ولد الدكتور فالح حنظل في بغداد ، وجاءت نشأته عسكرية كما الوالد والأعمام والأخوال، وبدأ حياته العملية ضابطا في الجيش العراقي، وكان من رجال الحرس الملكي عندما قامت ثورة الرابع من يوليو عام 1958، وأطاحت بالملكية في العراق، فترك الجيش على إثرها، ثم انهى دراسته العليا في الإدارة الصناعية من جامعة سيراكيوز في الولايات المتحدة الأميركية،
وبعد عودته إلى العراق تولى إدارة احدى شركات السجائر إلا انه بعد تعاقب الانقلابات السياسية قرر الهجرة من العراق إلى أي بلد أخر، ووقع اختياره على الأردن التي سعى إليها بحكم ان ملكها السابق تربطه صلة القرابة بملك العراق السابق، والذي كان الدكتور فالح حنظل يعمل في حراسته، وأصيب بجراح خطيرة أثناء الانقلاب الذي قضى على العائلة المالكة، وفي العام 1968م عهد إليه إدارة شركة لحفر آبار المياه في منطقة لم تكن معروفة في العالم،
تثار حولها الأساطير والشائعات، بأنها بقعة صحراوية، إذا غرست إبرة في رملها ينبثق النفط، وبالفعل حدث وجاء إلى هنا وعلى هذه الأرض الطيبة عاش حياته بأكملها بصحبة زوجته وأولاده، بل وأحفاده وتنقل في عدة شركات للبترول.
وبدأ مرحلة جديدة في اهتماماته وتحديدا في عام 1973، عندما بدأ في تأليف كتابه الأول عن مقتل العائلة المالكة في العراق، ثم أوحى له عمله الذي يتنقل فيه من الصحراء إلى البحر بعمل كتاب يجمع فيه الألفاظ العامية لدولة الإمارات، وقتها لم يكن يفقه في اللغة العربية شيئا، إلا انه تطور بعد هذا العمل الموسوعي،
وأصبح يجيد اللغة العربية اجادة تامة، وكان يلتقط العامية من أفواه الناس الذين يعيشون في قلب الصحراء أو من نواخذة السفن التي كانت تقل الموظفين إلى الحفارات البحرية، فجمع لغة البر والبحر معا، وكان هذا المعجم سببا في معجم جديد عن لغة الغوص واللؤلؤ في الخليج، ثم معجم القوافي والألحان في الخليج العربي،
وكان كتابة المفصل في تاريخ الإمارات العربية المتحدة سببا في تركة للإمارات سنة عاشها في بريطانيا وعلى حسابه الخاص من أجل مراجعة المادة العلمية في هذا الموضوع، كما انه نال شهادة الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة اكسيتر في المملكة المتحدة.
مراجع وموسوعات
بعد عودته إلى الإمارات توالت مؤلفات الدكتور حنظل التي يقول عليها المتخصصون موسوعات مهمة تفيد الباحثين ومراجع مؤكدة للأجيال القادمة، ووصل عددها إلى 23 مؤلفاً منها رسائل الرسول (ص) وكتبه وموفدوه إلى حكام الخليج العربي، الشحوح وتاريخ منطقة رؤوس الجبال في الخليج العربي،
العرب والبرتغال في التاريخ، الدكتور مانع سعيد العتيبة في الاقتصاد والسياسة والأدب، ابن ظاهر فيلسوف الإمارات وأمير شعراء النبط، تحقيق كتاب نقل الأخبار في وفيات المشايخ وحوادث هذه الديار، تحقيق كتاب نيل الرتب في جوامع الأدب، تحقيق كتاب الجواهر واللآليء في تاريخ عمان الشمالى، تحقيق كتاب عقود الجمان في أيام آل سعود في عمان، مراجعة كتاب الإمارات العربية والخط الجوي البريطاني إلى الشرق،
تحقيق كتاب الفواند في تاريخ الإمارات والأبواد، جمع وشرح ديوان الشاعر مبارك بن محمد بن ثامر المنصوري، جمع وشرح ديوان الشاعر على بن خميس محمد على المزروعي جمع وشرح ديوان الشاعر غيث بن جمعة بو جمهور القبيسي، جمع وشرح ديوان الشاعر على بن رحمة الشامسي، وجمع شرح ديوان الشاعر سلطان بن عبيد الظاهري، وأخيرا رسائل السركال مع الدكتورة فاطمة الصايغ، عن هذا الباحث في تراث وتاريخ الإمارات اجمع عدد من أصدقائه الذين تسابقوا للحديث عنه بكل حب وود، أنه سيظل علامة بارزة في هذا المجال والذي تعد مؤلفاته فيه موسوعات يهتدي بها الباحثون.
