سيرة المكان، هي سيرة الكائن عند الكاتب والأديب محمد الجزائري، وتطوافه هو تطوف في المعنى. حديثه حديث الماء ينسكب هكذا حافلاً بذاكرة الأرض ومختزناً تفاصيلها ورائحتها ونكهتها. يمضي من أرض إلى أخرى كسليل للرحالة الذين توغلوا في الرّوح واشهروا الطبائع وقاربوا جوهر الإنسان أنى تعرّفوا عليه محمد الجزائري مسافر أسرع روحه للندى الذي تشكل في فضاء المدن الجديدة والغابات الجديدة، وهو يتعرف على هذه المدن عبر الناس الذين صادفهم وتقاسم معهم المعرفة والخبز والملح حتى «صار منهم» وصاروا منه.

من هنا جاء حديثه مشحوناً بعاطفة كبيرة ومحروساً بذاكرة أعادت ترتيب المكان بالنبض والرائحة الحية:

ولدت في حنو الماء. وغمرتني ظلال النخيل بفيئها، كما أسقطت علي الرطب الجني والمعرفة، وعلمتني الأشرعة والنوارس المعنى الأول للحرية والآفاق.. أول الأمهات ـ المعلمات مدينتي البصرة، حيث اجتمعت إلى حلقات الأصمعي وأبي الأسود الدؤلي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وابن سيرين، والحسن البصري وأبي القاسم الحريري، وعبدالله بن المقفع، وتمردات وغزليات وصوفيات بشار بن برد وأبي نؤاس والأحنف..

وتأملت «المختارة» قصر صاحب الزنج، الذي صار حجارة طينه آجراً بيت جد السياب (بيت الأقنان) وارتدت المدرسة ذاتها التي سبقني إليها بدر السياب ومحمود البريكان وتلمست رائحة قصائدهما الأولى ممزوجة برائحة خشب «الرحلات» وشناشيل ابنة الجلبي.. وطالما وقفت عند فم الخليج (مدينة الفاو) رسائل نفسي لم سميت «بوابة المياه» إن لم تكن متصلة بدلمون، وجنة عدن، وهي كذلك بالفعل! الأسفار الأولى، هي من داخل بيتي ومدينتي، شغف وثقافة..

وظلت كذلك: شغفاً وثقافة! حتى تيممت شطر جهات الأرض، وشممت رائحة أجساد المدن»! منذ تكون الوعي الأول ظل السفر في عقولنا وأحلامنا وسيرة من سبق ونصوصهم وآثارهم مكوناً ومعلماً وحناناً والرواة والعظماء ملأوا شرايين جسدي بدم الثقافة والإبداع تلك هي الأسفار الأولى. ثم انفتحت المقلة على البحر والأشرعة والسفائن والنوارس، ومن رصيف شاطئ نهر العشار، عند شط العرب، أو ربما عند شجرة آدم حيث التقى دجلة بالفرات في عرس الماء، انطلقت رحلات السندباد السبع، وانطلقت رحلتنا (الثامنة) نحو أعماقنا ومداركنا.

ـ أول الأسفار، العبور إلى الضفة الأخرى: أراضينا في شط العرب وجزرها، والطريق، من هناك، يقودنا شغفاً إلى بلاد فارس، مرات ـ عند الطفولة للزيارة ـ وعند الفتوة والنضج طلباً للمتعة وسبر ثقافة الجوار.. هناك التقيت الشيرازين، حافظ، وسعدي، والتقيت عمر الخيام، وشهدت باكراً اغتيال بعض قادة «جمهورية مهاباد» الكردية بعد سقوطها، وبعد سنوات شهدت سقوط تمثال الشاه محمد رضا بهلوي وجره بالحبال في ساحة «الطونجانة» حين انتصر مصدق وأمم نفط إيران، ثم حين انقلب زاهدي عليه بمعاونة أخت الشاه فأعادوا «الشاه» وتمثاله وألقوا «الكش»!

