شاهد على حقبة مهمة من تاريخ الامارات وهي فترة الستينات، لذلك رأى أنه من الأفضل تدوينها بل وتسجيل بعض الأحداث المهمة في تلك السنوات من اجل نقلها إلى الجيل الجديد وتنوير القادمين إلى الأمارات، خاصة أبوظبي و طبيعة الحياة التي عاشها قبل اكتشاف النفط، فقد شهدت الإمارات في العقود الثلاثة الأخيرة تغيرات مذهلة تكاد لا تصدق حتى بالنسبة للأشخاص الذين عاصروا تلك الفترة، فقبل اقل من خمسين سنة كان بقاء الناس هنا أحياء موضع شك، ولم يكن للناس ملجأ سوى الله سبحانه وتعالى ورحمته.،

وضيفنا رجل الأعمال محمد عبد الجليل الفهيم نجا من الموت بأعجوبة أثناء رحلة لعائلته عبر الصحراء من أبوظبي إلى العين عام 1950 م، حيث وسدته امة تحت ذراعيها تحت لهيب الشمس المحرقة على ظهر جمل وهما يقطعان الكثبان الرملية وكانت الرحلة تستغرق حوالي سبعة أيام، وأصيبت أمه بالإغماء من فرط الإجهاد، وانزلق من بين ذراعيها ووقع في شراك ثوبها وبقي مدلى على جانب الجمل فترة طويلة قبل أن تلتفت إليه عمته التي كانت تسبقهما ورأته يتأرجح ذهابا وجيئة، وتوقفت القافلة وتم إنقاذه وتوجه الجميع بالشكر إلى الله سبحانه وتعالى على نجاته.

قسوة الظرف المناخي

يعود بنا الفهيم إلى الماضي حيث كانت الأحوال المناخية القاسية على الساحل تنفر الناس من السكن في جزيرة أبوظبي وخصوصا في فصل الصيف حيث كانت الحرارة والرطوبة الشديدتان، وكان النساء والأطفال ينتقلون إما إلى العين أو ليوا في الوقت الذي كان يركب الرجال البحر يصيدون اللؤلؤ من مايو حتى سبتمبر، و كان من يبقي من سكان في أبوظبي لا يتجاوز 15% من تعداد السكان، وذلك بسبب نقص المياه العذبة وسوء الظروف المعيشية، وبدأ الناس يعيشون في أبوظبي طوال السنة اعتبارا من أواخر الستينات،وما بعد ذلك حين أنشئت الأعمال والمكاتب هنا بصفة دائمة.

وكانت الرحلات طويلة المسافات تتم على ظهور الجمال ولم يكن هناك إلا عدد قليل جدا من السيارات، ولكن لم تكن هناك طرق ممهدة، وكانت الجمال تستخدم بكثافة للتنقل بين قرى المنطقة وكان السفر إلى الامارات الشمالية مثل دبي والشارقة ورأس الخيمة يتم أساسا بالقارب، وكان يستغرق حوالي سبعة أيام بين أبوظبي والعين أو ليوا وثلاثة أو أربعة أيام للسفر إلى دبي،

وكان الناس يسافرون في قوافل من عشرين أو ثلاثين جملا توخيا للسلامة والصحة.وحتى نهاية الخمسينات لم يكن أي من سكان أبوظبي المحليين يمتلك سيارة باستثناء الشيخ وبضعة أفراد من الأسرة الحاكمة، وشخص أخر يمتلك سيارة يستخدمها للأجرة أو لخدمات النقل. وكانت الأغلبية لا تزال تعتمد على الجمال.

