استطاعت الرقصات الشعبية في الإمارات أن تغدو «جماهيرية» تجذب الشباب والأطفال، والرائع في ذلك أنها جذبت المواطن الإماراتي والخليجي والعربي وحتى على مستوى الدول الأجنبية، باعتبارها تمثل الأداء الشعبي في أرقى حالاته والذي ارتبط بالعديد من المناسبات والاحتفاليات.
يمتد تاريخ اليولة إلى أكثر من 200 سنة. قديماً كان القصد من معظم الرقصات الشعبية التي تؤدى كاليولة والعيالة والحربية، التعبير عن الفرح والمشاركة في المناسبات والأفراح كما قصد منها التعريف بالقبائل وقوتها لتحذير من يأتي بقصد الشر إلى هذه القبيلة أو تلك. فالقبيلة التي تستخدم السلاح في الفرح والرقص بهذه الطريقة والأسلوب السلس والخطير لابد أنها تستخدمه بنفس اللياقة والقوة بقصد القتال والدفاع عن ممتلكاتها.
وهكذا أصبحت اليولة وكأنها رسالة تخويف وتحذير، بطريقة غير مباشرة من خلال الطبل والزمر وحركات الخفة، وقد عرفت كل رقصة وأدواتها باسم السلاح المستخدم معها فمثلاً، الطبل والعود يدل على المدفع، والطيران على الرمي بالأقواس، والمراويس على الرمي بالنبال.
ومن مميزات الرقص الشعبي في هذا الفن القديم مشاركة البنات الصغار دون سن الثانية عشرة في الرقص ويطلق عليهن اسم «النعاشات» وفي القديم كانت تمنح لبعض «اليولة» المتمكنين من الرقصة جائزة تسمى (الشارة) وهي عبارة عن روبية أو اثنتين أو سلاح أو غترة.
أصبحت رقصة اليولة تستهوي الشباب والأطفال في الإمارات وقام جيل الشباب من الذين أحبوا ممارسة اليولة على تحديثها لتصبح رقصة استعراضية تمارس بمرافقة الأنغام والإيقاعات الحديثة، وهنالك الكثير من الأسر الإماراتية لا يستغنون عن تأدية الرقصات الشعبية في مناسباتهم :أفراحهم وأعراسهم عن رقصات العيالة، الحربية، الرزفة، الهبان، الطنبورة، والطارد، والتغرود، الأنديمة، والتوبات، والسوما، والرواح. وكل رقصة من تلك الرقصات لها أسلوب خاص وطريقة مختلفة في تأديتها كما تشتهر بها بعض المناطق عن الأخرى فمثلاً.
رقصة العيالة: تعتبر الرقصة الوطنية الأولى تنشد فيها الأناشيد الوطنية وهي من أهم الرقصات في المجتمع الإماراتي، وتتضمن حركات بدنية منسقة يقوم بها رجال ينتظمون في صفين متقابلين ويحملون عصا الخيزران وأمام الرجال تقف «النعاشات» وهن فتيات صغيرات يقمن بتطويح شعورهن يمنة ويسرة على إيقاع الموسيقى، ويستخدم فيها العصي والسيوف ويشارك في الرقصة مجموعة من العازفين على الطبول والدفوف والطوس الذين ينظمون الموسيقى الإيقاعية المميزة لرقصة العيالة.
رقصة الرزفة: تأتي الرزفة في المرتبة الثانية بعد العيالة، وهو فن رجالي يشبه العيالة من حيث تقابل الصفوف ولكنه يمكن أن يؤدى بدون مصاحبة الطبول وتتفاوت نبرة الغناء بين البطء والسرعة والهدوء وعلو الصوت.
ـ رقصة اليولة: هي الرقصة الشعبية الوحيدة التي تحظى باهتمام كبير وبالغ من قبل الشباب والأطفال بشكل خاص، هي رقصة تؤدى بشكل منفرد أو ثنائي أو رباعي، وتؤدى بالعصا أو السلاح في وسط باحة رقصة العيالة أو الحربية، وفيها يلقي الراقص بالعصا أو السلاح عالياً
ثم يعود ليقبضه دون أن يسقط منه، وقديماً كان السلاح المستخدم في رقصة اليولة سلاحاً ثقيلاً ورشاشاً ممتلئاً بالذخيرة الأمر الذي يصعب تحريكه مع نغمات وألحان الطبل بشكل سريع، إلا أن اليوم أصبحت الأدوات المستخدمة كثيرة مثل السلاح الخفيف والمفرغ من الذخيرة أو الكند أو الصمع والميازر والسكتون، وقد ابتدع الشباب حركات ورقصات خاصة وطوروا بأساليب جديدة في فن رقصة اليولة حيث تختلف قليلاً عما كانت عليه في الماضي.
ـ الرقصة الحربية: هي رقصة حماسية بالسيوف تمثل الشجاعة والاستعداد للنزال.
ـ الحوامة: هم رجال يحملون سيوفاً أو بنادق ويتحركون حول العازفين، وقد يقفزون في الهواء وهم شاهرون سيوفهم أو يطوحونها في الهواء، ثم يلتقطونها بمهارة فائقة. وعندما تبدأ الموسيقى التي تعتمد أساساً على الطبول يقوم الصفان بأداء حركات منتظمة بأجسادهم وعصيهم التي ترمز إلى السيوف، ثم يتقدم رجال أحد الصفوف شاهرين عصيهم في الهواء في أداء تمثيلي رمزي يوحد بالانتصار والقوة،
بينما رجال الصف الثاني المقابل ينكسون رؤوسهم وتصاحبها إيماءات ضعيفة، كما أنهم يوجهون عصيهم نحو الأرض تعبيراً عن الهزيمة والانكسار، ثم بعد ذلك يعود الصف الأول المهاجم إلى الوراء حيث يقف الرجال في وضع الفريق المهزوم، بينما يرفع رجال الصف الثاني عصيهم إلى أعلى ويتقدمون في حركات تدل على الانتصار ويتكرر هذا الأداء الحركي الراقص بين الفريقين دون أن يحدث بينهما احتكاك مباشر أو تلاحم.
التراث الذي ارتبط بالفرح والحزن وحالات الفقر والغنى وكذلك بمشاعر النصر والانكسار سيبقى اللغة الحية التي تربط الماضي بالحاضر، وسيبقى الشعلة التي يستنير بها القادمون إلى عالم جديد، وإذا كانت الإمارات العربية المتحدة قد استوعبت في الماضي أنماطاً كثيرة ومتنوعة من الفنون الجديدة، بالإضافة إلى ما استنبطته واستولدته على أرضها المميزة بطبيعتها الجغرافية فإنها ستبقى على الدوام مناخاً خصباً للتوالد الثقافي والامتزاج الحضاري منطلقة من خصوصية مجتمعها وتراثها العريقين.
ناهد حمود