عندما كانت بغداد المركز

ـ ماذا تعلمنا؟ وما الذي يعلمنا إياه السفر؟

في فيينا أو باريس، جنيف أو بلغراد، لندن أو برلين، زيورخ أو زغرب، البوسنة أو جنوه، أنقرة أو اسطنبول، أثينا أو سالونيك، طهران أو دلهي أو سيبريا أو موسكو، أو طشقند أو باكو.. جمهوريات وولايات، تفتت وحداتها وصارت إلى العزلة والتوحد، أو الاستقلال والنهوض.. ولكل مزاج وقراءة! لكن أول الأسفار تلك التي داخل الوطن، فالبلاد ليست في شطها ونخيلها حسب بل في تلك الآفاق، حيث أقف وأترعرع على أرض سومر، في الجنوب وأنطلق في القطار الصاعد إلى بغداد.

كأني أمتد بالزمن إى «ألك» و«بابل» والعباسيين، وزهو حضارة العصر الذهبي، حيث كانت بغداد (المركز) والعالم هو الآخر = الأطراف! ثم صعوداً إلى مدينة الشمس (الحضر) وآشور، في نينوى، حيث الثيران المجنحة تحرس قصور آشور بانيبال، وحيث أول «عسكرتارية» تذبح وتحتل وتصل بجيوشها إلى «طيبة» في مصر!

الخارجيون يحلمون بمثل هذه الأمكنة ليحجوا إليها سواحاً، لكنها بالنسبة لي ظلت محجة ومفتاح وعي ومحبة!

ـ العرب علموني ليس على وفق معجم البلدان للحموي، تضاريس ومدناً، تحبها حتى وأنت تقرأ عن رحلات جغرافيينا، في السالف، فحسب، بل تحبها وهي معصرنة ومعصورة ومتضايقة ولا تقدر أن «تفش خلقها» إثر الكبت أو العجز!

العرب والأسفار إليهم، صنعت، وصنعوا، مخيلتي ومحبتي، فالأسرة لا تباعد ولا تبتعد، مهما نأت المسافات وهي ليست نائية، ومهما قست الظروف وتسلطت حكومات تجهل أن البعير كان يعبر من بلد لأخرى دون جواز سفر أو مخافر حدود، كذلك البشر.

من دمشق إلى وهران

كنت أستنشق ياسمين دمشق وأفرح قلبي بأحيائها وجامعها الأموي، كما لو كنت أملأ رئتي بطلع أبي الخصيب، وبمقام ابن الجوزي والحسن البصري. أرى السيدة زينب ومحيي الدين بن عربي، ولا أغفر للذين منعوا جثمان الجواهري ومصطفى جمال الدين من أن تدفن في النجف، والبياتي من أن يدفن جوار الكيلاني!

حين وقفت عند حاضرة الفرات شعرت أن الماء سيصل إلى أقصى الجنوب، ليمارس خصب الوفاء منذ أبد الآبدين، ولن يحجبه «طبقة» أو أي سد فالفرات يسقي شجرة آدم عند «القرنة» ثم لينغمر بماء دجلة في عرس الماء المقدس والزواج البهي ليكون جديراً بما صار (بعض) شط العرب، أو نصف قلبه! هل أنا غريب الوجه واللسان في دمشق؟ أبداً!!

وإذ أشم حكايات العاشق قبالة صخرة «الروشة» أنظر ـ عند الفجر ـ إلى أفق بحر بيروت، وأدرك تجليات أغنية فيروز «شايف البحر شو كبير.. بكبر البحر بحبك» فأعطي العذر لصديقي السكران وهو يدخل الماء ويصرخ «شايف البحر..» بصوته الأجش، ودموعه يكفكفها صديقه منير بشير،

كأنه يلامس أوتار عوده، الدموع تعزف الأغنية، والبحر يلتحم بالأفق، ولا نرى إلا زبد الموج، يلمع كبارق ثغر مبتسم!

وقفت عند الأطلسي، الوقفة ذاتها، بعد أن جعلتني الرسامة حياة بوطيبة وأسرتها أطل من شرفات قصرها على ذلك السفح المائي الأزرق بتونس، سيدي بوسعيد، وأركض باتجاه قرطاج، حتى خليج القردة،

لأستمتع بذلك العزف الشرقي ـ العربي يقدمه أساتذة «تخت» مهارته، كما زخرفة جامعة الزيتونة، وشموخ أصالته كما جامع القيروان.. ونعومته كما زيت زيتون تونس الخضراء، وبشرة «عليا» وهي تصدح في فندق «أفريقيا»: «حمودة.. يا جاري!» مرحبة بوفد الأدباء العرب، وقد غمرت حمرة الحياء وجه محمود شقير (القاص الجميل) وعبد الرحمن ياغي (برغم صرامة نقده!)، حيث جلفا وسط الليل، في الحي العربي، ثم دلفنا إلى «أفريقيا» لنلتقي «عليا» وصوتها الأطلسي! وحزنها الثمل!!

مرة، سألت شاعراً جزائرياً شاباً، رافقني من منتجع «مزافران» (ماء الزعفران) إلى «قصر الصنوبر» في الجزائر العاصمة، ثم جلسنا في أحد مقاهي «حي القصبة» بعد أن أتعبتنا أدراجها و«زنقاتها»: لم لا يبتسم الشباب؟ وكيف تحولت (نساء الظل) إلى عناصر «ثورية» تنقل السلاح وتموه على الفرنسيين المحتلين، حتى صارت إحداهن بطلة ونموذجاً، بل صارت الجميلتان «بوحيرد» و«بوعزة» كذلك؟!

أجابني: استعارت الوجوه سحنات الجبل والمقاومة وجلادة الثوار وبؤس الريف والأحياء الفقيرة غير «المفرنسة»!

والفتيات؟ كيف لهن أن ينتحرن من جسر «القسنطينة»، كأنهن يجارين المحبطات الجيكيات اللاتي يلقين بأجسادهن الجميلة من على جسر «الملك شارل» في براغ؟ أجاب (والي) المدينة، وهو يعدل غطاء الرأس في عباءته التقليدية: لأنهن يحلمن بالسفر الأبعد، ربما يحققنه في الرحيل إلى الأبدية باكراً!

في الجزائر، كما في وهران وقسنطينة، القيروان والرباط والدار البيضاء، السواحل والحانات والمقاهي، و«التكيات» كنت أبحث عما هو خلف «السحنة» فأكتشف حياة عامرة بالأسى!

الشوارع والتراث والمسارح

حتى في وجه محمد زفراف ولحيته المغولية، وشحوب محمد القاسمي ومحترفه الفني، وخبز محمد رشدي الحافي وتأتأته وهو يعتذر مخموراً، في هؤلاء «المحاميد» وجدت عناوين الدروب، وأسئلة الطريق، والخطى التي لم تضل!

وأدركت برغم شقاوة المسير، أن الخطى الواثقة تصل إلى المعنى حتى ولو بعد حين، وهكذا هي الأسفار! سبر دائم لمعنى الخطى وطبائع البشر قد يسهل قراءتها في تلك الشوارع الخاصة بالسابلة والتراث والمسارح المتنوعة في «سوهو» و«ميونيخ» و«أثينا» القديمة، و«بومبي» إذ تقف النساء عاريات خلف واجهات الزجاج، مثل موديلات «باربي»! جميلات، لكن كسيرات، وحيث تقدم المسارح، مشاهد، لا تراها إلا في أحلام المراهقين!

لكنك، كما هي سان جيرمان، وقبالة «الليدو»، و«الطاحونة الحمراء» لا تلتقي بتولوز (لوتريك)، ولا بهوغو، أو سارتر، أو رولان بارت، وإن حملت المقاهي نكهاتهم وعطر أحاديثهم وفلسفاتهم واحتفظت بذاكرة ثانية عنهم، كما ذلك المقهى في بودابست التي تشرفت باسم الشاعر (شهيد)، بتوخي شاندور، وعلقت بندقيته وقصائد محروقة الحواشي، وبعض (أشياء) من متعلقاته، وصورته شاحب الوجه باسم المحيا برغم أنه واجه الموت فتى لم يتجاوز الرابعة والعشرين وهو يقود الثورة ضد المحتلين العثمانيين!

فالأسفار، أخاديد أزمنة، وطيات معارف، تعلمنا كيف نقرأ أسرارها الظاهرة!

جولة في التاريخ

أردت اختبار أخلاق الفييناويين فاستوقفت سيدة ثمانينية جميلة في أناقة ارستقراطية كأنها بارونة لأسألها عن الطريق، بعد أن ضللنا الحفرات والتحويلات إثر الانفاق التي كانت فينا «مخبوصة» بإنجازها.. فلم تكتف بأن رافقتنا إلى مرادنا، بل أوصلتنا حتى الملاذ، وتمنت لنا مع انحناءة «بارونية» نهاراً سعيداً، ووجها يشرق بابتسامة عذبة، كأنها «حورية قلب»! هذا الوجه ذكرني بوجه أم المستشرق الهنغاري الصديق «اليوش كرودنياك» اذ تعلمت ان المدن حكايا، وحين وقفت عند قلعة «بودا» أتأمل من شاهق مسرى الدانوب الأزرق، فسألت صديقي: لماذا تستقبلنا أمك كأننا أسرتها؟

ويدنو آدم «إبنك من القلب كأنه شقيق، أو إبن عزيز، هل لأن في دمنا تلك الكريات «الكوزموبوليتانية» التي تفخر بإنسانيتنا!؟

قال نعم، وقادني إلى مطعم القلعة، بعد ان أمضينا أسبوعين في استجمام منظمة الصحافيين العالميين، ضيوفاً في منتجع «بحيرة بلاتون»!

كأنها امتداد للوقت الجميل الذي أمضيناه في بحيرة «كومو» بعد ان نظرنا من شاهق برج «الفاتيكان» الى سحر روما، واغتسلنا من أتربة وأغبرة مدينة الرخام، ونحن نسعى إليها مخلفين برج بيزا المائل خلفنا، كي نشرب القهوة في ظل بيت «دافنشي» مستذكرين وجهه ولحيته وأعماله الفنية، كما علقتها إدارة المطعم الذي يحمل اسمه في «دبي»! أو كوجوه النادلات اللاتي كن يبتسمن بمرح وهن يداعبن كلب «أرداش» الذي يشبه الذئب، وهو يرافقنا في جولتنا بشوارع باريس، مع «شكله» عالية ممدوح التي أوصلتها لنا في مقهى فيكتور هوجو لنسلمها إلى زوجها في بغداد!

انها جولة ثملة اختتمناها بمطعم البستان حيث شاركنا كلب «أرداش» «المزة» اللبنانية وسرق أضواء حسناوات المائدة المجاورة اذ داعبنه كأنه عشيق!

تذكرت دعابات فاطمة اللبنانية الجنوبية التي رافقتنا في جولة ليلية في مطاعم باريس صحبة «المديني» وصولاً إلى الاليزيه.. اتماماً لتلك الجولة التي قادني فيها كاظم المقدادي من مطار ديغول الى ايفل والسين، ثم نهاراً إلى الفرساي واللوفر، كما لو كنت أميرا.. وعبر أمطار تنث بمشاكسة ناعمة، جلنا عند «قوس النصر» واندهش «الموسوي» من تظاهرة المثليين، التي كانت من التنظيم والطرافة بحيث نقلتها عدسات التلافيز في محطات أوروبا كلها، من دون تلك «الدهشة» الريفية، التي أبداها «صاحبي».

حين قصصت لمحمد سعيد الصكار، تلك الدهشة ابتسم بدعة، كما هي عادته وقدم لي بيتاً من الشعر كتبه سعدي يوسف، وخطه السكار بأنامله، قائلاً: كتبه بصري وخطه بصري ومهدى إلى بصري! وعقب: والورق من صناعة يدي! فكانت تحفة محبة مازالت تزين مكتبي في بغداد! آنذاك أراني السكار كتابه «رسائل الأدباء» مصوراً، عقبت: انه حصيلة حنين البعاد، وتنظيم المسافر النائي عن صحبه وتربه وترابه فلمعت عدسة نظارته لتعكس تلك الماسة وهي تنسل نحو غمازة فمه!

