عشقها للطبيعة علّمها ان الجمال يمكن اقتناصه من الأشياء المهملة، وان العين اللاهثة وراء المدهش بمقدورها اضفاء الشاعرية على خبايا اليومي والمعاش والمرمي هنا وهناك.. هذا هو ما عركته فاطمة محمد، حين قررت ان تستعيد نبض الأشياء المنسية من سطحية البهرجة والزخرف الذي يقع في اسرها كثيرون.

لقد حوّلت فاطمة هوايتها الطفولية الى زخم ابداعي صاحبها حتى الكبر، حيث ظلت محتفظة بمخزون عشقها للتراث والتفاصيل الصغيرة التي طعمت بها لوحاتها التركيبية.. واذا كانت تلجأ احياناً الى المواد البلاستيكية المصنعة من انجاز بعض اعمالها،

الا ان زخيرتها الحقيقية لاطلاق موهبتها تكمن في الحجارة والرمال وأعصان الشجر والألياف وحبال «الكمبار» والمحار وغيرها من المواد التي تجعلها في تماس حميمي مع الواقع، الأمر الذي أهلها للمشاركة في المهرجانات المحلية والمناسبات الاجتماعية واعياد الاتحاد، خاصة عقب التحاقها بمركز التنمية الاجتماعية الذي اعاد اكتشافها كمصممة مرهفة الحس والأنامل في تعاملها مع منمنمات الواقع المادية.

ومن أصعب اللوحات التي واجهت فاطمة حين ارادت ان تجسد جزءاً من واجهة بيت الشيخ سعيد، حيث استغرق الأمر خمسة أيام مليئة بالتعب والمجاهدة، وكم كانت سعادتها كبيرة حيث لمست بنفسها اعجاب الزوار بلوحتها، بل ان احد المهتمين بالتراث دفع مبلغاً سخياً لاقتناء هذا العمل.

ورغم ان فاطمة تعيش حالة من محاكاة التراث، الا ان حاستها الفنية العالية تطبع الحالة الحقيقية للعمل ببصمة ممعنة في الجمالية ودفء المشاعر، بدليل استعانتها بالألياف والخيزران لإعادة تصميم فانوس قديم.. وفاطمة لا تسعى دائماً لبيع اعمالها سوى في حالة اصرار احد مرتادي معارضها على شراء عمل ما، فهي مكتفية بالمتعة التي تحتاحها وهي تعزف الاشياء عبر اعادة توزيعها على أوتار أصيلة تثري العين والوجدان برائحة البساطة.

ولا تنكر فاطمة ان خالها لعب دوراً مؤثراً في تفجير طاقاتها الفنية، فهو فنان تشكيلي قاد هوايتها الى الطريق الصحيح، وأنار لها الدروب لكي تظل مضاءة بجذوة الفن واحتفالها بالتفاصيل والأشياء التي ادخلتها الى قلب الواقع الذي يستحق ان تندس في شرايينه البهية.

عزالدين الأسواني