يتميز الساحل الشرقي بعشق أهاليه للحياة التراثية بألوانها ونواحيها المتعددة التي لم تستطع الحداثة بتشعباتها التأثير عليها كعشقهم لمصارعة الثيران والتي تبدأ عروضها عقب صلاة العصر الجمعة وتشهد إقبالاً كبيراً وحضوراً لافتاً للإثارة التي تنتج عنها.
وتحظى مصارعة الثيران بشعبية كبيرة بقدر المتعة والتسلية التي تدخلها في نفوس عشاقها، فهي مدعاة للحزن والخيبة لأصحاب الثيران الخاسرة. وأكثر ما يلفت في صراع الثيران حالة مدير الحلبة والملقّب ب«مثير الفتن» وهو المذيع والمعلق الذي يصدر أصواتا استفزازية تثير الثيران عبر مكبر صوت، ويتولى التعليق وإعلان النتيجة.
وعن الخسارة المؤلمة لصاحب الثور المهزوم يقول بعض عشاق هذه الرياضة إن الخسارة تتمثل في قيمة الثور نفسه الذي يساوي آلاف الدراهم والذي يتراجع سعره في حالة خسارته. يقول البعض إن حالة من الكره تقع بين الثور الخاسر وصاحبه، لأنه يعتقد أن ثوره ألحق له الخزي أمام الناس ولا يجد طريقاً للانتقام منه إلا بالذهاب إلى أقرب مذبح لذبحه ويذهب لشراء غيره ليعوّض خسارته المادية وهزيمته النفسية.
ومن الحكايات التي تروى عن هذه الرياضة أن أحد الشباب الذين يشاركون في هذه المسابقات اشترى خلال شهر واحد أكثر من عشرة ثيران، وكان حظه الفشل والخسارة فيها جميعاً. ويقول أبناء الفجيرة إن هذه الرياضة موروثة عن الآباء والأجداد حضرناها معهم ونحن في الصغر وكبرت معنا ولا نستطيع الاستغناء عنها ولا نملك أمام خسارة الثور الذي وقع عليه اختيارنا إلا المراهنة على ثور غيره في المرة المقبلة.
عشاق هذه الرياضة يتسابقون كل جمعة عقب صلاة العصر لحجز موقع متقدم في حلبة الفجيرة، حيث تبدأ المصارعة في تمام الرابعة والثلث. ويطالب عشاق اللعبة بإيجاد مكان مناسب ومجهّز من حيث المدرجات والعوازل بين الحلبة والجمهور.
ومن شدة تعلّق أهالي المنطقة بهذه الرياضة أنشأ أحد كبار المشجعين حلبة مصارعة خاصة على حسابه وجهّزها بالمعدات اللازمة للحفاظ على «النيروز» كما كان اسمها في السابق، ويقال إنه يملك أكثر من 77 ثوراً يشارك بها أسبوعياً ويستهويه شراء الثيران الفائزة.
يعتقد البعض أن أصل رياضة مصارعة الثيران تعود إلى البرتغاليين، ولا يعرف ما إذا كان البرتغاليون جلبوا هذه اللعبة معهم إلى المنطقة حينما جاءوا إليها مستعمرين أوائل القرن السادس عشر؟ أم أنهم أخذوها عن السكان خلال رحلة اندحارهم.
لعبة مصارعة الثيران وموغلة بالقدم، مثلها مثل الآثار التاريخية القديمة التي تحفل بها منطقة الخليج العربي، وتتميز المصارعة في إمارة الفجيرة عنها في إسبانيا إذ أن النزال فيها يدور بين ثورين ضخمين دربا لهذا الغرض وليس بين الإنسان والحيوان كما هو حاصل في النسخة الإسبانية للعبة، كما أنها في إمارة الفجيرة ليست مميتة وإن كان الأمر فيها لا يخلو في بعض الأحيان من الدماء بسبب قرون الثور القوية.
ويلحظ المتفرجون المحتشدون في حلبة الصراع في إمارة الفجيرة من مواطنين ومقيمين وسياح أجانب، هيمنة حالة الإنكسار على الثور المهزوم الذي يقاوم غريمه بشدة بينما يسيل الدم من رأسه ولا ينسحب إلا في أقصى حالات الهزيمة ولا يجد في بعض الأحيان مفراً من ذلك الحرج إلا الهجوم على الجمهور وهو في حالة هياج شديد وهنا يبرز دور فرق الحماية «الكومندوز» لرد الثور الهائج عن الجمهور وكذلك للفصل بين الثورين لحظة احتدام تشابك القرون لعدم إيذاء أحدهما الآخر.
وللعبة صراع الثيران قواعد وشروط مثل معظم الألعاب الأخرى ومن أبرزها وجود لجنة تحكيم تشترط عدم مناطحة ثور لآخر أقل وزناً وإمكانية وسناً وضرورة أن يكون الثوران من نفس الفصيلة لضمان الحياد ويتم إحضار الثورين الى الحلبة التي هي عبارة عن قطعة أرض مربعة مساحتها بين 500 ـ 1000 متر مربع ويتراوح اللقاء ما بين خمس وعشر دقائق وأحياناً يمتد الى نصف الساعة ولا ينتهي النطاح إلا بقرار أحد الثورين المتصارعين أمام ضربات قرني غريمه المتلاحقة، ويكون من مهام الحكام أيضاً إعلان إنهاء المباراة عند الفوز أو التعادل وعادة ما يسود النهاية خليط من مشاعر النصر والهزيمة.
ويتم ربط الثورين المتصارعين قبل النزال بشكل دائري وكذلك ربط اليد اليمنى لكل ثور بحبل يتراوح طوله بين 20 ـ 30 متراً على ان يمسك طرفه أحد المكلفين بإدارة المناطحة ويتقابل الثوران بعد ان يتم إطلاق الحبل عند هجوم أحد الثورين باتجاه خصمه وبالعادة تبدأ جولة المصارعة بمبادرة هجومية من أحد الثورين في مهاجمة الخصم بنطحه يتوجب على الآخر ان يكون مستعداً
ويستمر اللقاء مع صياح الجمهور وقوة المباراة بين الثورين أو هروب أحدهما أو سقوطه تحت ضربات قرني غريمه وسط ضحكات الجمهور وعبارات التوبيخ والتصفيق لنطحة قوية موجعة تجبر الثور الآخر على الهروب وهنا يتم فك الاشتباك وإنهاء المباراة ويطالب رواد وعشاق هذه اللعبة في إمارة الفجيرة التي تتخللها مشاهد من التشويق والإثارة والعنف وإراقة الدماء خصوصاً عندما تغرس القرون القوية في أبدان الثيران المتناطحة، بإقامة مكان مجهز من حيث المدرجات والحواجز بين الحلبة والجمهور.
ناهد حمود