موت على الطريق

ويتذكر الفهيم المأساة التي تعرضت لها أسرته قبل عقد من وصول أوائل السيارات، حيث كانت أسرته تمضي شهور الشتاء في أبوظبي والصيف في العين في الأربعينات والخمسينات بل وحتي الستينات من هذا القرن، وكانت تسافر ذهابا وجيئة ضمن قافلة من الجمال أثناء فصلي الربيع والصيف، وفي خريف 1947م أي قبل حوالي سنة من مولده يقول انضم جدي وجدتي ونساء الأسرة إلى قافلة متجهة من العين إلى أبوظبي،

وبعد يوم من السفر خيموا لقضاء الليل في منطقة تدعى السليمات قريبا من موقع مطار العين حاليا، وشكت جدتي البالغة من العمر خمسا وخمسين سنة في المساء من أعراض مرضية ولذلك مددوها على الأرض لترتاح، ولكنها فارقت الحياة في غضون ساعات قصيرة، وكان موتها صدمة مريعة للأسرة كلها فقد كانت جدتي قوية وبصحة جيدة، ولم يكن موتها متوقعا أبدا، وكما تقتضي تعاليم الإسلام دفنوها هناك قبل نهاية اليوم التالي واستأنفوا الرحلة نحو أبوظبي.

وبعد ثلاثة أيام وفي مكان يدعى رماح حيث تقع مدينة الخزنة حاليا مرض جدي وتوفي فجأة، ولم يكن هناك رجال آخرون من أسرتنا في تلك الرحلة، فقد كانوا في أبوظبي ينتظرون عودة الجد والجدة والنساء والأطفال،ولذلك اجتمع سائقو الجمال المستأجرون والمسافرون والآخرون وأدوا مراسم دفن جدي، فلم يكن غريبا أن يموت الناس وخصوصا المسنون وهم يسافرون في الصحراء.

ويشير الفهيم إلى أن سبب الوفيات حينذاك تعود إلى ضربات الشمس وأعياء السفر نتيجة أشعة الشمس اللاهبة والحرارة الجهنمية وحركة الجمال المستمرة التي كان المسافرون يركبونها أياما. كان ذلك أكثر مما يتحمله المسنون الذين ليست لديهم طاقة وقوة الشباب، وكانت وفاة الوالدين في رحلة واحدة ضربة ماحقة لعماتي وسحقهن الحزن تماما.

أكواخ من سعف النخيل

ويؤكد الفهيم أن أهل أبوظبي كانوا يعيشون في أكواخ من سعف النخيل وكان الاستثناء بعض المقيمين والأسرة الحاكمة ممن عاشوا في بيوت مصنوعة من الطين أو الصلصال أما الحاكم فقد كان يسكن قصرا، وكانت البيوت متجاورة لدواعي الأمن والصحة وطلبا للدفء في الشهور الباردة، وحاول السكان أن ينأوا عن البحر. وكان البعيدون عن البحر في مناجاة من رياح الشتاء الباردة والرطوبة العالية في الربيع والصيف والخريف.

وكنا نستخدم حصيرا مصنوعا من سعف النخيل لكسوة أرضية الخيام والأكواخ التي كنا نسكنها. وخلال أشهر الشتاء الباردة كانت هذه الحصر تعلق على مخيط البيت لصد رياح الشمال الباردة والمحافظة على الدفء، وكانت الحصر من سعف النخيل تستخدم للجلوس والنوم وعزل الخيمة، وكانت تحول أحيانا إلى سقوف للأكواخ، ولم يكن لدينا من الملابس في الشتاء أكثر مما لنا في الصيف، لذلك عندما يكون الطقس باردا كانت الأسرة كلها تتجمع في زاوية واحدة من الكوخ للمحافظة على الدفء ليلا، أما في الصيف فقد كنا ننام خارجا في العراء أملا ان تهب علينا نسمة هواء منعشة، وكانت البراجيل تستخدم لتبريد البيوت المصنوعة من الطين والصلصال.

