لم تعرف طفولتها سوى السفر إلى شيراز ولبنان، هكذا كان حال الأسر المتوسطة في تلك الأيام التي شهدتها الدكتورة منى البحر. ولم يتغير شيء من أجندة أسفارها إلا عندما كبرت الطفلة ودلفت إلى سن الشباب.. حيث كانت بريطانيا وجهتها الصيفية في العطلات، ولم يكن السفر بدافع تزجية أوقات الفراغ والاحتفال بالإجازات،
بل لكي تتعلم اللغة الانجليزية على نفقتها، فالهاجس المعرفي والشغف بالاطلاع على المجهول له مكانة معتبرة لدى الطالبة منى البحر، التي لم تتعرض لأي صدمة حضارية، أو اجتماعية لأنها كانت تحط رحالها كل مرة لدى إحدى الأسر الانجليزية، الأمر الذي جعلها على تماس مع صفوف البشر وعزز فرحتها بهذا التواصل حتى أنها تعرفت في بريطانيا على سيدة يابانية لا تزال تواظب على مراسلتها حتى الآن.
ولأن الدراسة كانت أحياناً بوصلة منى البحر في سفرياتها، فقد كانت مصر المكان الذي احتضن رسالة الماجستير عقب تخرجها من الجامعة، حيث أقامت هناك أربع سنوات لإنجاز مهمتها.. وكان طبيعياً أن تكون تلك الفترة كفيلة برسم بعض الذكريات فقد كانت تقيم في سكن للطالبات المغتربات، ولم يكن يضايقها شيء في هذه الرحلة العلمية سوى كثرة الألقاب وتعبيرات التكلف المفروضة على طبيعة العلاقة بين الأساتذة وطالبي العلم،
حتى أنها كادت تتورط في تبسيط المخاطبة مع أحد الدكاترة، لولا تفهمه الراقي لتلقائيتها وبساطتها التي جاءت بها من بلد لم يتعود أبناؤه وبناته على إقامة الحواجز في الحديث مع الناس مثل «سعادتك وحضرتك وسيادتك»®. ما جعلها تشعر بالإرهاق النفسي كلما وجدت نفسها أمام هذا الإرث غير المبرر في نظرها.
ومع ذلك، فإن منى البحر لا تزال تذكر بعض أسماء الأساتذة الذين أزاحوا عنها هذا العبء اللفظي في مخاطبتهم، مثل الدكتور الراحل سيد عويس الذي كان لديه بحبوحة أخلاقية وطباع أبوية ساعدتها على تجاوز بعض المواقف الصعبة مع أقرانه.. أيضاً الدكتورة عواطف عبدالرحمن أخذت نصيبها من ذاكرة البحر في التعامل الحضاري والإنساني بين الأستاذ وتلميذه..
وترى منى أن حصيلتها الحقيقية من التواجد في مصر تتمثل في النضج الاجتماعي أكثر من الإفادة الأكاديمية، كون الشعب المصري يتسم بكثرة المشارب والتفاصيل الإنسانية وكثافة الحياة اليومية والتجارب التي سرت في تكوينها الشخصي، ليس تأثراً، بل إثراءً لذخيرتها المعرفية بالبشر وتكويناتهم.
من بساطة الأقصر إلى عنصرية أميركا
يبدو أن دراسة علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية جعلتها تنحاز بشدة لحكايات الإنسان، وهو ما ظهر جلياً عند زيارتها لمدينة الأقصر المصرية، حيث أقامت في مبنى يتراوح ما بين الفندق واللوكاندة، وهو مبنى من تصميم المهندس الراحل حسن فتحي المشهور بهندسة عمارة الفقراء.
وأشد ما أعجبت به الدكتورة منى هو مزارع القصب والطبيعة التي لم يمسسها بشر، وبكارة المكان الذي يحيط بمحل إقامتها الذي تديره أسرة بسيطة من الأقصر، تلك الأسرة التي تفوقت طيبتها على عظمة الآثار بما كانت تقدمه من دعوات إلى الأعراس الصعيدية، وركوب الخيل والأطعمة ذات المذاق الأصيل.
وتأتي الولايات المتحدة في سياق دراسة الدكتورة في النظريات الاجتماعية وتفريعاتها، وهناك حدث موقف مخلوط بالطرافة والغرابة حين قررت منى البحر وإحدى صديقاتها زيارة كندا اعتماداً على فيزا دخول أميركا الموجودة على جواز سفرها.. وعندما وصلتا إلى مكتب الهجرة عند الحدود الفاصلة، سألتهما موظفة المكتب عن اسم ومكان بلدهما الأصلي، فانكبتا على الخريطة ليوضحا للموظفة مكان وطنهما.. بعد فترة وجيزة طلبت منها أن يركبا سيارتهما ليعودا من حيث أتيتا.. انفجرت منى وصديقتها بالضحك من هذا الموقف الذي لم يعلما أي شيء عن أسبابه.. لكنها استطاعت دخول كندا في اليوم التالي.