توثيق شفاهي
يقول الدكتور عبد الله الطابور المؤرخ والباحث في تاريخ الإمارات ان الدكتور فالح حنظل هو أول من ساهم في نبش عملية التاريخ والتراث في الإمارات، وله الكثير من الكتب والمؤلفات عن تاريخ الإمارات وتراثها وما يخص ذلك أيضا في دول الخليج العربية، وهو صاحب مساهمات كثيرة في التأريخ وتوثيق التاريخ الشفاهي مثل معجم الألفاظ ومعجم الغوص واللؤلؤ،
وأيضا كتاب التاريخ المفصل في تاريخ الإمارات، وله يد طولى في الانتباه المبكر للتاريخ، فهو بحق شيخ المؤرخين في الإمارات، وذلك بسبب إسهاماته التي سبقت كل الجهود والمساهمات في هذا المضمار، ويمكنني القول بأنه قد سبق أيضا العديد من المؤسسات والتي تخصصت في هذا المجال، حيث دفعته رغبته إلى تقديم عدد كبير من المؤلفات التي يعتز بها كل إماراتي.
وأتمنى ان تقدر الدولة جهوده وإسهاماته الرائدة والمفيدة، فهو أول من اشتغل مبكرا على المخطوطات مثل مخطوطات عبدالله بن صالح المطوع، وحميد بن سلطان الشماسي، ومحمد بن على الشرفا ومحمد بن سعيد بن غباش، وهي مخطوطات مهمة كتبها مؤرخون محليون قبل مئة عام، والذين يعدون من أوائل المؤرخين في تاريخ الإمارات الحديث والمعاصر، واستطاع أن يقوم بتحقيقات علمية عنها ويوثقها بمجهوده، ويشكر على هذا العمل، لأننا في الماضي كنا في أمس الحاجة إلى هذا الشيء الذي كنا نفتقده.
ويطالب الدكتور عبد الله الطابور أن تهتم مؤسسات الدولة بأمثال الدكتور فالح حنظل وتوفر لهم الإمكانيات المادية والمعنوية للاستفادة منهم، خاصة بعد إنشاء مؤسسة أبوظبي للثقافة والتراث، وقال نرجو أن تشكل لجان وتعطي هؤلاء حقهم وعلى رأسهم الدكتور فالح حنظل والذي لا يستطيع أي منصف ووطني ألا يذكره، ويمر عليه مرور الكرام، فمن منا لا يشير في كتبه إلى الدكتور فالح حنظل ومراجعه ولا يستند إلى مؤلفاته لأنها هي الأولي في هذا المجال.
موسوعة شاملة
ويعد الدكتور فالح حنظل موسوعة شاملة بحد ذاتها لا يمكن أن نتذكر تاريخ الإمارات دون الإشارة إلى إسهاماته، حتى انني دائما أذكره وأشيد به مع طلابي في الجامعة، هكذا قالت الدكتورة فاطمة الصايغ أستاذة التاريخ في جامعة الإمارات وأضافت من ناحية الجانب العلمي، فهو باحث مهتم بتاريخ الإمارات، وله تأثير كبير على شخصياً عندما بدأت حياتي العملية في الجامعة، وهو بالنسبة لي الأب أو الأخ الذي قاد مسيرتي وأنا أخطو خطواتي الأولى على الساحة، وبالطبع كان أكثر خبرة ودراية في هذا المجال بحكم تواجده في الإمارات منذ عام 1969م، وقد ساعدني كثيرا لأنه كان متخصصا في تاريخ الإمارات، وكان بمثابة النبراس الذي أضاء لي جوانب دراستي في تاريخ الإمارات، وهنا أؤكد إنني أدين له بالفضل، في مساعدتي .
