جميلة هي المدن التي لا تخون ذاكرتها، ولا تدع الحاضر بكل منجزاته ينسيها صدى البدايات، فتشمر عن سواعدها لتحيل غبار الماضي وركامه إلى شهادة ناصعة على أصالة الأسلاف والأحفاد، وعلى أن القلب لا يمكن أن يحافظ على عافيته ما لم يقلّب في ألبوم ذكرياته، مفتشاً عن بذور الثمر وعن حبة الرمل المؤثث لكل هذا الاخضرار.
ومدينة دبي إحدى المدن العربية التي تتسم بالقوة، لأنها ترفض أن تتجاهل تاريخها الطيب، فهي تفخر بماضيها، وتجعله نبراساً يهتدي به أبناء الوطن قبل أن تجرفهم نعم الحاضر إلى آفة النسيان، ليتأكد لهم أن الحاضر لم يكن مجانياً، وأن الرفاهية حصيلة سنوات من التعب وشظف العيش.
ما أن تدخل المكان حتى يأخذك بقضه وقضيضه، تتنعّم فيه برائحة الماضي الذي يبدو كأنه يستحم على خور دبي، فتراه متألقاً قبل أن يستضيفك زائراً عزيزاً على مائدته العامرة بتفاصيل حياة سالفة تبدي امتنانها للأيادي التي حفظتها من الاندثار والتلاشي.
إنه حي البستكية الذي أنشئ عام 1890 ويقع شرق مدينة دبي القديمة في بر دبي، ويمتد بطول ثلاثمئة متر بمحاذاة الخور، وعمق حوالي مئتي متر باتجاه الجنوب. وتعتبر البستكية أحد أهم المعالم التاريخية في مدينة دبي من حيث تميزه بالبراجيل والزخارف الجصية، وأعمال النجارة التي تفوح ببساطة التاريخ المضفور في معنى الخشب بدرجاته البنية الدافئة.
أول ما يلفت النظر في هذا الحي العتيق وجود بعض الأبراج الهوائية، وهي وسيلة لجأ إليها الأجداد لمواجهة شراسة الطقس الصحراوي، يوم كانت الحياة هي التحايل على قسوتها، فلم يكن أمام أهالي هذه المنطقة وما شابهها سوى ابتكار وسائل تعينهم على التشبث بالأرض.
ويوجد في كل برج أربع فتحات تصطاد النسيم من كل الاتجاهات سواء من ناحية البحر أو ناحية الصحراء، ليتم سحبه ديناميكياً وبدون تدخل بشري إلى داخل الدار. ووجود الأبراج الهوائية يتوقف على الحالة المادية لأصحاب المنزل، سواء من ناحية ارتفاعه أو من ناحية توافره من عدمه.
مشينا الهوينى في مسارب الحي وأزقته مشدوهين بعبق الذكريات الذي يضج من الحواري الضيقة والبيوت المتراصة والأبواب الخشبية العتيقة بمتاريسها الصدئة، ليزداد المشهد وضوحاً عن ماهية الحياة في الزمن الغابر. فبالرغم من أن هذه البيوت هجرها أصحابها إبان الطفرة النفطية، إلا أن تلاصقها عبر «سكيك» لا يزيد عرضها عن أمتار معدودة يكشف بجلاء حتمية وجود روح التواصل وحميمية العلاقات الأسرية والاجتماعية بين أبناء الحي.
وعندما دلفنا إلى أحد هذه البيوت وجدنا حوشاً كبيراً يتوسط الدار وهو العنصر الغالب في معظم المنازل، كما قال مرافقي، وهذا الحوش يعطي خصوصية لقاطنيه، خاصة المرأة، بما يتوافق مع العادات والتقاليد العربية، بحيث تستطيع أن تمارس نشاطها وتتحرك بحرية،
لذلك يوجد للمنزل مدخلان أحدهما لأهل الدار والآخر لضيوفه. لقد حرص القائمون على أمر ترميم البستكية على استجلاب العناصر التقليدية المندثرة مثل المجالس في وسط الدار، وبعض الأدوات المستخدمة في الحياة اليومية ما يعطي شعوراً حقيقياً بأن أهل المنزل غير موجودين لكنهم سيعودون بعد قليل.