صرتم منا:

قالتها فلاحة من البوسنة، حين أضعنا الطريق.. فتوقفنا بعربتنا لنسأل نسوة حقل ذرة شاسع الذهب، غابت وعادت مع عائلتها كل يحمل الخبز «مثل قالب كيك» والملح والخيار والخضار، وسلة فاكهة طازجة، واجبان وألبان من متاع هذه الأرض الطيبة: انه تقليدنا، كلوا الخبز، صرتم منا! وفي الليل مدت فلاحة أخرى مسلمة فراشها المتواضع لنسائنا، وقادنا الرجل الى الحظيرة، ليقتسم معنا الأرض، ننام معاً، اصر فلاحون مسلمون ان يضيفونا حتى ينجلي الخيط الأسود، إذ جاءوا بخيرات أرضهم، أيضاً، إفطار شهي، وحاولنا ان نقدم لهم« نقوداً» هدية رفضوا.. كأننا جرحنا تقاليدهم!

صرتم منا.

كانت تلازمني، إذا سمعتها من أقصى المغرب العربي حتى أقاصي سيبيريا!

حين أخذنا القطار، لطيفة التيجاني وأنا، من محطة الدار البيضاء، في صباح ينث رذاذاً خفيفاً، بعد يوم حافل زرنا فيه ـ مع علي القاسمي ـ شقة الفنان خالد الجادر ومحترفه، إذ أصر أن يضيفنا على الغداء ـ (كبه حامض) ـ عراقية ـ طبخها بنفسه، (أنتم في بيتكم) كانت اللوحات تملأ الجدران والممرات والطرق، على الأرض، مرصوفة ومكدسة، أنجزها، بحمق ما قبل الوداع الأخير، قبل أن يتوقف قلبه! قالت أسرة لطيفة، وهي تستقبلنا في «فاس»: «صرتم منا».

وكذلك قالت مليكة العاصمي الشاعرة، والاستاذة الجامعية، والبرلمانية وعضوة اللجنة المركزية في الاتحاد الاشتراكي، ورئيس بلدية مراكش بالتناوب مع زوجها: «أنتم في بيتكم!». وطاف بنا «عبدالرفيع الجواهري» الأمكنة الأليفة مع أسرة أدباء المدينة، حتى تسلمنا ذلك الصبي الصغير عند قصر «المأمونية» ليسوق علينا القصة اثر الأخرى، كأنه دليل سياحي!

.. وأخرى في السياسة

والبصارة في (ساحة الفنا)، قالتها أيضاً، وهي تقرأ طالعنا بورق اللعب،، العرب أدلتنا إلى سبيل سواء، وأجرهم تلك الفتنة ومتساع الطريق.. كذلك قالها رئيس وزراء المجر وهو يستقبل وفود مؤتمر اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي، لمناسبة مرور ربع قرن على تأسيسه بعد أن ألقيت كلمة الوفود الأجنبية، كما قالها رئيس وزراء روسيا البيضاء في عاصمته «مينسك» ونحن نحتفل بأيام الصداقة العراقية ـ السوفييتية (آنذاك)..

وقالتها زوجة الليندي بعد أن اسقطت حزب الفاشست راية الديمقراطية في تشيلي، بانقلاب دموي أطاحت بزوجها وحكومته وذبحت شعب التشيلي، قالتها وهي تبتسم مجاورة ممثلتنا «زينب» في ندوة التضامن مع شعبها كأنه شعبنا ضمن التظاهرات المجاورة لمهرجان موسكو السينمائي الدولي، كذلك يشعر «ايتماتوف» وبطلة فيلمه «التفاحة الحمراء» الذي افتتح به المهرجان في قاعة «الكرملين»، حين شاركنا مائدتنا (الأممية) في مطعم فندق «راسيا» كذلك قالت فانيسيا ردغريف، وهي تفتح باب شقتها المتواضعة لتقودنا إلى صالة بحجم غرفة استعلامات، حيث هش بنا كلبها وبش كأنه يعرف رائحتنا (الفنية).

