في بلاط صاحبة الجلالة تتجول «جذور» هذا الأسبوع في سياحة لإلقاء الضوء على بدايات العمل الصحافي في دولة الإمارات، ودور الصحافة في ترسيخ أفكار الاتحاد في أذهان المواطنين وإيصال همومهم الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، لتصبح بذلك مرآة حقيقية تعكس نبض الشارع، وإذا أردنا الإنصاف فيجب علينا أن نعترف بأن صحافة الإمارات ولدت قوية مع ميلاد الدولة،

لتجد نفسها أمام مهمة ثقيلة وواجب وطني يحتاج إلى مجهودات مضاعفة للمشاركة في مسيرة البناء بصورة فاعلة ومؤثرة، ومن ثم جاء دورها في تبني القضايا المجتمعية وفتح أبواب للحوار حول الرؤى المستقبلية التي تهم الوطن والمواطن، وها نحن في العام 2006، نرسل طرف أعيننا من بين السطور، لنلقي نظرة متأنية على جذور الصحافة الإماراتية مع إعلامي متميز مارس مهنية الصحافة، وتدرج فيها من محرر حتى وصل إلى رئاسة تحرير صحيفة كبرى، كان عند موعده بالتمام حاضراً بذاكرة مستنفرة وكأنه يقرأ من كتاب قضينا ساعتين في حديث شيق وددت ألا ينتهي.

ساعتان فقط، تجسدت أمامي ملامح لشخصية فريدة قليلاً ما تصادفها في حياتك اليومية، شخصية تشربت الأصالة العربية وعشقت الانتماء للوطن الصغير، للوطن الكبير، وإذا كان لابد من مقدمة لضيفنا وبعيداً عن الكلمات المنمقة فلا أصدق من تجربته التي يعرفها الجميع، ها نحن نتحدث عن الصحافة مع صحافي مارس المهنة بالصدفة،

لكنه أحبها بجنون، دخلها من أبوابها «الميدانية» وما أجملها، وتفانى في التقاط مواضيعه من نقطة الحدث معرضاً نفسه للأخطار، وها هو يجري مقابلة مع أحد الأطباء في الإمارات ادعى معالجة مريضة بالايدز ثم يذهب إلى السعودية ليكشف زيف الطبيب بعد أن قابل المريضة في مدينة جدة التي كانت تعاني من مرض مختلف، صحافي بحق، أحب المهنة واخلص لها فرفعته إلى أعلى مناصبها، مع الإعلامي عبيد طويرش، رئيس تحرير جريدة الاتحاد السابق، نقلب صفحات تاريخية في بدايات الصحافة الإماراتية، مروراً بتجربته الشخصية في هذا المجال.

صحيفة تصدر من مقهى

إلى فترة الخمسينات يأخذنا عبيد طويرش حيث كانت وسائل الاتصالات تكاد تكون معدومة، واقتصرت عملية استقاء الأخبار من المسافرين إلى الهند والبلاد المجاورة لمعرفة ما يدور من أحداث في المنطقة، ومع أن المذياع كان يلعب دوراً مهماً آنذاك في معرفة الأخبار، إلا أن قلة قليلة كانت تملك ذلك الاختراع العجيب، ومن هذه القلة صاحب مقهى في مدينة العين، كان يسمع الأخبار ويتابع آخر التطورات،

ثم يكتبها في نشرة يعلقها على الجدران حتى يتسنى للجميع قراءتها، هذه النشرة التي أطلق عليها أسم «النخى» تعتبر أولى المحاولات الصحافية وإن كانت بمجهود واجتهاد فردي وبدائي، هكذا كانت أجواء تناقل الأخبار ومعرفتها على نحو استمر إلى منتصف الستينات، وكان المجتمع الإماراتي آخذاً في تشكيل نخبته المثقفة،

وخرجت مجلة «أخبار دبي» أول مطبوعة رسمية تؤسس للعمل الصحافي بشكل أكثر جدية وتنظيماً وصدرت من بلدية دبي وكانت تهتم بالأخبار السياسية والاجتماعية والرياضية والمنوعة، إضافة إلى أنها كانت تفرد صفحات الأخبار العربية والدولية، بل وعرفت الإعلانات التجارية طريقها إلى مجلة «أخبار دبي» لتصبح نموذجاً حقيقياً يحمل راية الريادة وشعلة التنوير.

