها الصالونات، والمنتديات، والنوادي الثقافية والمراكز الرسمية وأخيراً المقاهي.
ولعل المقاهي من أكثر الأمكنة تعبيراً عن وجود المثقف وتواجده، وأكثر استيعاباً لانزياحاته الكلامية، وأكثر ملاءمة لحماقاته وخربشاته وعنفه الرمزي. وتعتبر إمارة الشارقة أكثر إفرازاً لظاهرة المقاهي الثقافية في الدولة، والتي شهدت خلال فترة الثمانينات وأواسط التسعينات ترجمة عفية لهذه الظاهرة التي سرعان ما تحولت إلى علامة بارزة على وفرة الثقافة والمثقفين. لكن ثمة اختفاء تدريجي بدأ يلوح في الأفق، تجلى في انسحاب كثيرين من دائرة التثاقف والمماحكات اليومية، وباتت أمكنة التلاقي مهجورة من قبل أناس كانوا يرتشفون الوعي مع القهوة.
لذلك كنا نسأل: ماذا حدث؟ ما الذي دفع بالمثقفين إلى هذا الانزواء المفاجئ وهذا العطب غير المفهوم؟ هل المشكلة في المثقف أم في أجواء أمطرت الحالة برمتها بالجفاف؟
الدكتور صالح هويدي يرى أن تلاشي هذا العنفوان والحراك الثقافي ليس بالضرورة أن يكون مرتبطاً بإفلاس المثقف أو انحسار دوره، بل ربما تعود المسألة إلى المتغيرات التي عاشها الأدب والمثقف، مثل إعادة ترتيب الأولويات التي يحياها المجتمع، فالإماراتي أكثر انشداداً لهمومه الخاصة واستغراقاً في الآفاق التي أتاحتها له فرص التنمية الاجتماعية ووعودها المستمرة،
ولا يظن هويدي أن المثقف الإماراتي غير سعيد بهذه الحالة، بل إنه يراهن على عدم استمرار هذا الوضع، لأننا جميعاً نشعر بحزن شديد عن غياب هذا الفعل الجميل.
الأديب إبراهيم مبارك، يتفق مع ما طرحه هويدي، لكنه أضاف أسباباً أخرى لاختفاء هذه الظاهرة، منها أن الطرق والمدن والمواصلات حالت دون سهولة التجمع واللقاء، فضلاً عن انشغال المثقفين بأمور الحياة الصعبة، وتشتت أفكارهم بسبب سوء المناخ العربي والعالمي الذي قلّل من حماسنا.
ويستطرد مبارك في مرارة ملحوظة: «كانت تجمعنا فلسفة متقاربة حول مفهوم الوطن والإنسان والعروبة والقومية، لكن التحولات الكبيرة مثل سقوط بغداد، أثرت كثيراً على معنوياتنا، فنحن كمثقفين معرّضون أكثر من غيرنا بالشعور بالحرج.. كل هذا جعل الجميع يراجع حساباته ومفاهيمه وأصدقاءه، خاصة بعد ظهور اختلاف واضح حول أشياء كنا نعتبرها من مسلمات حلمنا».
الدكتور عبدالمعطي سويد لم يخرج أيضاً عمّا سبق، وإن كان أكثر المداخلين تأثراً باختفاء هذه الظاهرة التي عرف مذاقها مبكراً خلال تحضيره لرسالة الدكتوراه بالسوربون في باريس، فيقول: «لقد عشت في الإمارات مرحلة حراك ثقافي حقيقي، ورأيت مدى روعة تلاشي الخط الفاصل بين المواطن والمقيم، وكنت أشعر أن الازدهار الاقتصادي يتزامن مع هذه الحيوية الثقافية..
