العلامات والإشارات التي تتضمنها الصورة والكلمة التي تحاصرنا صباح مساء في الشارع والمسكن، على أبواب العمارات ونوافذ السيارات وتحت ماسحاتها، تجتمع كلها في صيغة واحدة، تحدد لك وجهتك وهدفك، وتنصب في بؤرة سحرية تتحقق فيها أحلامك وآمالك، من خلال متعة وحيدة هي (متعة التسوق) والتسكع في المراكز الكبرى التي تصب فيها منتوجات العالم، وتحتشد فيها جنسيات الأرض. هكذا تقودك الأسهم المضيئة،
والأدراج الكهربائية والردهات العريضة المكيفة، التي تطل منها على جموع تتأبط غبطتها، وتترك عيونها سائحة في المكان، متنقلة من فاترينة إلى أخرى ومن مقهى إلى آخر وأنت تجرب الاسبريسو أو الكاباتشينو مع نكهة مفروشات إيكيا الجديدة، ومجلات الأزياء العصرية، التي تظهر أكثر مما تخفي.
إنها حكمة التخفف من الانشغالات الجوهرية، أمام المانيكان والماركة، وقصات الشعر بألوانها الجديدة المتماشية مع آخر صرعة من صرعات العصر.
ومانشيتات التخفيضات المغرية للسلع الفائضة عن الحاجة، أو عروض الشد والجذب لمهرجين من الدرجة الثالثة في مراكز الدرجة الأولى، لبشر من كل الجنسيات والطبقات والشرائح، والمتشابهين في رغبة واحدة، هي الحصول على فرصة العمر واقتناص العروض المخفضة، وتجريب النكهات الجديدة، والبحث عن الحب الضائع أو المرأة الضائعة في الزمن الضائع.
بؤر مستعرة، كوزموبوليتانيا الحداثة، جنة ما بعد العمل، فانتازيا ما بعد الحداثة، أروقة لتبديد السأم، واستراحات للتأمل مع نفس عميق من سيجارة جيتان، وأنفاس من سيجارات فاخرة في مركز الأماكن الفاخرة، نتجول بها مراراً وتكراراً، ذهاباً وإياباً، ونحن نحدق في بشاشتنا وبهجتنا في انعكاسات المرايا العريضة أو الحدقات التي نستوقفها بغواياتنا وإشاراتنا الموحية، ونستوقف العابرين بالإطلالة البهية والعيون الفاغرة.
هكذا نحلق مع نكهات القهوة التركية في الهافانا، ونصفق لعروض المسارح المتجولة، من مركز وافي إلى سيتي سنتر، إلى قرية التنين وميركاتو نتحول سواحاً في مركز ابن بطوطة ندرب أقدامنا على التجوال بين الخطى المزدحمة التي أدمنت الرخام اللامع في ردهات الأوقات المهدورة، أو لحظات الترويح عن النفس. فأين تمضي بنفسك حين يحاصرك الهواء المعلب، والماء المعلب والنكهات المعدة في الشركات عالية الجودة والمتخصصة بحليمات التذوق المرهفة.
فهلموا نستكشف المزيد من الأمكنة أيها الأصدقاء، هلموا بنا فربما فاتنا العرض الأخير من مسرح الظل، وربما فاتتنا المرأة الأخيرة، والفيلم الأخير، في لحظات العمر الأخيرة، وربما فاتنا المسير على الأروقة الفسيحة، حين تشتعل الخطى بالاحتمالات الجديدة، في عالمنا الجديد. عالم الفتنة الآسرة الذي يطل علينا من خلف الزجاج ونطل عليه من خلف أرواحنا.