هكذا ألقت مجلة «أخبار دبي» أول حجر تأسيسي للصحافة، ولم يمض وقت طويل حتى لحقت بها جريدة «الاتحاد» قبيل انتهاء فترة الستينات، في البداية صدرت الاتحاد أسبوعية يرأس تحريرها أحمد بن حامد، وكانت تطبع في بيروت ثم تنقل وتوزع في الإمارات،

وبعد فترة وجيزة تحولت الاتحاد من جريدة أسبوعية إلى يومية ولتشكل مع مجلة «أخبار دبي» ثنائيا ما لبث أن انضمت إليه جريدة الخليج التي صدرت يومية منذ البداية، وكانت تطبع في الكويت في مرحلة من المراحل، وفي عام 1980 تحولت مجلة «أخبار دبي» في مايو من العام نفسه إلى صحيفة يومية حملت اسم «البيان» لتكتمل أضلاع مثلث الصحافة الإماراتية، هذا المثلث الذي اخذ على عاتقه إبراز فكر وتوجه دولة الإمارات العربية المتحدة منذ تأسيسها وحتى الآن.

إصدارات متنوعة

بسلاسة متقنة ينتقل عبيد بن طويرش بين ما كان وما هو كائن في الصحافة الإماراتية، ويتذكر كيف أنها استقطبت أفضل الصحافيين العرب الذين كانوا مثالاً للباحث الميداني الذي يرصد كل صغيرة وكبيرة، وكان الوضع بعد إعلان الانسحاب البريطاني من الدولة يحتاج إلى إيصال معاناة الناس وهمومهم ومتطلباتهم فتحدثوا عن الخدمات التي تحتاجها المنطقة، وافردوا مساحات كبيرة لمشكلة الطرق وكيفية ربط مدن الدولة بشبكة مواصلات،

وهذه كانت المشكلة الرئيسية، إضافة إلى المواضيع الاجتماعية التي كانت تؤرق المواطن آنذاك، ولم تذهب مجهودات الصحافيين هباء، فقد كان المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد يتابعان أحوال الدولة ويهتمان بكل ما يثار في الصحافة من قضايا مجتمعية.

ويعود عبيد بن طويرش إلى الصحف الصادرة ليربط بين الكم والكيف ويقول: إذا كنا نتحدث عن بدايات العمل الصحافي في الإمارات وذكرنا صحف الاتحاد والبيان والخليج والدور الكبير الذي لعبته هذه الصحف في مواكبة مسيرة البناء، فهذا لا يعني إغفال تجارب أخرى قام بها أفراد حاولوا خلق منابر صحافية مغايرة،

ربما لم يحالفها الحظ في استمراريتها، ولكنها تجارب تستحق الاحترام، من هذه التجارب صحيفة «صوت الأمة» اليومية والتي صدرت في العام 1979 لمؤسسها أحمد سلطان جابر، حصلت على ترخيص من الدولة وكان من ضمن صحافييها صلاح جلال ومحمود أمين وغيرهما، لكنها توقفت بعد فترة عن الصدور. وهناك أيضاً تجربة ثرية تستحق أن نتوقف عندها ملياً، وهي تجربة «الأزمنة العربية» التي أسسها المرحوم غانم غباش،

وهذه التجربة بمضمونها السياسي والاجتماعي كانت تعكس رحابة سقف الكتابة والذي اعتبره أفضل بكثير مما هو عليه حالياً، ومرت «الأزمنة العربية» بفترة توقّف ثم عادت للصدور من لندن، وتحولت إلى صحيفة إلكترونية، وكم كنت معجباً بمقالات غانم غباش التي يتناول فيها الهم الاجتماعي والسياسي بلغة عامية محلية، وإضافة إلى هاتين التجربتين هناك تجارب أخرى بعضها مازال يصدر حتى الآن وبعضها توقّف.

كوادر وطنية

ويتطرق عبيد بن طويرش إلى جزئية في غاية الأهمية بالنسبة لمسيرة العمل الصحافي في الدولة، فهو لا ينكر مجهودات الصحافيين العرب ومشاركتهم في إثراء الساحة من واقع خبراتهم وتجاربهم، لكن كان من الضروري الالتفات إلى تأهيل كادر مواطن قادر على تحمّل المسؤولية واستلام المهمة بتبعاتها الثقيلة،

وتبلور الاهتمام بهذا الأمر في أول دورة صحافية نظمتها جريدة الاتحاد في العام 1979، وكان المحاضر فيها والمشرف عليها جمال بدوي، ومن بين الأسماء التي انضمت إلى هذه الدورة علي أبو الريش رئيس تحرير جريدة الاتحاد الحالي، وكانت هذه الدورة بمثابة نقطة البداية لإقبال الشباب الإماراتي على الانخراط في هذه المهمة الشاقة.

أما بالنسبة لي فقد كان الأمر مختلفا تماماً، ولم أتوقع يوماً أن أكون صحافياً في بلاط صاحبة الجلالة، فأنا خرّيج قانون وعلوم سياسية، تم تعييني في وزارة الاقتصاد والتجارة ، هذا اسمها آنذاك، لكنني لم أتسلم العمل بناء على رغبة من خالد محمد أحمد الذي كان يشغل منصب رئيس تحرير جريدة الاتحاد، وبعد زيارة خاصة له في مكتبه خرجت من عنده محرراً في القسم الخارجي، كان ذلك في العام 1980،

وكانت سياسة الجريدة آنذاك هي الدفع بالصحافي إلى الميدان كنوع من التدريب، ذهبت إلى شمال العراق لتغطية جلسات المجلس التشريعي، وبدأت الأخبار تتوالى عن بداية الحرب العراقية الإيرانية، ومكثت هناك أغطي أخبار الحرب إلى أن عدت للعمل في مكتب الاتحاد بدبي، واستلمت مهام شؤون التحرير، وكنا نرسل الأخبار عبر البرقيات، وقضيت في مكتب دبي فترة جميلة مع مجموعة من الزملاء والزميلات أذكر منهم نجوم الغانم ومنى مطر.

بعد فترة العمل في مكتب دبي انتقلت إلى أبوظبي، واستلمت مهام مدير الشؤون المالية والإدارية، لكنني سريعاً ما عدت إلى مكتب الشارقة لأغطي مع الزميلين سهيل العبدول والمصور محمد صلاح أحداث مشكلة رفع العلم الأميركي على ناقلات البترول الكويتية، واستطعنا أن ننفرد بصورة لرفع أول علم أميركي على ناقلة كويتية اسمها «الرقة».

هذه الصورة تناقلتها عنا وكالات الأنباء العالمية، وحتى نلتقط هذه الصورة السبق مررنا بتجربة قاسية في التنقل بين موانئ الإمارات الشمالية، كما واجهنا معاناة حقيقية ونحن نغطي غرق سفينة قبال شركة دوبال في دبي، فقد استأجرنا طراداً من شخص اسمه مبارك، وخرجنا جميعاً إلى عمق الخليج، ولكن محركات الطراد توقفت عن العمل، انتظرنا مدة طويلة حتى جاءت المساعدة، كما أننا خرجنا في طراد لتصوير احتراق سفينة قبالة جزيرة أبوموسى وانتظرنا أربع ساعات ونصف الساعة إلى أن تمكنا من التقاط الصور.

هكذا يروي عبيد بن طويرش تجربته الصحافية الميدانية مفتخراً بها، يقول: الصحافة ليست مكتباً تجلس خلفه، لا بد للصحافي أن يخوض غمار التجربة الميدانية وأن يذهب للحدث أينما كان، وأثناء احتلال الكويت 1990، ذهبت مع الزملاء إسماعيل عبدالله ونجوم الغانم وعبدالله ربيع إلى مدينة الطائف، ومكثنا هناك شهراً ننقل الأخبار وتصريحات أمير الكويت، فتجربة العمل الميداني تصقل الصحافي وتنمي حواسه وتجعله مستنفراً على الدوام،

ومع أنني كنت أحرر صفحة بعنوان «أنا البحر» وأجريت حوارات مع كبار النواخذة حول حياتهم الأسرية والاجتماعية، وقدمت شروحات لأدوات الغوص ووسائل الملاحة البحرية القديمة، إلا أن هذا العمل أعتبره ميدانياً بسيطاً مقابل تجربتي الحقيقية، ومع أنني كتبت مقالات كثيرة تحت عناوين مثل «غواص» لمدة عامين، ومقال أسبوعي بعنوان «صدى الأسبوع»،

إلا أنني أتمنى على الزملاء أن لا يقتربوا مباشرة من كتابة العامود الصحافي عند تعيينهم، فالاهتمام بكتابة المقال على حساب الصحافة الميدانية لا يخلق صحافياً جيداً على الإطلاق، وكم تعجبني تجربة تلفزيون دبي، ففيها تجربة حقيقية للعمل الميداني بكوادر وطنية شابة، وأتمنى من الجميع أن يحذوا حذوهم.