وأعتقد أن العولمة بمنتوجاتها التكنولوجية لعبت دوراً في هذا التراجع في التواصل حيث أصبح معظم المثقفين يلهثون للحاق بعالم التقنية وعرف «الشات» والتواصل عبر «الإيميلات». لكن السبب الأكبر في اعتقادي في انفضاض المثقفين عن سامر الأدب والإبداع، يكمن في كارثة غزو الكويت وسقوط بغداد فيما بعد، حيث شعرنا بعدم جدوى الكلام في ظل الأحداث المأساوية التي عصفت بالمنطقة وتجاوزها لكل أفعال الكلام.
ثم يجب ألا ننسى أن بعض المقاهي أغلقت أبوابها وتحوّلت إلى مطاعم أو دكاكين بقالة، وإن كنت أرى أن هذه الأخيرة لا يمكن التعويل عليها كثيراً. الشاعر إبراهيم المصري خالف الجميع في نظرته للمقهى الثقافي، حيث قال: «لم يكن ثمة مقاهٍ ثقافية بهذا المعنى الذي يمكن أن ينصرف مثلاً على مقاهٍ مثل مقهى ريش بالقاهرة، أو الشابندر في بغداد،
وإنما كان ثمة مكان تلتقي فيه مجموعة من المهتمين بالكتابة، وهذا في حد ذاته لا يعبّر عن ملمح إيجابي أو سلبي، وإنما يعبر عن واقع كان ثم انتهى. صحيح أن المشتغلين بالكتابة كانوا يلتقون في بعض المقاهي خاصة في مدينة الشارقة، لكنهم ـ في رأيي ـ لم يشكلوا حالة ثقافية ترتبط بالمقهى أكثر مما شكلوا مجتمعاً صغيراً يتبادلون فيه الحوار في قضايا ثقافية وغير ثقافية».
ويمعن المصري في واقعيته التي ربما يرفضها بعض أقرانه حيث يرى أن اختفاء ظاهرة المقاهي ليس له علاقة بانحسار فاعلية المثقف، ولم يكن أيضاً حالة إفلاس فكري، لكن واقع الحال يقول إن المقاهي نفسها أغلقت أبوابها بعد منع تدخين الشيشة في الشارقة، فانفرط عقد من كانوا يلتقون على هذه المقاهي، فانحسار دور المثقف تجسد في حالة عامة شملت جميع أقطار الوطن العربي، وبالتالي لا داعي لربطه بوجود المقاهي من عدمها.
عالم الانترنت
وإذا كان الدكتور صالح هويدي يرى أن المقهى الثقافي هو المظهر الأكثر حضوراً وفاعلية بحكم شعبيته وانفتاحه وقابليته لاحتواء مختلف الاتجاهات والرؤى، فضلاً عن كونه لا يخضع للتشريط والتقنين المطلوبين في المنتديات الرسمية، إذا كان هذا ما يراه هويدي، فإن المصري يعود في هذه النقطة برؤية مغايرة حين يقول:
«أهمية الحوار وجدواه لا ترتبط كما أسلفت بالمكان، لكنها تكمن في قدرة المثقفين على إنضاج حالة عامة من التبادل الفكري والثقافي، وهذا يعود إلى إرادة المثقف من عدمها.. أنا شخصياً أشتغل على كتاباتي بعيداً عن أي تجمعات، ولقد استطاع الانترنت أن يقوم مقام المقهى الثقافي بدرجة أكثر جدية وثراءً».
في تقاطع أكثر حدة يدافع إبراهيم مبارك عن أهمية المقهى الثقافي الذي يراه خير مجسّد للمناخ الأخوي والمشاعر الصادقة بين المثقفين الذين كانوا يلتفون حول الهموم العامة ببعديها المحلي والعربي، ويعتقد مبارك أن لقاءات المقهى الثقافي لم تكن جوفاء، وإنما مثمرة ومنتجة، حتى انه يؤكد أن عدداً من الأدباء طوّروا من أدواتهم الكتابية، وزادوا من إنتاجيتهم نتيجة الحالة الروحية والعقلية الخصبة المتوافرة في المقهى وأجوائه.
