خارج الزمن، على الحدود الفاصلة بين الحنين والعناق، على شغاف القلب، وتحت الأجفان المغلقة والعيون الشاردة، تمتثل هذه العمارة، كماء الخلايا لا تكف عن العطش، وملاذ لا يكف عن الدفء، وسيرة لا تكف عن المجد. إنها عمارة أسلافنا، عمارتنا، عمارتكم. وهذه الحجارة المتراصفة على امتداد الأرض تختزن أريج الراحلين.

تبرعم سر خلودهم، فنراهم من جديد كلما لامس ضوء الفجر آثارهم، وكلما أعاد المطر الناعم رائحتهم، معجونة برائحة الأرض في الشتاءات الندية، وكلما انكسر شعاع المغيب على الأبواب القديمة والنوافذ القديمة وتخلل الأسقف التي ظللتنا ذات حين. هنا كانوا، وهنا نتنشقهم الآن، ونلتحف ظلالهم التي رسمت هيئاتنا وأطلقت وجدنا على مداه.

البيوت التي كانت، والبيوت التي زالت ، والنوافذ التي نطل منها على سعف النخيل، تلجّ في الروح. فهذا الحنين عصيّ على الزمن، وتلك الوجوه عصية على الرحيل، متوغلة في حجارة الأبد. وما نراه هو ذاكرة الأرض، وإن مادت. إنها طفولتنا، طفولتكم ، تعدو في المكان الذي تداعى، لكن قاماتنا تشتد به، وقلوبنا ترتعش له، و أعيننا ترسمه من جديد، بينابيعه واحاته، وبحلبات السبق، وعرائش الحب.

هنا كانوا، بين الحجارة وظلها. بين خشب الجوز والزجاج المعشقة . بين المرايا والوجوه البهية. بين الكحل العربي والعيون الواسعة. بين الشجر المتشابك وأعشاش الطير. هنا.. بين دمعة الحنين، وضحكة لم تغادر سياج الزمن، ويد ظلت تمد لنا خبزها الحار، وزبيب حكاياها، وسلال القش التي ملأها الجن بعنب الجنة.

هنا.. قرب نبع الحياة، في لجة مائها، وعلى موجة الأمنيات المستجابة يعودون ، مرة بقاماتهم وملامحهم، ومرات على شكل هبوب عليل، وهطول تبتل به الأرواح. هنا كانوا، وهنا نرفع أكفنا عالياً عالياً، ونشهر خلايانا الحافلة بهم، علنا نلامس أطراف قاماتهم الشاهقة.

اسماعيل الرفاعي