وتشير الدكتورة الصايغ إلى صالون الدكتور فالح الأدبي والذي كان يقيمه في منزله قائلة كان هذا الصالون متميزا وفعالا في المجتمع حيث ضم العديد من الزوار من المثقفين والدبلوماسيين وأساتذة الجامعة وغيرهم، ومن خلال هذا الصالون تعرفت شخصيا على عدد كبير ممن ساهموا في مسيرتي العلمية والمهنية،
ويمتاز الدكتور حنظل بامتلاكه شخصية مؤثرة ومحبوبة ينجذب إليه الجميع لطلاوة لسانه، وشدة مجاملته للآخرين والثناء عليهم، كذلك فهو بسيط بعيد عن التكلف، يساعد كل من يلجأ إليه ويرفع من روحة المعنوية ،كما انه يعتبر الأب الروحي للجالية العراقية لأنه يعد من أقدم العراقيين الذين عاشوا في الإمارات، بجانب خلفيته السياسية السابقة.
كذلك له دور مهني معروف فقد عمل في عدة شركات للنفط ، وعمل في العلاقات العامة، ثم انتقل لنادي تراث الإمارات.
وبجانب انه إنسان وأب حنون يبادر بالسؤال عني دائما، رغم أنني كثيرة الأسفار إلا انه يسعى للتواصل معي حتى خارج الإمارات، فقبل مدة أقمت في أميركا لمدة 6 شهور إلا انه لم يكن يقصر في الاتصال بي كل يوم أحد رغم فرق التوقيت، والتكلفة المادية، إلا أنه يمتلك نوعا من الحميمية حتى ولو على بعد، ودائما أقول له أنت إماراتي من أصل عراقي، وعراقي من أصل إماراتي، لأنني حقا أشعر به اماراتيا من الصميم.
دور فعال في الثقافة
الدكتور إبراهيم المرزوقي رئيس المنتدى الثقافي يشير إلى أن الدكتور حنظل مثقف بمعنى الكلمة وهو مهتم بالقضايا الثقافية والتراثية والتاريخية، وقد بذل دورا فعالا ومؤثرا في جانب مهم ومؤثر في كتابة التراث وتاريخ الإمارات وتعد كتبه ومؤلفاته وأبحاثه بمثابة مراجع موثوق فيها للأجيال القادمة، فقد التقى بكبار السن وأخذ شهادات من أفواههم وتحقق من صدقها ودونها.
كما ساهم بصالونه الثقافي الذي كان يقيمه في منزله في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الإمارات وخاصة في أبوظبي، وذلك بطرح العديد من القضايا ومناقشتها، وقد كنا نطرح قضية ما للمناقشة على أن نلتقي في الوعد المحدد ويكون كل واحد منا قد حضر جزئية توصل إليها بعد إثارة عدد من التساؤلات، والحقيقة كان لقاء أخويا فكريا يتزايد أصدقاؤه تلقائيا.
وبعد ذلك تطور الموضوع بعد أن تلقى دعوة من النادي السياحي، الذي كان يعد أحد المراكز الثقافية الأولى حيث احتضن العديد من المحاضرات المهمة، عندها قام بنقل صالونه الثقافي إلى النادي تحت مسمى المنتدى الثقافي، والذي ترأسته وأشرفت على برنامجه، بعد الدكتور فالح، والحقيقة أن له دوراً مهماً في المشاركة بفاعلية كبيرة في هذا المنتدى الذي استضاف عدداً كبيراً من الكفاءات العربية الموجودة على أرض الإمارات سواء كانوا من المواطنين أو الوافدين العرب.
بجانب ذلك يتمتع الدكتور حنظل بالسماحة في التعامل على جميع المستويات، ولأنه يتمتع بمستوى ثقافي كبير أعطاه ذلك ميزة جيدة خلال اتصالاته الاجتماعية والصداقات التي يقيمها، ونحن جميعا على أرض الإمارات مواطنين وعرب مقيمين تجمعنا ثقافة واحدة ولدينا انتماء واحد ولا فرق بيننا.
