المشهد في سوق السمك يحتمل أكثر من قراءة شريطة اختيار زاوية القراءة. فان أردنا رصد حركة المستهلك وتنقله بين طاولات العرض لاختيار نوع الأسماك المفضلة وتأكده من طزاجتها، فما علينا إلا أن نقف أمام صورة في كادر مفتوح. لتتضح لنا أيضاً أساليب البائعين في الترويج لسلعتهم معددين مزاياها ولو اضطروا للقسم بأغلظ الأيمان، لك أن تصدق أن هذا السمك صيد محلي رغم انخفاض السعر،
وبإمكانك اكتشاف الكذبة فتتحول إلى طاولة أخرى تنشد عليها الصدق، وهكذا وجدنا أنفسنا نبحث عن عين خبيرة تدلنا على الحقيقة، وبالتالي فرض علينا المشهد قراءة مغايرة كتبها صيادون إماراتيون مازالوا متشبثين بمهنتهم رغم المنغصات والتحديات الكبيرة التي فرضها عليهم مفهوم السوق المفتوح، الذي يعني قدرتك على منافسة الإنتاج المستورد من نفس السلعة.
على مقربة من طاولته في سوق سمك دبي يجلس راشد عجيل ـ اثنان وستون عاماً ـ منها سبعة وأربعون عاماً قضاها في صراع مع الأمواج ليصطاد قوته وقوت أولاده، بكلمات حزينة يبدي أسفه من المتغيرات السريعة التي رفعت أسعار البترول وزيادة رسوم استقدام العمال إلى جانب القوانين الجديدة التي حددت أماكن الصيد ليخرج في النهاية بصيد لا يكاد يغطي مصاريفه، راشد يملك طراداً يلزمه وقود،
ومطالب بأن يوفي رواتب عماله، وعليه أيضاً أن ينافس الأسماك المستوردة منخفضة الأسعار ويتساءل: أين المستهلك الذي يستطيع أن يقترب من أسماكنا الطازجة التي يصل سعر الكيلو منها إلى خمسين درهماً حتى نغطي مصاريفنا.
ويتدخل سيف عبيد الطويلة ملتقطاً طرف الحديث مشيراً بأصبعه إلى الباعة في السوق قائلاً: انظر إلى الوجوه الآسيوية التي ملأت السوق وتتحكم فيه، فهم الذين يحددون الأسعار بأمزجتهم. انظر إلى هذه السلة التي وصل ثمنها إلى مئتي درهم.
لم يكمل سيف حديثه، وسأل البائع الهندي عن ثمن سلة السمك فأجابه بأربعمئة درهم! هل سمعت؟ سألني سيف وهو يشرح أسباب ارتفاع السعر لأنه معروف في السوق بأنه تاجر وصياد في نفس الوقت. أخذني سيف في جولة داخل السوق وراح يسأل البائعين عن مصدر هذا النوع من الأسماك وهو يعرف انه مستورد، تضاربت الردود لدرجة أن أحدهم تلعثم وارتبك بعد أن وصف سلعته بأنها صيد محلي، ثم عاد ليؤكد أنها من إيران.
أثناء تجولنا في السوق التقينا بعمران سالم بن غراب، صياد محترف يشكو هو الآخر من تردي الأوضاع، ويطالب الدولة بالتدخل وفرض رقابة على السوق لضبط الأمور.
سوق السمك، مشهد في كادر مفتوح. نظافة ونظام وآلية راقية في عملية تنظيف الأسماك، ولكن تبقى عدسة الكاميرا في وضعية الكادر المحكم «زووم» في محاولة لالتقاط التفاصيل الصغيرة، أما الخفايا فهي متروكة لحنكة المستهلك في اختيار نوعيته المفضلة من الأسماك، وقدرته أيضاً على المساومة للخروج بأقل الخسائر، لتظل حركة السوق في استمرارية دائمة مع الأخذ بعين الاعتبار، أن لا عزاء للصياد المواطن!.
عز الدين الأسواني