رئاسة التحرير

بعد تجربة ميدانية حافلة بالأحداث والمفارقات، تكلل مجهود عبيد طويرش بتعيينه مدير تحرير صحيفة الاتحاد، واستمر في هذا المنصب عامين، تسلّم بعدها رئاسة التحرير، وعن هذه التجربة يقول: بالطبع كنت خائفاً من تولي هذا المنصب، فهو مسؤولية كبيرة وليس فيه من الوجاهة شيء، وأنت مطالب بأن تحسب حساب كل صغيرة وكبيرة، ولهذا كنت أمكث في مكتبي أربع عشرة ساعة يومياً، أعمل هنا وأتابع هناك، وكان حب المهنة هو دافعي الوحيد في هذا الشأن،

لكنني واجهت المسؤولية الكبيرة بتعاون مع جميع العاملين في الصحيفة، كان الاحترام المتبادل والآراء الجريئة هما سر اندفاع عجلة المسيرة إلى الأمام، وفي هذه الفترة استطعنا ان ندخل نظام التحرير الالكتروني وإن كنا لا ننسب الأسبقية لأنفسنا في هذا المجال، فقد سبقتنا جريدة الفجر في ذلك وهي أول من أدخل هذا النظام من بين صحف الدولة، لكن الأسبقية لنا في وضع الصحيفة على الانترنت، كذلك قمنا بإصدار كتاب شهري.

يتوقف عبيد طويرش للحظات عن الحديث ليتذكر بعض المواقف التي صادفته خلال تجربته الميدانية، يبتسم وهو يحكي حكاية الطبيب الذي ادعى علاج المريضة السعودية، وكيف أنه ذهب مع أحد المصورين لمقابلة المريضة في بيتها، وعندما طرق الباب تراجع المصور خوفاً من انتقال عدوى الإيدز إليه، ولم يدخل إلا بعد إرغامه بالقوة،

وظل المصور جامداً بالكاد يلتقط الصور، ورفض تناول المشروبات، على الرغم من أن المريضة لم تكن مصابة بالإيدز، الأمر الذي اتضح فيما بعد وانكشف أمر الطبيب الذي لا يحمل شهادات صحيحة من الأصل، ومن المواقف الحرجة أيضا يتذكر رحلته إلى اليمن لتغطية مؤتمر صحافي كان يعقده وزير الخارجية اليمني عبدالكريم الأرياني حول قضية جزيرة «حنيش»،

ومطالبته المتكررة للدول العربية بالوقوف إلى جانب اليمن في مطلبها الشرعي، فما كان من عبيد طويرش الا أن سأله .. تطالبون العرب بالوقوف إلى جانبكم في قضيتكم، بينما امتنعتم عن التصويت في مجلس الأمن عند احتلال العراق، فأي الاحتلالين حلال؟، وضجت القاعة بالتصفيق.

ميساء فقط

وما بين بدايات الصحافة في الإمارات وما وصلت إليه، يهمس عبيد طويرش في أذن القيادات الصحافية بأن يستفيدوا من تجربة السابقين أمثال المرحوم تريم عمران وخالد محمد أحمد بوصفهم شخصيات أثرت الساحة الصحافية في الدولة وساهمت في ترسيخ دعائمها، وبنت علاقات ممتازة مع المطبوعات والصحف العربية، كذلك يلفت الانتباه لما يسميه «بالجزر الصغيرة» داخل المؤسسات الصحافية، والتي ليس لها هم سوى التسلق والتقرب من رئيس التحرير، وتتبع هذا الأسلوب كونها خاوية من الداخل وضعيفة مهنياً ولذلك تتبع أساليب التزلف والنفاق.

أما عن رأيه في الإصدارات الكثيرة والمجلات التي لا تعد ولا تحصى فهو يرى أن معظم هذه المجلات تصدر للوجاهة الشخصية، وهي مجلات خاسرة تماماً باستثناء المجلات التي تحظى بدعم حكومي، ولذلك دائماً ما تظهر أسماء مجلات جديدة في الأسواق وسريعاً ما تختفي، هذه النوعية من المجلات يلحقها عبيد طويرش ببعض كتاب الأعمدة في الصحف الذين يصفهم بالمتاجرين بالكلام والمسترزقين، وعندما سألته عن كاتب يعجبه ويتابع مقالته باهتمام أجاب: ميساء بنت غدير فقط.

عز الدين الأسواني