من خلال متابعتي للجرائد المحلية، أجد غير كاتب للمقال والأعمدة اليومية قد ألقوا الأضواء على مجريات الأحداث في لبنان، وقاموا بالتحليلات وأدلوا بالآراء. وماذا نملك غير أقلامنا، وهي أضعف الإيمان؟ وهل تغير أقلامنا من الواقع العربي المرير شيئا؟ وهل يتردد لدى أصحاب القرار من قادة الدول أصداء لآرائنا؟ ومن منهم سيلقي بالا لمجرد حبر على ورق لا يقدم من الواقع شيئا ولا يؤخر؟ فلو أن عيونا فاحصة ترى ذلك الحبر، لكان الوضع العربي أفضل بكثير مما هو عليه اليوم.
سفينة العرب تسيرها رياح إسرائيل وتتلقفها شواطئ حزب الله تارة، وحركة حماس تارة، والخاسر الوحيد في هذه المعمعة هو الشعب. الكل يسكن حصونا منيعة، والشعب الأعزل هو الذي يدفع الثمن. لن أقوم بالمطالبة، فزملائي الكتاب كفوا ووفوا، ومن سيسمع مطالبتي أصلا لأطرحها؟ ثم أنني لست من فطاحل السياسة، ولن أتشدق بما لا علم لي به.
أما الذي لي به علم، فهو أن وجه لبنان الجميل مثخن بخطوط الزمن، ليس لشيخوخة يعاني منها، بل لتكالب نوائب الدهر عليه، بعد أن طالته أيادي الغدر منذ ولدت متمثلة في سلسلة الاغتيالات التي نالت من رجاله المتميزين أرادوا لشعبهم العيش الكريم، ثم في تكرار احتلاله من قبل قوى أرادت وأد شعاع النور المنبعث من جبهته ووجنتيه قبل أن يملأ المكان، ثم في إشاحة حكومات العرب وجوهها الباسمة بسخرية عنه وتركها لها ليواجه مصيره بالرغم من مد لهم يده المخضبة بحمر الدماء طلبا للعون.
لبنان المنتهك مرارا وتكرارا، أين المحارم للدفاع عن شرفك؟ أشجار زيتونك الذي يضيء زيته أصبحت تنبت لحوم الأطفال، ولا أحد يهتم. أجساد أبناؤك صار سمادا للأرض، ولا أحد يهتم. من حنايا أزقتك تنبعث أصوات الموتى، ولا أحد يهتم. أرض لبنان المتوشح بالسواد، والمنكس العلم، قطعا لن يكون هذا آخر اعتداء، فلملم شتاتك، وضمد جراحك وتأهب لضربات قادمة، أنت وحيد ولا معين لك.
أقف اليوم أمام باب خرانة في منزلي، أتأمل بكل حزن صورة لملامح لبنان الحسناء ألصقتها على ذلك الباب، مقصوصة من جريدة، مذيلة ببضع أبيات فاضت بها قريحة الشاعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، خلال المؤتمر العاشر للاستثمار ورأسمال الأسواق العربية الذي عقد في بيروت قبل سنتين، تغنى فيها بحب وجمال لبنان قائلا:
حب لبنان في قلبي تجدد
موطن الحسن والجمال المخلد
قال من أنت حين وافاه صوتي
عربي أنا وأدعى محمد
فتعانقنا أنا ولبنان حتى
موج بيروت في الجميرا تردد
اليوم، تحول حبنا لك يا لبنان إلى حزن وتأوه، أما الحسن والجمال، فقد تحول إلى خراب. ولم يعد صوتك المبحوح مسموعا بين أكوام الركام، كما أن عناقنا معك أصبح غير ممكن، فقد قطع ذراعيك الممدودتين اللتين عانقانا يوما، كما أن موجك أصبح لا يردد في بحارنا إلا رعب الأطفال.