وتعترف أستاذة الجامعة بصعوبة الدراسة في أميركا، لأن الحصول على الدكتوراه هناك يعني تقليب العقل واختبار تحصيلاته المعرفية، وشدة تحمله العلمي، حتى انها اكتشفت أن باب غرفتها لم يفتح منذ ثلاثة أيام بسبب انشغالها المتواصل مع رسالتها العلمية، لكن هذه الدكتوراه تركت في منى البحر إحساساً بالمرارة والعنصرية المكشوفة، حين عرفت أن حصول أحد زملائها الأميركيين على الدكتوراه يتطلب دراسة «كورسين» فقط،
بينما اشترطت جامعة أوهايو الحكومية على منى البحر دراسة ست «كورسات» في نفس تخصص الزميل الأميركي.. الأمر الذي دفع أحد المشرفين بالجامعة إلى الوقوف بجانبها طالباً منها التقدم بتظلم إلى إدارة الجامعة على هذه التفرقة. وبدون تفاصيل، قبلت منى التحدي وحصلت على درجات متفوقة كون رسالتها تناولت موضوعاً غير مطروق، ومنجزاً على أسس علمية صارمة ومنهج متميز، حتى أنها فازت بجائزة مرموقة عن هذا الأداء المعرفي..
لكنها لا تنسى أن السيدة المسؤولة عن تسليم الجائزة كانت متأففة ومترددة في إعطاء الجائزة لشابة جاءت من الشرق الأوسط المليء بانطباعات سيئة لدى الأميركان.
رجل من فنلندا
وتواصل منى البحر الحديث عن سفرياتها الأوروبية، لكن هذه المرة من أجل السياحة وليس العلم، فقد أنجزت أحد طموحاتها الأكاديمية، وآن الأوان أن تأخذ الدكتورة بعض حقوقها من استراحة المحارب كي تبدأ في استمتاعها بالمدن والبشر.
من عادة منى البحر حرصها على مطالعة قوائم الأطعمة للبلاد التي تزورها، فهي تعتبرها جزءاً من ثقافة المدن وهويتها وضمن هذا السياق في فنلندا تعرفت في أحد مطاعمها على طبيعة شعبها عبر موقف يفيض بالإنسانية والروح الودودة، حين دخلت مع صديقتها إلى مطعم صغير، وبدأت في تفحص أنواع المأكولات،
وخلال ذلك لفت انتباهها وجود رجل يختار وجبته بانتقاء شديد، لكنه لاحظ تردد منى وصديقتها، بل وحيرتهما في اختيار أفضل الأطباق، فاقترب منهما، وسألهما عن موطنهما، ثم نصحهما بطبق من لحم الغزال، وطلب أيضاً أن يتوجها إلى مطعم متميز في جزيرة بالقرب من مكان إقامتهما.. وهناك وجداه ورحب بهما..
ولأنه مدرس موسيقى أهداهما «سي دي» عن مؤلفاته الموسيقية، ثم انصرف.. هذا الموقف جعل منى البحر تتأكد أنها في ضيافة شعب يقطر رقياً ودماثة في الخلق.. خاصة مع تكرار بعض المواقف الإنسانية المشابهة التي كشفت عن مدى اهتمام طباخي مطاعم فنلندا برضا الزبائن، بمتابعة مباشرة غير مسبوقة.
أما باريس فهي أيقونة المدن لدى أستاذة الاجتماع، فهي بلد نابض وحيوي ومغاير عن باقي دول أوروبا.. لكن منى لا تحبذ الأماكن المتخمة بالنزعة التجارية والدعائية مثل الشانزلزيه وما شابهه لانها مولعة بالأماكن المعطرة برائحة العراقة والبشر الذين يمتحون من الحياة عناوينها الحقيقية..
فزارت الباستيل رمز الحرية والطغيان، والحي اللاتيني، والأزقة النابضة بحكايات الإنسان والتراب، والأتيليهات الحاضنة لأوجاع الفنانين وصعلكتهم الموجهة ضد متاعب الحياة، لذلك لم يكن غريباً على منى البحر، بكل مكوناتها الاجتماعية، أن تتوجه بكل مشاعرها إلى الأمكنة التي تعزز حسها الإنساني.
حلم التبت
وإذا كانت أستاذة الاجتماع لا تزال تحافظ على موروثها من حب الطبيعة المتوافرة بكرم سماوي في النرويج، وعشق الإنسان في كل سفرياتها.. إلا أن ثمة مكانا لم يبرح أحلامها حتى الآن.. إنه مكان بالقرب من مرتفعات «التبت» الذي يعد بمثابة طوق النجاة من ثرثرة الكائن، ومهرتها البيضاء إلى الإنصات إلى صوت الحياة المصفى من الضجيج الدخيل. هناك على أحد قمم نيبال حيث تلمع تجربة «الصمت» لعدة أيام..
هناك تحلم منى البحر بخطف قبس من أنوار «سكوت الكائن» لتتجلى الكينونة في أبهى صورها. تقول البحر: «أعتقد أن هذه التجربة التي أحلم بها شكل من أشكال العلاج النفسي، وغسول نقي من شوائب القلب والروح، وسفر داخلي لا يعترف بالحدود.. أنت لا تعرف معنى أن تعيش الصمت في صيغته المعرفية والعرفانية.. نحن في حاجة إلى اصطياد الفردوس المدفون في زحام الأشياء، داخلنا وخارجنا».
وتختم منى البحر الحديث عن رحلاتها بأن النظرة إلى الأشياء والأمكنة تختلف حسب العمر، فالذي كان يدهشها طفلة أصبح أقل إثارة، والذي كنّا نتحمله صغاراً نضيق به كباراً، مثل الزحام والتلوث والسجال في علاقات الناس.. لكن يبقى السفر فائدة مكرسة ولا مندوحة عنها، وهي اختبار مصداقية الأصدقاء.
مجدي أبوزيد