كفاح يومي وشقاء

ويواصل الفهيم ذكرياته عن الماضي قائلا أثناء أشهر الشتاء كانت النساء تتولي رعاية شؤون المنزل بما في ذلك الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال في الوقت الذي يذهب الأطفال إلى صيد السمك، وكانت النساء تبيع خصيلة الصيد في السوق حتى تتمكن من شراء مستلزمات المنزل والمؤن الأخرى، وكن مسؤولات عن نقل المياه في جرار من الفخار وكانت الآبار العمومية على مسافة حوالي كيلو متر من أبوظبي

وكان يتعين تجريف هذه الآبار يوميا حيث انها سرعان ما كانت تمتلئ بالرمل، وكانت جوانبها الزلقة تنذر بالغرق في مياهها، وكان بعض الناس يسقطون فيها أحيانا وكانت مهمة الذهاب والجيئة إلى البئر مهمة شاقة.أسهل على الأسر التي تمتلك حمارا يمكن استخدامه في حمل الماء، وقد كان امتلاك الحمار رفاهية لم تكن تتوفر إلا لقلة من الناس.

وكانت وسائل الراحة شبه معدومة بالنسبة للنساء وكانت حياتهن شاقة، فقد كان عليهن ان يتولين رعاية المنزل والأطفال، وشؤون الماشية من الخراف والجمال، فكن يحلبن النعاج والنوق ويطعمن الأولاد ويستقبلن الزوار ويحمين أسرهن ويحمين بعضهن البعض، فقد كان المجتمع صغيرا وشديد الترابط حيث يتصل الناس ببعضهم أما قرابة أو مصاهرة بالزواج،

وكانت الأم التي تعجز عن أرضاع ابنها لسبب أو لآخر تحمله لأحدي جاراتها المرضعات لترضعه لها وتعني به جنبا إلى جنب مع طفلها وحتى في الأربعينات والخمسينات حين كانت أغذية الأطفال المصنعة والوسائل الحديثة الأخرى لتربية الأطفال متوفرة في العالم الغربي لم يكن يتوفر في أبوظبي بل في منطقة الخليج حليب مجفف للأطفال، أو أي نوع آخر من أغذية الأطفال.

المرأة عصب الحياة

ويضيف الفهيم وكان على المرأة أن تخيط الثياب لأسرتها وتتسلق النخل لتجني التمر لإطعام أسرتها، وتعتني أيضا بالمزارع تحرث الأرض وتبذر البذور وتجني الثمار.وحتى الطبخ لم يكن عملا يسيرا، فقد كان على المرأة قبل أن تطبخ ان تجد الوقود وهو الحطب، وكان ذلك شيئا صعبا في البيئة الصحراوية فكن يجمعن كل ما يلقيه البحر إلى الشاطئ من أخشاب ويضفن إليه مادة قابلة للاحتراق يمكن التقاطها من بضع أشجار النخيل في المنطقة،

وكن يشترين الحطب من البدو الذين يجلبونه من الصحراء.كانت جزيرة أبوظبي في ذلك الوقت جزيرة جرداء إلا من بعض الشجيرات والنباتات الموسمية التي لم تصلح جميعا كوقود، وكانت النساء يأخذن الحطب الذي جمعنه أو اشترينه فيوقدن نارا في العراء يطبخن فوقها وجبة الطعام.وكان الطعام نادرا وكان يصعب على الرجال الحصول على كميات كافية لإطعام أسرهم، ولكن النساء كن مدبرات حقا في الاقتصاد والاحتفاظ بالمؤن أطول فترة ممكنة، وكان الغذاء يتألف من أرز وسمك ولبن رائب وتمر.

