البصر نعمة لا تضاهيها نعمة أخرى سوى إرادة الإنسان التي إذا منَّ الله بها على عبده تحولت كل منغصات الدنيا إلى مباهج موسومة بالتحدي الخلاّق. هذا ما حدث مع الطالب أحمد حامد عبدالله الذي أصيب بنقص في الصبغات الوراثية في عينيه أو مرض «المهاق» الذي حرمه من الرؤية الكاملة لزخرف الحياة ومفاتنها.

وإذا كان الأطباء كشفوا هذه العاهة المؤلمة، فإن الطالب أحمد كشف للجميع عن طاقة إرادية حطمت كل صخور الوجع لتحيلها إلى أديم ناعم يسرد حكاية خطوات صلبة يممت أحلامها صوب الحياة وأفراحها، حيث اقتنص تاج التفوق بقوة إيمانه.

متاعب الفتى لم تكن مقتصرة فقط على أشواق الرؤية للأشياء والأمكنة والوجوه، بل مع أشعة الشمس التي كانت تؤذيه بحرارتها، والنظارات الطبية السميكة التي أرهقت عينيه، والعدسات المبكرة التي تحولت إلى همّ آخر يضايقه حين كانت تكبر كل كلمة على حدة، ما جعله يشعر بمشكلات ذهنية تعيق القراءة السلسة.

كان علي أحمد أن يقبل التحدي كي يجتاز مرحلة الثانوية بنجاح، وهنا يأتي دور الأم بكل مخزونها الإنساني وعطائها اللامحدود فعندما اعتصرها الحزن على فلذة كبدها وهو يعاني مرارة الإعاقة، كانت تجلس بجواره قبل امتحانات الثانوية تقرأ وتشرح بصوت جسور وقلب يتوجع، لكن إرادة ابنها وذكاءه الملحوظ ساعداها على تجاوز محنتها، فأحمد سريع الاستيعاب والحفظ والفهم، ما أهّله إلى الالتحاق بصفوف المتفوقين، ليعلو صوت الحلم ويدق المستقبل كامل أجراسه في هذه الأسرة التي جسدت أروع الأمثلة لقهر الصعاب ودحر الآلام.

وإذا كان أحمد لم ير السبورة في حياته، ولم يتعلم من طبشورها، فإن صوت الأم كان بمثابة الحروف الوضّاءة وكتاب الحب الذي تعلّم منه كيفية المشي في دروب الحياة المليئة بالأشواك. أم أحمد التي تعمل معلمة اللغة الإنجليزية يملؤها الفخر والاعتزاز بهذا الابن الذي برّ بها وخفف من جراح أمومتها، وكافأ حنانها بتميزه الملفت في عالم الحاسوب، وابتسامته المجلجلة في وجه القدر ومقاديره.

لم تعد الأم تضع يدها على خديها شفقة أو مواساة بعد أن اكتشفت أن الله ا لحنّان المنّان رؤوف بعباده ورحيم في بلائه، حين تحولت إعاقة الابن إلى وشاح أخضر لفّ كل حياتها، وانطفاء البصر إلى قنديل يستمد زيته من البصيرة.

سليمان الماحي