سفر الثقافة

نعم.. والأسفار تصنعنا! ولثقافة الشعوب محجة الإطلاع وسفر التكوين.. مرة، قادني سعد البزاز إلى «سوهو» لأشاهد «أو كلكتا» التي مضى تقديمها على المسرح قرابة ربع قرن، ثم في اليوم التالي أنا والملك وبتمثيل «يول براينر» قدمتني سيدة أنيقة على نفسها حين ضايقني طول الجالس أمامي، غيرت مقعدها، قالت: أنا مدمنة مشاهدة، سبق لي أن شاهدت المسرحية أربع مرات في سنوات متفاوتة.. استمتع بها، أنت ضيفنا.. وكانت استنتجت هويتي العربية من نمط همسي ولكنتي!

وفي دار الأوبرا ببودابست كنت أرقب الوجوه والسحنات لشباب شعوب عدة، وهي تنشد كل بلغتها ذلك النشيد الأممي، والدموع تعبر عن «الأسرة» العالمية ،التضامن... لم أشعر اللغات، بل مصير البشر، وحدة المصير، تحديداً... وإذ قادتني المترجمة لمشاهدة سبارتاكوس ـ مسرحية ـ في المساء التالي قالت: الحرية.. تلك هي الكلمة الحلوة!

قال رئيس تحرير الجريدة المركزية في بودابست: احتفظ بقصيدتك التي بعثتها من «نقرة السلمان» في المهرجان الذي نظمته لجنة الدفاع عن الشعب العراقي، أنت ورفيقاك الفريد سمعان وخالد الخشان، منشورة مع كلمة الجواهري وبرتراند رسل، انها هديتي لك لأنك احسنت معاملة ابنتي.. كانت ابنته مرافقتي في مؤتمر الشبيبة عام 1970.. وكانت طالبة في السنة الأخيرة بكلية اللغات، قال: صرت منا!

وحين قادتني الصديقة القاصة سميرة المانع، بعد سجال جميل مع زوجها الشاعر صلاح نيازي، حيث ذهب إلى الإذاعة البريطانية،

وذهبنا إلى قاعة «البرت هول» صارت الموسيقى صديقتننا ومعلمتنا لحظتئذ، وحلقنا إلى عوالم «التاسعة» لبيتهوفن وصعدنا مع «نشيد الفرح» لشيللر!! سألت الباحث الصديق فتحي نجدت صفوت، ونحن نتأمل تكلم البجعات في بحيرة المطعم في «كينت» كأننا نستمع إلى «بحيرة البجع»:

ـ هل وثائق مكتبة المتحف البريطاني تقول الصدق، كما هي جداريات حضارتنا الآشورية التي تملأ تلك القاعات العالية المهيبة، وكما هو صدق ابتسامة هذا الوجه الجميل وهو يقدم لنا ما طلبنا، بصفاء ولطف، أو كمياه هذه البحيرة الصافية؟

أجاب: في أكثر الأحيان.. نعم، لأنها كتبت من قبل موثوق بهم لدولتهم، وليس لنا، فصارت بعض تاريخنا.. لكن الوثائق تخاتل مرات، كما التاريخ، والأيام والأحوال.. والدروب!

لم أعلق، رحت استمتع بالبجعات ووجه النادلة، والسقف الخشبي الذي غمرت رائحته ا لمكان، وهي تذكرني بقبو زيوس في جرش حين وقفت الملكة نور أمام تمثال اسماعيل مفتاح «الرجل والديك» تحيته لبيكاسو.. دون حرج، لأنه فن، تكلم عبر إنسانية الجسد العاري!