كتب الشعراء النبطيين
في المرحلة الإعدادية أعجبته مؤلفات الدكتور فالح حنظل وتحديدا في فترة الثمانينات، هكذا قال على المطروشي الباحث في التراث والأنساب، وأضاف كنت أتابع بشغف مجموعة الدواوين الشعرية التي أصدرها الدكتور حنظل لمجموعة من الشعراء النبطيين الإمارات يين، ثم كتابه معجم الألفاظ العامية في الإمارات والذي يعد مرجعاً مهماً يخدم العلماء والباحثين والأدباء في معرفة اللهجة المحلية ثم كتابه المفصل في تاريخ الإمارات والذي صدر على جزأين،
وهذا الكتاب أعتمد على مصادر عربية وأجنبية ورتب الأحداث بشكل متسلسل، علاوة على جميع كتب التاريخ الإمارات التي حققها ونشرها، إضافة إلى البحوث والنشرات والمحاضرات، والحقيقة أن اسم الدكتور فالح حنظل سيظل خالدا في هذا الجانب من المؤلفات، وهذا الكلام ليس بمجاملة ولكنها حقيقة مؤكدة، فنحن وقبل 70 سنة لم يكن لدينا من يعول عليهم في تلك الجوانب، ولكن ببحثه المستمر ومؤلفاته أثرى المكتبة بكتب تعد مراجع مهمة، فهو بحق خبير لا يمكن الاستغناء عنه.
كما انه إنسان شديد التواضع، لا ينفرد برأيه أبدا، ولا يتمسك بالخطأ اذا تأكد فعلا انه خطأ، فكل هدفه هو الوصول إلى الحقيقة، كما انه مستمع جيد لمن يتحدث إليه، وهو دائم التشجيع للباحثين الشباب، ولا يبخل عنهم بأية معلومة يطلبون الحصول عليها، أو حتى كانت غائبة عن أذهانهم ولم يتطرقوا إليها، وأنا كنت واحداً من هؤلاء فقد التقى بي ومنحني الكتب والمخطوطات التي تهمني في أبحاثي ودراستي.
يتراجع بسهولة عن الخطأ
وهكذا قال أيضا سلطان العميمي الباحث في التراث وأضاف، عندما بدأت الاهتمام بالأدب الشعبي وتاريخ الإمارات احتجت بعض الإصدارات التي لم تكن متوفرة في المكتبات، ثم اتجهت إلى الدكتور فالح حنظل طالباً مساعدته، ووجدت نفسي أمام شخص وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد، والحقيقة أنه تعامل معي بحب وود ومنحني كل ما طلبته من مراجع حتى يتثنى لي مواصلة أبحاثي، ويعد الدكتور حنظل مثالا طيبا للباحث الذي يجب أن يتحلى في سلوكه بالصبر والمعاملة الحسنة وعدم إخفائه للمعلومة اذا طلبها منه الآخرون ليستفيدوا بها في دراساتهم.
ويؤكد العميمي ان التواصل بينه وبين الدكتور حنظل مستمر حتى يومنا هذا فيقول يمدني بأي مخطوطة جديدة يحصل عليها، ولا يبخل على بالمعلومات التي أحقق فيها، وكثيرا ما تدور بيننا النقاشات، وهو يحترم وجهات النظر الأخرى ولا يتمسك برأيه اذا أكتشف أن الأخر على حق، وهو لا ينتظر أن تسأل عنه بل هو يبادر بالسؤال عنك، كما انه لا يقلل أبدا من قيمة أي باحث جديد مازال في بداية الطريق بل يقدره ويحترم مجهوده.
وتعترف المحامية أحلام الحربي بأنه يعود للدكتور فالح حنظل الفضل في تعريفها بالمنتدى الثقافي، والذي كان يضم نخبة من العلماء والمفكرين في جميع التخصصات، وتقول ان من يقترب من حنظل يجده إنساناً عاشقاً للإمارات، ومشغولاً دائما بالهم الثقافي، ومن خلال المحاضرات والندوات التي كان يقيمها ساهم في تنشيط الحركة الثقافية خاصة في أبوظبي، وكثيرا ما استعين بخبرته في هذا النوع من القضايا، كما انه إنسان حلو الطباع والخلق، مهذب لا يتفوه بكلمة تجرح الآخرين مهما فعلوا.
ايمان قنديل :
