الحرف والصناعات التقليدية القديمة، بغض النظر عن كونها مصدر رزق لكثير من الأسر، إلا أن لها أيضا طابعا مميزا في حياة الحرفي، فهي التي علمته الصبر والتحمل والاعتماد على النفس، وهي أيضاً حمته من الحاجة والبؤس في وقت كانت الحياة صعبة جدا وموارد الدخل قليلة.

من الحرف التي زاولها الآباء والأجداد قديما حرفة النجارة وهي من الحرف والصناعات التقليدية القديمة، ويقول أحمد صالح حسين الهمش والذي تجاوز عمره السبعين عاما، انه مارس هذه الحرفة منذ كان عمره عشرة أعوام، وعلم نفسه بنفسه دون الاعتماد على احد، وهي المهنة التي زاولها عندما هاجر إلى زنجبار، والجميل انه مازال يمارسها حتى اليوم ليس كحرفة يعيش منها وإنما لكي يعطي دروسا للأجيال الحاضرة عن الأدوات والطريقة التي كانت تمارس قديما.

أحلام الشندغة

يستعيد الهمش ذاكرته القديمة، فيتذكر مكان ميلاده ولا يتذكر تاريخ ولادته، حيث يقول: الوالد من منطقة اسمها بخا تقع في رؤوس الجبال في منطقة قريبة من مسندم العمانية، وفيها ولدت ولكن لا أتذكر متى كان ميلادي كل ما أتذكره الآن أنني تجاوزت السبعين عاما، فوالدي عندما قرر السفر إلى دبي اصطحبني معه وعمري آنذاك عشرة أعوام، وسكنا في الشندغة نفس موقع قرية التراث حاليا حيث كانت بيوتها من جريد النخل وسكانها من اسر معروفة منها بن لاحج وبن قندي والأملح وبن بيات وعيال ثاني وعبيد بن صقر،

ونزل والدي عند محمد بن لاحج بينما نزلت عند جمعة الاملح وكانوا جيران بعض، واشتغل الوالد نوخذة وظل يتنقل في الموانئ القريبة، بينما أخذني جمعة الأملح لأعمل معه (تباب) في سمبوك كان يملكه مقابل أجرة بسيطة كل ثلاثة أشهر سبع روبيات، وبعد سنة واحدة فضلت أن أتعلم صنعة النجارة وعلمت نفسي بنفسي، وكان دخلي منها خمس روبيات في اليوم وبعد اتقاني الصنعة زاد دخلي اليومي وأصبح عشر روبيات وظل الأجر يتزايد حتى بلغ المئة روبية.

كانت حاجة الناس في تلك الفترة أكثر (البيبان والدرايش) والباب يتكون من عدة قطع منها ما نسميه بلهجتنا (مصراع، مافي، جمل أو فحل) إضافة إلى الزخرفة التي نقوم بها، والمرافع التي تستخدم للمصاحف وغيرها من الأدوات التي يحتاج لها الإنسان في تلك الفترة، كذلك عملت في صيانة السفن الصغيرة التي كانت أساساً من صنع النجار، وكل الأعمال كنا نستخدم من خلالها أدوات وعددا بدائية مثل مغزل الشعر والمقدح والقوس وقدوم ومناجر مختلفة المقاسات ومسحل ومنشار ورنده وأحياناً نطلق عليها فارة وغيرها من الوسائل القديمة التي أصبحت من أدوات الماضي في ظل وجود وسائل حديثة وورش نجارة تقوم بصناعة كافة حاجات الناس بأشكال فنية وهندسية.

الهجرة إلى زنجبار

وعندما ضاقت بي سبل العيش فكرت أن أغادر دبي إلى جهة أخرى وفكرت في زنجبار ذهبت إليها وكان عمري حينذاك 17 عاما، وأذكر أنني ركبت إحدى السفن الخشبية مقابل مبلغ زهيد وأول ما وصلت هناك عملت في النجارة لمدة عامين، وكان تعاملي مع جماعات يأتون من الصومال والمناطق المجاورة وأقوم أحيانا بإصلاح السفن الصغيرة التي تتعرض للعطب والضرر، واستمر وجودي هناك لمدة عامين فقط ثم عدت إلى دبي ووجدت الحال نفسه، فقررت السفر هذه المرة إلى قطر حيث مكثت فيها عاما واحدا واشتغلت في نفس المجال مع تاجر قطري من قوم بن مانع،

بعد ذلك عدت إلى دبي وواصلت العمل في حرفة النجارة التي استمرت أكثر من 25 عاما، لكن بعد هذه السنين بدأت حرفة النجارة تختفي بسبب ظهور الوسائل الحديثة والأجهزة المستوردة، ولكي أعيل أسرتي التجأت للعمل في مجال مكائن السفن حيث كان لدي إلمام بإصلاحها وعملت بوزارة الزراعة في خور فكان، وبعد إحالتي إلى التقاعد قررت العودة إلى مكاني السابق في الشندغة، واليوم عملي في قرية التراث هو تعريف الأجيال الحاضرة بدور الحرفيين القدامى في بناء المجتمع الإماراتي التي اعتمد على بناء نفسه في أصعب الظروف.

الزواج والأبناء

من الذين كانوا يمتهنون المهن والحرف التقليدية، البعض منهم توفاه الله ومنهم من أمد الله بعمره، ومن أتذكرهم محمد الشارقي الذي عملت معه فترة من الزمن، وعبدالحسين من خورفكان، وقوم حبتور في عجمان، وعيال بن صندل في أم القيوين، وابراهيم سعد وأخوه في خورفكان، وهناك الكثير الذين عملوا في هذه الحرفة وغيرها من الحرف التي كنا كمجتمع خليجي نمتهنها.

وتزوجت في مراحل شبابي الأولى من فتاة قطرية ولم يستمر الزواج أكثر من سنة، بعدها تزوجت من امرأة من سلطنة عمان وهي أم أبنائي الكبار مريم ومحمد توفاها الله، بعدها تزوجت امرأة من خورفكان وهي التي أنجبت لي خمس بنات وولدين، ثم تزوجت من امرأة من عمان أيضاً وأنجبت لي ثلاث بنات وصبيا، وأخيراً ومنذ 15 عاما تزوجت امرأة من الهند وأنجبت لي ثلاث بنات وولدا واثنين توفاهما الله.

في أيامنا كان الواحد منا يتقاضى خمس روبيات في اليوم وربما تزيد قليلا، وهذه الروبيات القليلة كانت تكفي لمعيشة أسرة كاملة، ومازلت أتذكر يوم أعطاني والدي روبية واحدة وذهبت إلى البقالة والتي كانت الوحيدة في الشندغة ويملكها شخص من إيران، واشتريت منه (ناريل) جوز الهند وفانيلة وغترة أبودامة ومقصر (قميص) وبعض الأشياء الأخرى وبقي معي من الروبية، هذا الحال كان في زماننا، وكنا نأكل ونشرب من منتوج البيت الحليب من الغنم والبقر والبر،

أما أنواع العيش «الأرز «ما كنا نعرف غير السوقندي والقردة ودواد خان واتانا البشاور، أما اليوم فالحال تغير وأصبحت المعيشة أكثر يسر، وكل أنواع الغذاء توفر من كل مكان، وأصبح أبناؤنا لا يأكلون إلا الأكلات الجاهزة والعصائر المستوردة، واختلفت العادات والتقاليد والزيارة بين الأسرة الواحدة قليل جدا ان لم يكن نادرا، وقد يكون من حسن حظي أن أعيش أنا وأسرتي المكونة من أكثر من 25 فردا في منزل واحد.

جميل محسن