قالت آنا كارنينا، الفنانة السينمية، ونحن نعبر نهر «الفولغا»، ونحن نمشي على «الماء» المتجمد باتجاه الطراد «أورورا» في ذلك «النهار الأبيض» وسط ليالي (ليننغراد) البيض لنتلمس أي رداء شفيف منحتنا إياه الطبيعة،

بعد نهار من التجوال في القصر الصيفي للقيصر بطرس، إذ ضحكنا كثيراً ونحن نقع «ضحية» تلك الآجرات السريات عبر ممرات الحدائق، التي طالما تدوس عليها ينهمر عليك الماء مثل رذاذ المطر، إذ كان القيصر يحب مداعبة ضيوفه بتلك الفخاخ المائية! وبخاصة العشاق الباحثين عن الخلوة! فيفسد عليهم خلوتهم!

ضحكنا، قالت آنا: «إنها فخاخ أنيقة، مكلفة، مثل كنوز كاترين، وأجراس القيصر، ومؤامرات القس، ونجمات العقيق في ساعة الكرملين وبرجه!

وأضفت: ومثل «نساء الكولخوزات»!

فضحك الناقد السوري سعيد مراد، حين رأى وجه أنا يحمر خجلاً.

قالت آنا: لم لا تقول: كوجه فاتن؟

وكانت معنا على ظهر السفينة نمخر قناة موسكو، وجوارنا المخرج السينمي الياباني كوروساوا الذي حاورناه، آنذاك، والتقطنا الصور التذكارية معه، ومعنا صديقتنا الفنانة الكبيرة فاتن حمامة..

علقت زوجتي: يا آنا .. لولا ستالين لما تمتعنا بهذه السفرة، ولولا لينين لما استطعنا زيارة هذا القصر.. اتق الرب!

مرة، ونحن نزور محترفات فناني الهند، التي وفرتها لهم «أكاديمية لاليت غالا» التي تنظم تريناله الهند (معرض الثلاث سنوات)، لمست سعادة في الوجوه المعروفة مثل ابتسامة الزهاد، تحريت السبب، فوجودت أن الجميع راضون ومقتنعون بأنهم يعملون لغدهم وبشر حاضرهم في آن. لفت نظري رف الكتب العريض في إدارة الأكاديمية، متساوية في حجومها، وقياساتها كأسنان المشط، متشابهة في إخراجها مثل توائم، وهي عن حشو الفنانين المميزين، سألت البروفيسور رئيس الأكاديمية، والقيم على معارضها وأنشطتها المجاورة. قال:

ـ الفرص متساوية، لأن لكلٍ طريقاً ومذهباً وسبيلاً! هم استحقوا ذلك لإنسانية منهم! هذا درس أيضاً.. في السفر بحث، ووصول، والفن سفر أيضاً واللوحة طريق!

التقيت زهاداً ومتصوفة في «حيدر آباد» وفي كلكتا ونيودلهي وبومباي من أديان عدة ومذاهب شتى، ووقفت طويلاً متأملاً ما أنجزه الفنانون في متحف «حيدر آباد» وما خلفه البحاثة من مخطوطات في جامعتها.. ولفت نظري تمثال أشبه بالإعجاز قد من شجرة واحدة بوجهين وقامتين: الوجه الأول لسيدة في القرن التاسع عشر بما عرفت به المجتمعات الارستقراطية من أناقة وترف، على الضد من الخشبة نفسها،

وفي الوجه الآخر نحت لفارس من القرون الوسطى مدجج برمحه وأسلحته وخوذته ودرعه الحديد حتى القدمين! وعبر نافذة من غرفة علوية في (القصر الأحمر الكبير) حيث نظر الملك (الأسير والسجين) إلى قبر حبيبته «جيهان شاه» يكمل تشييده الأبناء الذين استولوا على السلطة وأحالوا الوالد إلى تقاعد حبيساً، فراح يهمر الدموع، وصار «تاج محل» المزار، هدية العاشق، وأعجوبة الزمان في العمارة الإسلامية حتى يومنا، حيث تسقط من فتحة في أعلى القبة، كل فجر، قطرات الندى من الغيوم، كأنها دموع.. تماماً، حيث تسجى (المحبوبة!).