المطارات تقاطع المدن والأزمنة، وزحف السحنات الشاحبة التي تدلف من بوابة القادمين في سيل من جهات الأرض، وأنت تطل على الظواهر والبواطن، محاولاً الوقوف على تلك اللحظة الخاصة، لحظة تصلّب الخطى على عتبة الاحتمال، والجسد على العوالم الغامضة، والروح على كيمياء المغامرة.

أو هكذا يحسب من جرفته الأزمنة إلى البلاد الغريبة، أو استبد به الانتظار على أبواب الكهرباء وهي تتحسس غبار السفر في رئة المسافرين.والمطارات بوابة القادمين إلى أنفسهم والراحلين عن أنفسهم، يقلبون الجغرافيا، بحثاً عن مربع الحلم الضائع، أو خريطة الكنز المزيفة. يقودهم شاعر جوال إلى المدن الحلم، ويعيدهم الطاحون إلى أنفسهم.

هكذا تهدر الطائرات وتصفر القطارات، وهكذا تصهل الخيول، منذ أن ضاعت عربة المسافر في دروب السفر. وهكذا تتسمّر الأقدام، وتكف الأرواح عن فضاءاتها، حين يردد عابر: «كل الدروب تؤدي إلى روما»، آن يهبط مدرج الرغبات الحارقة والأمنيات الصادقة، والتهاليل الكاذبة.

أي الجهات لك، حين غادرت خطاك وأتيت، نصف ميت، نصف حي، وهل أطلت البكاء، في أرض أنجبتك، وأطلت البكاء في أرض لفظتك، حتى تدلف بعين شاخصة، وقلب جاف، تجر نفسك جراً إلى صديق قديم يقودك خارج بيته. وعلى ماذا تغلق عينيك، حين يحلق الطائر المعدني.

ما الذي تراه حين تحط بك الخيبة وأوجاع الظهر وألم الروح، على أرض تحسبها بانتظارك. ولأنك ها هنا بلا ذاكرة ولا قلب، تنهض الوحوش والأثلام، ويستبد بك الحنين، إلى أرض النهر وأول الحارة وأول الحكاية. ولأنك عاجز عن حمل روحك، تفتقر الأمكنة إلى ظلك والمطارات إلى شكلك والمدن إلى هواء تتنفسه بأكملك.

والمطارات فتنة التخوم، سلة الأرض، خط الصفر تحتشد فيه الأرقام جميعاً، والمرايا التي لا شكل لها. الحنجرة التي لا لغة لها. إنها الكوة التي تفضي إلى نفسها وهي تحضن خلائق الأرض كلها، وأنت تتفرس في الوجوه التي تعبرك والوجوه التي تنتظرك والوجوه التي غابت في الرحيل الأخير.. في الوجوه المغلقة على ملامحها وذكرياتها، تحاول استيقافها، اكتشافها، واكتناهها دفعة واحدة وبلحظة خاطفة، حين يعبر العابرون الذين تلمحهم لمرة واحدة، وتقرأ في وجوههم أحلامك وخيباتك، والظلال الغامضة للمدن التي يتأبطونها تحت أجفانهم يغلقون عليها قلوبهم وقبضاتهم الراجفة.

خط للعناق، خطوط للوداع، هزيمة مغلفة بابتسامة حزينة، نصر خجول، اكتشاف للجغرافيا القصية، اكتناز للروائح، نتوء للبلاد، دروس سالكة خارج أنفاق العمر، نهر لا يطل على ضفاف، أو هكذا يحسب من تأبط حقيبته، بيد مبتورة وقلب مدحور، تاركاً عمره تحت شجر السنديان على الفرات، وطفولته قرب شاهدة يافعة، ودموعه عند تربة لم تجف بعد.

هكذا يحسب من يتملى الحقائب المحشوة بالخيبة والهزيمة، بضماد الذكريات المهترئ والرغبة في الخلاص، بدفاتر الحب الصفراء والشهقة الموجعة على بوابة الوداع، الحقائب المغلقة على رماد المدن وجذوة الحروف المطفأة والندوب المشتعلة، حين تفضح العيون جريرة الأرواح. والحقائب المغلقة على الموتى وعلى حفنة من بذور الحياة، تنز من الأوردة، على زوادة من أقوال النفري، وحرف من كلام أخير سال على خشب الصليب.

اسماعيل الرفاعي