الجميل أن الأشجار بفروعها المتهالكة لا تزال تؤم بعض الحارات ما يذكر بمرابع الصبا.. كدت أجلس تحت إحداها مسترجعاً لهو الصغار وشقاوتهم بأقدامهم الحافية تحت ظلال الفروع المنهكة.
انتقلنا قليلاً إلى تخوم البستكية لنجد أمامنا موقع جاليري الذي بدأ ترميمه في يناير 2002، وأنجز في أكتوبر من نفس العام بتكلفة إجمالية بلغت 800 ألف درهم، وترجع ملكيته إلى مير عبدالله أميري وقد جرى استملاكه من البلدية وتحويله إلى متحف لعرض وبيع المقتنيات الأثرية المتوافرة بكثافة في إمارة دبي.
وخلال تجوالنا شدّ انتباهنا سهم مكتوب عليه «مركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري» ولم يكن مستغرباً أن نجد مثل هذا المركز في مكان يضج بأصالة الماضي وحيوية الحاضر. ولعل رسالة المركز المنصبة على تعريف الأجانب والزوار بالعادات والتقاليد والقيم التي يتمتع بها المجتمع المحلي بالدولة يبين الحس الحضاري للقائمين على هذا المشروع، لأن ترميم الحجر لن يؤدي رسالته ما لم يضخ برسائل ومحاضرات تعريفية عن تاريخ المنطقة وتراث أهلها، وتفاصيل حياتهم التي يجهلها الكثيرون.
ويكتسب المبنى أهمية تاريخية من خلال اطلالته المفتوحة من جهتين مقابل الدخول إلى منطقة البستكية. ويتمتع المبنى ببصمة فنية ذات طابع تراثي رفيع ظهر جلياً في النوافذ والأبواب والأشكال الخشبية كالشرباك، فضلاً عن المنمنمات الجصية التي يتسم بها الطابقان المكونان للمبنى.
ولأن المكان لا يقبل المساومة على هويته والمساس بروحه يعتبر خطاً أحمر يمنع الاقتراب منه، فقد تعمدنا الدخول إلى أحد الأماكن المؤجرة حيث لاحظنا مدى الالتزام الصارم بشروط المنطقة من حيث التصميم البديع الذي يسم المكان برمته، منها الأضواء الخافتة المتمثلة في لهب الشموع، والقناديل الزيتية المعلقة بوقار على الجدران، والحلي الزخرفية والأساور والثريات الصدفية والغرف المسقوفة بجذوع النخيل التي ميّزت منازل البستكية عموماً.
أما دار الندوة الذي يرجع ملكيته لأحد التجار الذي استقر في الهند، فقد ذهبت ملكيته لأحد القضاة اليمنيين، إلا أن بلدية دبي تملكته بعد تعويض صاحبه تعويضاً مناسباً. وكان هذا القاضي يقيم مجالس ثقافية مع أصدقائه تتناول الشأن الاجتماعي والتاريخي والتراثي لمنطقة الخليج، لذلك فضّل المسؤولون أن يستمر المكان في أداء رسالته الثقافية عبر ندوات شهرية تخص كل ما هو عربي وإسلامي.
جمال يلاحقه جمال، ومشاعر الغبطة لا تتوقف عند حد، فأنت في حضرة الماضي بكل بساطته الشامخة، وروح التراث التي تصدح في كل مكان، تجعلك تفكر أكثر من مرة قبل مغادرة المكان رغم الرطوبة الخانقة.
ولأن لحظات الطفولة هبت مرة أخرى على الذاكرة فقد طلبت من مرافقي العودة مجدداً إلى الأزقة والحارات ذات الطابع الشعبي،
وقفت أمام أحد المنازل وقد كتب على بابه مجموعة أرقام غير واضحة، بعد أن غطاها الغبار والصدأ، سرحت قليلاً في هذا العنوان الآتي من الماضي البعيد، لكني رأيت عن بعد أحد الشوّاب وقد تقاطرت حبات الماء من وجهه وساعديه، استوقفته وسألته: هل أنت من هذه المنطقة؟ فأجاب: نعم يا ولدي، سأعود إليك بعد صلاة المغرب.. لكنه لم يعد.
مجدي أبوزيد:


