لم أره منذ سنوات قليلة، لكن حين شاهدته خفق قلبي بهذا المكان الذي شهدنا ولادته وشهد «له» الأصدقاء. يقول الفيلسوف الفرنسي باشلار صاحب الكتاب التحفة «جماليات المكان» إن «الطفولة هي جذر المكان» وهو يقصد مسقط رأس الكائن البشري ـ لكننا بصدد مكان لا يملك من ذكريات طفولتنا شيئاً، وإنما كان خير حاضن لطفولتنا المتأخرة، يوم كنّا نتحلّق في باحته حول الطاولات نتبادل ثرثرات الإبداع والثقافة، ولا شيء غير ذلك، ولا نجرؤ على أكثر من ذلك.. لأنه مكان يمتلك تشريط زواره بكل ما هو جميل وخلاّق.
إنه ساحة الفنون بمنطقة الشويهين بالشارقة.. مكان غير قابل للعطب وفساد البشر، فمفرداته صيغت بعناية، وألوان أبنيته الحلبية تشي بحضور النقاء وبياض السرائر، والكلام المهذّب المفروض بسطوة المكان. حين ترفع بصرك صوب البنايات الشاهقة التي تحيط به تجدها بمثابة أقزام في حضرة مكان يشمخ بقاماته الثقافية وفحواه المندّى بحرية القلب والعقل ومغامرة الأصابع وبذخ الألوان.
حين تدلف إلى بيت الشامسي، بؤرة الوهج التشكيلي، تجد مراسم الفنانين وهي تحول الفضاءات لفراشات الإبداع في صمت مهيب.. فهذا مبدع يقف خارج محترفه كي يدخن سيجارة هرباً من عبء اللوحة.. وتلك فنانة تحتسي القهوة في لحظة شوق لاصطياد الفكرة، وثالث غارق في مداعباته اللونية وانزياحاته القزحية.
خطوات قليلة تفصلنا على بيت السركال المسؤول الأول عن تفجير طاقات الأطفال الفنية، حين نصعد درجات سلّمه الطافح برائحة العتاقة، لنشاهد عدداً من الصغار وقد انزوى كل منهم في ركن يسكب فيه معزوفات عشقه التشكيلي التي تمور في قلوبهم الغضة وترهص بمخاضات تكاد أن تسمعها عبر ضربات الريشة ورعشة الورق المصقول بين أناملهم.
خطوات أكثر قلة لترى جمعية الإمارات التشكيلية وهي بمثابة سوق عكاظ التشكيلي، حيث تتعالى أصوات الفنانين وتتعدد صرخاتهم، كلٌ يدافع عن مشروعه الإبداعي، وكل يتقاطع ويتوازى حسب مدارسهم الفنية.. يبدو الخناق مقبولاً ومبدعاً حين يكون الفائز هو الجميل والأجمل.. فيتحول صراع الديكة إلى أحضان دافئة وعتابات تليق بالفن والفنانين.
أما متحف الشارقة للفنون فهو مكحلة الفن الحقيقية التي تستمد كحلها من الأعمال الهاجعة في أروقتها، والسادرة في صيغ الجنون، ما بين الضوء والظل واعتقالات الفراغ وهندسة اللون والتجلي والخفاء. الدالف إلى المتحف يستشعر القداسة التي تلفّه والسكون الذي يُفسح الأفق لهمسات الإبداع القابع في الحجرات.
وتبقى باحة «مساحة الفنون» المكان الرؤوم لغالبية المثقفين والمبدعين الذين اتخذوه محجاً للسجالات الفكرية والمشاحنات الأدبية، والقلوب في أقاصي بوحها وعذاباتها وانفعالاتها.. كنا نشتم رائحة البحر وهي تهب على أحاديثنا وكأنها تحتفي بنا كي لا تخدش اللحظات التي تسطر نبضاتنا وضحكاتنا وأحزاننا.. كان المكان عنواننا، ومستقرنا وعشقنا النابت على جبين محياه.. كنا أسراه الأحرار، وأحراره المتورطين في قيوده الناعمة.
«ساحة الفنون» عصية عن النسيان، تقف بعناد شديد في وجه العصرنة الاسمنتية ونزعة الاستهلاك السارحة في الأسواق المتاخمة للمكان. لا شيء يضاهي كنوزها الثقافية، ولا صوت يعتدي على حضورها الرصين.. فهي المستغرقة دوماً في فاكهة اللون وأهازيج التشكيل.. وإذا كنا قد أضعنا عناوين الأصدقاء وشهود العيان، فلا يزال المكان يتفاخر بظله الممدود على ذاكرتنا وطراوته المرشوشة في عيوننا.
مجدي أبو زيد