حنين بالعودة
ويعتقد مبارك أنه لا بديل عن المقاهي، ويتمنى عودتها، فهي الأجمل في ظل الضغوط الكبيرة التي يعيشها المثقف، وهي متنفس حقيقي وانتشال من ضجيج التوافه وروتين الحياة اليومي. ومع ذلك يرى الدكتور سويد عدم أهمية عودة المقاهي بل ويشكّك في جدواها بسبب اختلاف طبيعة الهموم التي تشغل المثقف الآن، فالمقهى من وجهة نظره يفرز قضاياه الخاصة بسياق زمنه وتكوين الأدباء آنذاك، ويضيف بأن المثقفين صاروا عبئاً على بعضهم بعضاً لتغليب النزعة الشخصية بأهوائها ومشاحناتها على الهمّ الثقافي..
حتى أصبح الانترنت هو الملاذ البديل للمقهى لأنه لا يورّط مستخدمه في أي عراك أو تصادم سفيه.. وهو الرأي نفسه الذي يطرحه المصري بقوله إن الاجتماع الأهم في حياة المثقف يكون في الإنتاج الذي يساعد على حيوية الكتابة والإبداع.
كان لزاماً علينا في هذا التحقيق أن نبحث طويلاً عن صديق جسد حالة من الصعلكة الجميلة، وكان صاحب مقهى بالشارقة «تحول الآن إلى محل خياطة لملابس النساء». ولقد وجدناه عاد إلى القاهرة واستطعنا الوصول إلى رقم هاتفه..
انه فتحي الجعفري، قاص وروائي استثمر مدخراته القليلة في فتح مقهى اسماه «نور الصباح» وكان معظم زبائنه من المثقفين، يدخنون الشيشة ويحتسون المشروبات الساخنة، ثم يدفعون الحساب بعد انتهاء الجلسات، وهدوء المكان من النقاشات العصبية والعصيبة أيضاً.
الترحاب الشديد الذي استقبل به فتحي الجعفري صوتنا دليل دامغ على أن مقهاه كان مؤرخاً مخلصاً للصداقة.. هكذا يفخر الجعفري الذي قال بصوت يفيض بالحنين واللهفة: «قلبي لا يخفق بأي صداقات سوى التي انشأناها سوياً، في تلك الأيام التي صقلت وعينا إلى أقصى درجة.. وكان من المستحيل أن أغلق مقهاي، رغم شكاوى الزبائن من ثرثراتنا لولا منع تدخين الشيشة..
لذلك اتفق مع صديقي المناكف إبراهيم المصري في هذا الموضوع. وأشد ما يؤلمني من غياب هذه النوعية من المقاهي هو أنها كانت حافزاً حقيقياً لمقارعة بعضنا البعض بقراءة الكتب، واتخاذها مرجعيات كل ليلة ـ كنت أشعر بالغيرة كلما اكتشفت أن أحد أصدقائي طالع كتاباً ليس موجوداً لدي.. لقد كنا حقيقيين، ولدينا هموم، ولم يكن يجرؤ أحد على الانضمام إلينا اذا لم يكن متسلحاً بوعي ما. عموماً إذا شاءت الأقدار أن أعود للإمارات فسوف أسعى بكل جهدي لاستعادة، ولو جزء، من هذه الأيام، أرجو أن تبلغ تحياتي للجميع.
هكذا تباينت الآراء حول ظاهرة المقهى الثقافي في الدولة، منها ما اتصف بحنين شديد لتلك الأيام الخوالي، وأخرى تعاملت بواقعية أكثر شدة بانحيازها لمتطلبات المرحلة الحالية من حركة المثقف.. لكن في جميع الأحوال يبقى المقهى الثقافي في الدولة شريطاً يموج بالذكريات التي لا يستطيع أحد ممن عاشوها أن ينتزعها من بين ضلوعه.
مجدي أبوزيد