وكان الأرز يستورد من الهند عبر دبي والسمك يتم اصطياده من مياه الخليج واللبن من حليب الماعز والنوق والتمر من أشجار النخيل المحلية، أو يشحن من البحرين لسد الحاجة، ولم تكن هناك دواجن وكان هناك القليل من اللحم إذ كان يتم الإبقاء على بعض الحيوانات الموجودة للاستفادة من ألبانها ومن الصعب الاستغناء عنها للاستفادة من لحومها،

وكانت المشروبات المنعشة تتكون أساسا من الشاي والقهوة العربية، وكان الماء العذب النظيف مازال غير متوفر في ابوظبي، وكنا نشرب من المياه المائلة للملوحة والتي كنا نحصل عليها من الآبار المحلية، وكنا نسعد بحصولنا على المياه العذبة حين ننتقل إلى المويجعي أثناء شهور الصيف.

في رعاية درويش

ويقول الفهيم انه لم تكن هناك مستشفيات أو مدارس في الخمسينات باستثناء الكتاب (المدرسة الدينية ) الذي كان يديره درويش بن كرم وهو رجل مدهش إذ كان معلما وشاعرا ومأذون زواج وإماما للمسجد وطبيبا وكان يختن الصبيان وفي الوقت الذي كان الملا درويش يبذل كل ما في وسعة لتعليم الصغار ومعالجة المرضي إلا أنة لم يكن مدرسا أو طبيبا مؤهلا وكنا بحاجة ماسة إلى كليهما.

وكان معظم الناس لا يجيدون القراءة والكتابة، وكانت نسبة الأمية حوالي 98% وكان القلة الذين تعلموا القراءة يستخدمونها فقط في قراءة القرآن الكريم، وباستثناء الأدوية العشبية التي كان الملا درويش يوصي بها لم تكن هناك طريقة أخرى لمعالجة الأمراض العادية، وانتشرت وقتها أمراض العيون ولم تكن هناك مرافق طبية فلم يفتتح أول مستشفي في أبوظبي إلا في عام 1967، وقبل ذلك كانت نسبة الوفيات مرتفعة جدا،

وكان الأطفال والنساء أكثر الناس عرضة للإصابة بالأمراض، وكان كثير من النساء يقضين أثناء الولادة ومنهن والدتي التي رحلت في عام 1962م وعمرها 30 سنة، وكان أي مرض ترافقه الحمى قاتلا لم يكن له علاج فعال لارتفاع الحرارة، وكانت الأدوية العشبية التقليدية المتوفرة لا توفر لنا مناعة كافية ضد الأمراض والعلل. ولم تكن الوفيات أو الولادات أو الزيجات أو الأحداث المهمة في حياة الناس تسجل في أي مكان، ومعظم السكان المحليين المولودين قبل العام 1960م يخمنون ولادتهم تخمينا أو ينسبونه إلى حدث مهم في تلك السنة.

ورغم ارتفاع نسبة الأمية، وقد يكون هذا السبب ان كانت لدينا مرويات شفوية غنية شملت الشعر وتقديرا عميقا لمهارات الخطابة ورغم ضعف الجانب التعليمي كانت لدينا ذاكرة ممتازة لحفظ الشعر وكان الكثيرون قادرين على حفظ ورواية قصائد لم يسمعوها إلا مرة واحدة.

سعادة طفل

ويؤكد الفهيم أن ذكريات طفولته في ابوظبي والعين كانت سعيدة رغم الصعوبات والمشاق التي ارتبطت بها، ومثل أغلب الصغار في عمره، ويقول لم أكن مدركا لصعوبات الحياة في الصحراء وعلى شاطئ الخليج العربي، لعلى تمتعت برفاهية وامتيازات لم تتح لأكثر أقراني، فقد كان والدي يملك منزلا صيفيا في المويجعي قرب واحة العين، إلا انني عشت أول أربع سنوات من عمري في قصر الشيخ زايد رحمه الله، ومع زوجته وابنهما الوحيد وقتئذ الشيخ خليفة، فلم يكن القصر بعيدا جدا عن بيت والدي، وكان في معيشتي في قصر الشيخ زايد تخفيف للعبء عن أمي التي كان يتعين عليها ان تعتني بثلاثة أطفال في ذلك الوقت بجانب شؤون البيت.

إيمان قنديل